في خطوة تعكس زخما متصاعدا وتطورات متسارعة في مسار التقارب التدريجي بين القاهرة ودمشق والذي بدأ مع ملامح المرحلة الانتقالية في سوريا بعد عام 2024، أعلنت مصر رسمياً عن قرب عودة الرحلات الجوية المباشرة بين القاهرة ودمشق لأول مرة بعد غياب استمر لأكثر من 12 عاماً.
وتجلت هذه الخطوة في تصريحات وزير الطيران المدني المصري سامح الحفني، والذي كشف خلالها أن عودة الطيران المباشر باتت قريبة جداً، موضحاً أن هناك مباحثات تجري حالياً مع الجانب السوري لترتيب الإجراءات الفنية واللوجستية اللازمة، مبيناً أن هذا المسار يأتي تتويجاً لسلسلة من اللقاءات الدبلوماسية والفنية التي شهدتها سوريا مؤخراً لضمان جاهزية المطارات واستيفاء كافة المعايير المطلوبة للتشغيل.
تصريحات الوزير المصري والتي توحي بقرب انفراجة في ملف النقل الجوي وإعادة تسيير الرحلات المباشرة بين القاهرة ودمشق، عدها مراقبون مصريون وسوريون تحدثوا لمنصة "المشهد" بأنها تحمل دلالات سياسية واقتصادية كبيرة، تعكس رغبة واضحة بين البلدين في تخطي مرحلة الجمود التي أصابت علاقاتهما مؤخراً.
خطوة محورية
المحلل السياسي السوري غسان يوسف وصف هذه الخطوة "بالمحورية في مسار التقارب الدبلوماسي بين القاهرة ودمشق، وتشير إلى أن الأمور طبيعية بينهما"، موضحاً أنها تؤكد على وجود اتصالات مستمرة ودائمة بين البلدين من أجل المضي قدماً في الارتقاء بعلاقاتهما لتكون في أفضل حالتها.
وذكر يوسف في حديثه مع "المشهد" أن عودة الرحلات المباشرة بين القاهرة ودمشق بعد انقطاع دام لسنوات طوال، ستكون لها انعكاسات جيدة من أبرزها الآتي:
- تعدد الزيارات المتبادلة بين شعبي البلدين.
- تشجيع عودة اللاجئين السوريين المقيمين في مصر إلى وطنهم.
- تسهيل حركة الطلاب والباحثين والأكاديميين، وفتح المجال أمام زيادة التعاون بين الجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية بين مصر وسوريا.
- التقارب المصري السوري بات ضرورياً.
وتوقع يوسف أن تتبع خطوة تشغيل الخطوط الجوية المباشرة بين مصر وسوريا إجراءات دبلوماسية أكثر عمقاً، مؤكداً أن هناك رغبة حقيقية بين البلدين من أجل العمل على تحسين العلاقات بينهما خلال الفترة المقبلة، مبيناً أن التقارب بين القاهرة ودمشق أصبح ضرورة لا غنى عنه تفرضها التحولات الإقليمية، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات وتداخل الملفات الأمنية والسياسية، وهو ما يتطلب تنسيقاً أكبر بين العواصم العربية الفاعلة.
وأوضح أن الفترة الماضية شهدت تحركات دبلوماسية حثيثة بين البلدين، تمثل أبرزها في اعتماد قائم بأعمال البعثة السورية في القاهرة، وبدء مهام عمله رسمياً لتسهيل التواصل المباشر بين البلدين، وساهمت هذه التحركات في تمهيد الأرضية لتعاون اقتصادي تجسد في عقد ملتقيات استثمارية مشتركة ولقاءات وزارية بحثت ملفات الطاقة والبنية التحتية.
توازنات إقليمية
واتفق مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي مع المحلل السوري غسان يوسف، فيما يتعلق بأهمية التقارب بين القاهرة ودمشق، حيث أكد عبر حديثه لـ" المشهد" أن هذا التقارب يحمل دلالات هامة وضرورية تفرضها التحولات الإقليمية، كما وصف خطوة استئناف الخطوط الجوية المباشرة بين مصر وسوريا بالإيجابية بكل المقاييس، لأنها تعيد وصل ما انقطع وتفتح نافذة جديدة للتعاون، وتؤكد أن العلاقات العربية عندما تبنى على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، تصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق المكاسب للجميع.
وأكد على أهمية استعادة الدور المصري تجاه الملف السوري، سواء فيما يتعلق بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية، أو من منظور موازنة النفوذ الإقليمي لقوى أخرى فاعلة، خصوصاً في تركيا، وإسرائيل التي تحاول أن تُقحم نفسها في الشأن السوري عنوة.
