اختبار صعب.. هل تتخلى الصين عن إيران مع تشديد العقوبات الأميركية؟

آخر تحديث:

شاركنا:
شركات التكرير الحكومية الكبرى تتجنب شراء الخام الإيراني(رويترز)
هايلايت
  • تضع الضغوط الأميركية المتصاعدة على إيران الصين أمام معادلة دقيقة.
  • مراقبون: قد تتجه بكين لسياسة وازنة تحفظ قنواتها السياسية والاقتصادية مع طهران.
  • بحسب بيانات شركة "كبلر" بلغ متوسط واردات الصين من النفط الإيراني نحو 1.4 مليون برميل يوميًا. 

تضع الضغوط الأميركية المتصاعدة على إيران، الصين، أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على شراكتها الإستراتيجية والاقتصادية مع طهران، وفي مقدمتها النفط، وتجنب صدام واسع مع واشنطن، صاحبة المصالح الأكبر لبكين.

إضعاف إيران

وبينما يستبعد مراقبون وخبراء تحدثوا لـ"المشهد" تخلي الصين عن إيران بالكلية، فقد رجحوا أن تتجه بكين إلى سياسة وازنة تحفظ قنواتها السياسية والاقتصادية مع طهران، من دون التضحية بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، بما يسمح بإضعاف إيران تحت وطأة الضغوط الأميركية، لكن من دون السماح بانهيارها أو خروجها نهائيًا من دائرة النفوذ الصيني.

وبحسب بيانات شركة "كبلر" لتتبع حركة السفن، بلغ متوسط واردات الصين من النفط الإيراني نحو 1.4 مليون برميل يوميًا خلال العام الماضي، قبل أن تتراجع بفعل القيود الأميركية المفروضة على السفن والموانئ الإيرانية منذ 13 يوليو.

إذ انخفضت الشحنات إلى نحو 785 ألف برميل يوميًا في يونيو، وهو أدنى مستوى منذ فبراير 2023.

كما تتصدر مصافي التكرير الصينية المستقلة، قائمة المشترين، مستفيدة من الخصومات الكبيرة التي يقدمها النفط الإيراني مقارنة بالأسعار العالمية.

في المقابل، تتجنب شركات التكرير الحكومية الكبرى، شراء الخام الإيراني منذ إعادة واشنطن فرض العقوبات على طهران عام 2019، بحسب "رويترز". ثم تشير مصادر في قطاع التكرير والتجارة، إلى أنّ النفط الإيراني يُسجل أحيانًا في البيانات التجارية على أنه قادم من دول أخرى، بينها ماليزيا وإندونيسيا، فيما تُسدد معاملاته باليوان عبر شبكة من الوسطاء.

ضغوط واشنطن

وقد كثفت واشنطن ضغوطها على مشتري النفط الإيراني في الصين، وفرضت عقوبات على مصافٍ مستقلة وشركات شحن وأطراف أخرى في سلسلة التوريد. ففي أبريل، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مصفاة "هينغلي بتروكيميكال"، ونحو 40 شركة شحن وسفينة، متهمة المصفاة بشراء النفط الإيراني بمليارات الدولارات، وهو ما نفته الشركة.

ورغم ذلك، لم تؤدّ العقوبات السابقة إلى تراجع كبير ومستدام في تدفقات النفط الإيراني إلى الصين؛ فقد بلغت الواردات نحو 1.24 مليون برميل يوميًا في يناير، و1.58 مليون برميل يوميًا في فبراير.

العلاقات الإيرانية الصينية

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال الكاتب والمحلل السياسي جاسم خلفان، إنّ العلاقات الإيرانية الصينية "قوية وقديمة"، مشيرًا إلى أنّ المصالح المشتركة بين البلدين تجعل من الصعب على بكين التخلي عن طهران، حتى في ظل الضغوط الأميركية.

وأوضح خلفان أنّ الصين ترفض الإجراءات الأحادية التي تتخذها الولايات المتحدة بحق الدول، خصوصًا تجاه إيران، معتبرًا أنّ بكين تنظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها غير قانونية، وهو ما يدفعها إلى الحفاظ على علاقاتها مع طهران.

وأضاف أنّ المصالح الاقتصادية تمثل عاملًا رئيسًا في تمسك الصين بإيران، مع الأخذ في الاعتبار أنّ بكين تعدّ أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وتحصل عليه بأسعار منخفضة، ما يجعل استمرار العلاقات بين الجانبين ذا أهمية اقتصادية وإستراتيجية للصين.

وأشار خلفان إلى أنّ بكين، باعتبارها قوة دولية كبرى، لا تقبل أن تنفرد الولايات المتحدة بفرض سياساتها على إيران، موضحًا أنّ هناك تقاطعًا بين المصالح الاقتصادية والجيوسياسية الصينية والإيرانية في مواجهة الضغوط الأميركية.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي، أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى الحدّ من النفوذ الصيني المتنامي على الساحة الدولية، في حين تعمل بكين على توسيع حضورها العالمي وتعزيز علاقاتها مع مختلف الدول، لكن من خلال الاستثمار والتنمية والشراكات الاقتصادية، وليس عبر الحروب.

مصالح متشابكة

وعليه، فبكين وواشنطن ترتبطان بعلاقات ومصالح متشابكة، تجعل من الصعب على واشنطن فرض ما تريده بالكامل على بكين، بحسب المصدر ذاته، مشيرًا إلى أنّ "وجود التنين الصيني" يفرض حسابات معقدة على السياسة الأميركية.

