مرحلة غير مسبوقة.. العراق يصبح ساحة مواجهة مباشرة بين أميركا وإيران

آخر تحديث:

شاركنا:
ضغوط متزايدة من طرف إدارة ترامب تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق (أ ف ب)
هايلايت
  • العراق أصبح ساحة مواجهة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية.
  • سلسلة هجمات استهدفت منشآت نفطية ومرافق حيوية في محافظة البصرة.
  • خسائر اقتصادية كبيرة هددت المالية العامة لدولة تعتمد على عائدات النفط.
دخل العراق مرحلة غير مسبوقة من الهشاشة السياسية والأمنية بحسب تقرير لصحيفة "غارديان"، بعدما أطاحت الحرب المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازن الدقيق الذي ظل يحكم علاقاته مع الطرفين لعقود، ليجد نفسه ساحة مواجهة مباشرة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والإقليمية، وسط تصاعد نفوذ الفصائل المسلحة وعجز الدولة عن فرض سيادتها.

وأظهرت التطورات الأخيرة بحسب التقرير، حجم الأزمة التي تواجهها بغداد، بعدما تعرضت منشآت نفطية ومرافق حيوية في محافظة البصرة لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة، استهدفت حقولا تديرها شركات أجنبية، بينها "بي بي"، إضافة إلى منشآت تخدم شركات أميركية تعمل في قطاع الطاقة.

هجمات إيرانية

وأدت الهجمات بحسب التقرير، إلى حرائق واسعة وتعطيل جزء مهم من الإنتاج النفطي، بينما اضطرت مئات الكفاءات الأجنبية إلى مغادرة البلاد، وأُوقف آلاف العمال العراقيين عن العمل.

ورغم غياب إعلان رسمي عن المسؤولية عن معظم تلك الهجمات، أكدت مصادر حكومية عراقية في التقرير، أن منفذيها ينتمون إلى فصائل منضوية تحت لواء "المقاومة الإسلامية في العراق"، وهي مظلة تضم جماعات شيعية مدعومة من إيران، وتشكل في الوقت نفسه جزءا من "هيئة الحشد الشعبي"، التي أصبحت منذ سنوات قوة عسكرية واقتصادية وسياسية، تمتلك هامشا واسعا من الاستقلال عن مؤسسات الدولة.

وترى أوساط رسمية عراقية في التقرير، أن الضربات استهدفت شل قطاع النفط، المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد، من أجل الضغط على الولايات المتحدة لوقف عملياتها العسكرية ضد إيران، بعدما أدى تراجع الإنتاج وتعطل الصادرات، إلى خسائر اقتصادية كبيرة هددت المالية العامة لدولة يعتمد ملايين موظفيها على عائدات النفط.

مهلة الزيدي

وتصاعدت الضغوط الداخلية بعدما منح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الفصائل المسلحة مهلة حتى نهاية سبتمبر، لتسليم أسلحتها ودمج مقاتليها داخل المؤسسات الرسمية، في خطوة جاءت استجابة لضغوط أميركية متزايدة، تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق.

غير أن الفصائل الأكثر تشددا رفضت الانصياع للقرار، معتبرة بحسب التقرير، أن الاحتفاظ بالسلاح "واجب ديني" ما دام الوجود العسكري الأميركي مستمرا في العراق، فيما تواصل إسرائيل استخدام الأجواء العراقية في عملياتها ضد إيران، الأمر الذي يعمق الانقسام داخل الساحة الشيعية بين تيارات مستعدة للتسوية، وأخرى تعتبر الصراع مع واشنطن وتل أبيب معركة وجود.

ويؤكد مسؤولون أمنيون في التقرير، أن الدولة العراقية تمتلك معلومات دقيقة عن الجهات التي تنفذ الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، لكنها تعجز عن ملاحقتها بسبب تغلغل الفصائل داخل المؤسسات الأمنية والإدارية، فضلا عن تفشي الفساد الذي أضعف قدرات الأجهزة العسكرية، حيث تحولت بعض المناصب القيادية، بحسب مسؤولين، إلى وسيلة لتحقيق النفوذ والمكاسب المالية بدل حماية الأمن الوطني.

المظلة الاقتصادية الأميركية

كما كشفت الحرب حجم اعتماد العراق على المظلة الاقتصادية الأميركية، بعدما استخدمت واشنطن نفوذها المالي كورقة ضغط، عبر تعليق شحنات الدولار المرسلة إلى بغداد لفترة مؤقتة، وهو ما دفع الحكومة إلى تسريع خطواتها تجاه ملف نزع سلاح الفصائل قبل استئناف تحويل الأموال، في ظل اعتماد العراق على النظام المالي الأميركي لإدارة جزء كبير من عائداته النفطية.

وفي الوقت نفسه، تواصل إيران بحسب التقرير، الحفاظ على نفوذها الواسع داخل العراق، مستفيدة من شبكة حلفائها السياسيين والعسكريين، بينما أظهرت جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي، التي مرت بمدينة النجف، حجم الحضور الشعبي والديني الذي لا تزال طهران تتمتع به داخل الأوساط الشيعية العراقية.

وترافق ذلك مع حملة عراقية واسعة لمكافحة الفساد، شملت مسؤولين كبارا في قطاع النفط، بينهم نواب وزراء وبرلمانيون، بعد ضبط مبالغ مالية ضخمة وذهب وأسلحة، في محاولة من الحكومة الجديدة لاستعادة الثقة بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون في التقرير، أن تشابك المصالح بين القوى السياسية والفصائل المسلحة، يجعل تفكيك منظومة الفساد مهمة شديدة التعقيد.

ويجمع مسؤولون وخبراء عراقيون بحسب تقرير "غارديان"، على أن بغداد تواجه اليوم أصعب اختبار منذ سنوات، إذ تجد نفسها مضطرة للحفاظ على الشراكة الأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تجنب خسارة إيران، التي تمتلك نفوذا عسكريا وسياسيا واسعا داخل البلاد، وهو ما يجعل العراق عالقا بين قوتين متصارعتين يعتمد على كل منهما لبقائه، بينما تتآكل قدرة الدولة على فرض سيادتها، وإبعاد أراضيها عن صراعات المنطقة. 

(ترجمات)