تطور إيجابي
ويرى الدبلوماسي المصري أن اقتراب عودة الرحلات الجوية المباشرة بين القاهرة ودمشق، لا يمثل مجرد قرار يتعلق بقطاع الطيران أو خطوة فنية لتنظيم حركة السفر بين بلدين عربيين، وإنما يعكس تحولا سياسيا واقتصادياً وإنسانيًا، يحمل في طياته رسائل أعمق بكثير من مجرد إعادة تشغيل خط جوي، لأن الطيران في مثل هذه الحالات يكون دائماً أول المؤشرات العملية على عودة الثقة واستعادة قنوات التواصل وتهيئة المناخ أمام مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية.
وأكد أن هذه الخطوة تعد من أكثر التطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات المصرية السورية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً أنها تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب واسعة لخريطة العلاقات الإقليمية على أساس المصالح المشتركة والاستقرار والتنمية، بعيداً عن منطق القطيعة الذي أثبت خلال السنوات الماضية أنه لم يحقق مكاسب حقيقية لأي طرف.
مكاسب اقتصادية عديدة
أما على المستوى الاقتصادي، فيشير الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي أبو بكر الديب، إلى أن مصر ستستفيد من زيادة حركة النقل الجوي عبر مطار القاهرة الدولي، الذي يعد واحداً من أهم مراكز الطيران في المنطقة، حيث يمكن أن تتحول الرحلات بين مصر وسوريا إلى نقطة انطلاق للمسافرين القادمين من دمشق، والراغبين في السفر إلى إفريقيا أو الخليج أو أوروبا عبر الشبكة الواسعة التي توفرها شركات الطيران العاملة من القاهرة، وهو ما يزيد من معدلات التشغيل ويرفع الإيرادات المرتبطة بخدمات الطيران والمطارات، ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل الجوي في الشرق الأوسط.
وأضاف أن عودة الحركة المنتظمة ستفتح الباب أمام تنشيط قطاع الشحن الجوي الذي يمثل عنصرا بالغ الأهمية في دعم التجارة، خصوصا بالنسبة للسلع التي تحتاج إلى سرعة في النقل مثل الأدوية والمنتجات الزراعية والمواد الغذائية والمنتجات الصناعية ذات القيمة المرتفعة.
وفيما يتعلق بسوريا، فيؤكد الديب أن مكاسبها الاقتصادية قد تكون أكبر، لأن إعادة تشغيل الخطوط المباشرة مع مصر تعني كسر جزء من العزلة التي فرضتها ظروف السنوات الماضية، وتوفير منفذ جوي مهم يربط دمشق بإحدى أكبر العواصم العربية وأكثرها تأثيراً اقتصادياً، وهو ما يسهل حركة رجال الأعمال والمستثمرين، ويشجع الشركات المصرية على دراسة فرص الاستثمار داخل السوق السورية، مع استمرار عمليات إعادة الإعمار وعودة النشاط الاقتصادي تدريجيا، كما يمنح الشركات السورية فرصة أفضل للوصول إلى الأسواق الخارجية عبر القاهرة، ويقلل من تكاليف السفر التي كانت ترتفع؛ بسبب الاعتماد على رحلات غير مباشرة تستغرق وقتا أطول، وتفرض أعباء مالية إضافية على المسافرين.
ولفت إلى أن هذه الخطوة سيكون لها أثر مباشر على التبادل التجاري بين البلدين، لأن سهولة انتقال الأفراد غالباً ما تنعكس على سهولة انتقال السلع والخدمات، فكلما زادت حركة السفر ارتفعت فرص عقد الصفقات التجارية وتنظيم المعارض الاقتصادية وتبادل الوفود الاستثمارية.
أبعاد إنسانية
ويؤكد الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، أنه لا ينبغي إغفال البعد الإنساني لهذه الخطوة، لأن آلاف الأسر المصرية والسورية تأثرت خلال السنوات الماضية بصعوبة السفر المباشر، واضطرت إلى تحمل تكاليف مرتفعة ورحلات طويلة عبر دول وسيطة، ولذلك فإن إعادة الرحلات ستخفف كثيرا من هذه المعاناة، وستعيد التواصل الطبيعي بين العائلات.
وأشار إلى أن قطاع السياحة هو الآخر سيكون من أبرز المستفيدين، لأن مصر تمتلك مقومات سياحية عالمية تجعلها وجهة جاذبة للسائح السوري، بينما تمتلك سوريا إرثاً حضارياً وتاريخياً عريقاً يمكن أن يستعيد جزءاً من نشاطه مع تحسن الأوضاع واستعادة خطوط الطيران، وهو ما قد يخلق حركة سياحية متبادلة تدعم الاقتصادين.
(المشهد - القاهرة)