وأردف: "الصين تحاول في بعض الأحيان طرح مبادرات تقوم على الدبلوماسية، وحل النزاعات، إلى جانب توظيف المصالح الاقتصادية والأبعاد الأمنية والسياسية، في إطار سعيها لتعزيز نفوذها والحفاظ على مصالحها الدولية".

وخلص خلفان إلى أنّ الولايات المتحدة لن تتمكن، وفق تقديراته، من دفع الصين إلى التخلي عن إيران أو الابتعاد عنها، في ظل عمق العلاقات بين بكين وطهران وتشابك المصالح الاقتصادية والجيوسياسية بينهما.

شريان حياة اقتصادي

إذًا، ستواصل الصين على الأرجح توفير "شريان حياة اقتصادي" لإيران، عبر شراء النفط الإيراني بأسعار منخفضة باستخدام "أسطول الظل"، وفق ما يشير الأستاذ المشارك في السياسة والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا الدولية والباحث غير المقيم في برنامج الشرق الأوسط لدى مؤسسة كارنيغي إرك لوب.

وأوضح لوب لـ"المشهد"، أنّ بكين أظهرت، في السابق، تحديًا للضغوط الاقتصادية الأميركية، مشيرًا إلى أنها تستطيع في الوقت الراهن الاستفادة من وصولها إلى سوق اقتصادية ضخمة وإلى المعادن الأرضية النادرة، بما يساعدها على الحفاظ على موقفها في مواجهة الضغوط الأميركية.

وأضاف أنّ الصين، على المستوى الرسمي، تعلن معارضتها للضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تمارسها الولايات المتحدة على إيران، وتؤكد أنّ الدبلوماسية تمثل المسار الأفضل لخفض التصعيد وتهدئة التوترات وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

وتابع: "بعيدًا عن المواقف المعلنة، ثمّة تقارير تؤشر إلى أنّ الصين، بالتنسيق مع روسيا، تقدم لإيران دعمًا عسكريًا أو مساعدات ذات استخدام مزدوج. من ثم، فهذا الدعم قد يسهم في إبقاء الولايات المتحدة منخرطة في صراع جديد في الشرق الأوسط".

استنزاف القدرات الأميركية

ورأى الأستاذ المشارك في السياسة والعلاقات الدولية بجامعة فلوريدا الدولية، والباحث غير المقيم في برنامج الشرق الأوسط لدى مؤسسة كارنيغي، أنّ استمرار هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى استنزاف الموارد والقدرات الأميركية وتحويل جزء من أصولها العسكرية بعيدًا عن بحر الصين الجنوبي وآسيا على نطاق أوسع، بما يخدم، بصورة غير مباشرة، المصالح الإستراتيجية لبكين.

يتفق والرأي ذاته، المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة كمال الزغول، والذي يرى أنّ الصين تواجه اختبارًا صعبًا في علاقتها مع إيران، بفعل تصاعد الضغوط والعقوبات الأميركية على طهران، مستبعدًا أن تتخلى بكين عن إيران بصورة كاملة؛ حيث إنّ العلاقة بين البلدين ليست مجرد تحالف سياسي، وإنما ترتبط بـ"مصالح إستراتيجية واقتصادية"، على حد توصيفه، أبرزها النفط وموقع إيران في الحسابات الصينية تجاه الشرق الأوسط والنظام الدولي.

في المقابل، تدرك الصين أنّ مصالحها مع الولايات المتحدة أكبر بكثير من مصالحها مع إيران. ولذلك؛ لن تكون مستعدة، على الأرجح، للدخول في مواجهة اقتصادية شاملة مع واشنطن من أجل إنقاذ الاقتصاد الإيراني، بحسب الزغول.

ويقول: "قد يكون الخيار الصيني هو الموازنة بين الطرفين: تخفيف مستوى الانخراط الاقتصادي المباشر مع إيران، وتجنب استفزاز واشنطن، مع الإبقاء على القنوات السياسية والاقتصادية التي تمنع انهيار العلاقة مع طهران".

والأهم أنّ الصين قد لا ترى ضرورة لإنقاذ إيران من الضغوط الأميركية بالكامل، والحديث للمراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، حيث إنه في حال أدى الضغط الاقتصادي إلى دفع طهران نحو العودة لطاولة المفاوضات، وتقديم تنازلات محدودة، فقد تعتبر بكين ذلك نتيجة مقبولة، طالما أنّ إيران لا تنهار ولا تتحول بالكامل إلى المعسكر الأميركي.

من هنا، فإنّ السؤال المفترض، وفق المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، ليس: "هل ستتخلى الصين عن إيران؟ بل: إلى أيّ حد تستطيع الصين التضحية بإيران من أجل الحفاظ على مصالحها مع الولايات المتحدة؟".

ويجيب: "بكين، على الأرجح، ستختار المنطقة الوسطى، أي أن تسمح بإضعاف إيران، لكنها لن تسمح بسهولة بسقوطها أو خروجها الكامل من دائرة النفوذ الصيني. فالصين لا تحتاج إلى انتصار إيران على الولايات المتحدة بقدر ما تحتاج إلى منع الانتصار الأميركي الكامل عليها".

وبالعودة لخطوط الدبلوماسية، ثمة تحرك باكستاني عُماني، قد ألمح إليه الزغول، ومن الممكن أن يؤثر في المشهد الحالي؛ لأنّ الحسابات الاقتصادية للدول كافة، بما فيها الصين وحلفاؤها، يجب أن تكون دقيقة وتتبع سياسة حكيمة. 

(المشهد)