عكست مواقف عدد من الشخصيات في إيران انقسامات واعتراضات على إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، لكنّها لن تكفي وحدها لعرقلة عملية التفاوض.
بعد أسابيع من اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي إيران في 28 فبراير، توصّلت واشنطن وطهران إلى وقف لإطلاق النار في أبريل.
وفي 17 يونيو، وقّع الطرفان مذكرة تفاهم، تلاها إجراء وفد إيراني بقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مفاوضات مع وفد أميركي يقوده نائب الرئيس جيه دي فانس في سويسرا بوساطة باكستانية وقطرية، ضمن السعي للتوصل الى اتفاق نهائي يضع حدا للحرب.
لكن من المرجح أن يتخلل مسار التفاوض العديد من العقبات، بعد حرب قاسية امتدت تداعياتها إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط، أدركت فيها إيران قدرة تأثيرها على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز، بينما أبقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيف العمل العسكري مسلطا عليها في حال الفشل.
إلا أن مضي الطرفين نحو تفاهم نادر في نحو نصف قرن من العلاقات المتوترة، لم ينجُ من انتقادات المحافظين في الولايات المتحدة.
وفي إيران، ظهرت اعتراضات على التفاوض المباشر مع العدو اللدود للبلاد منذ انتصار الثورة التي أطاحت حكم الشاه عام 1979، ونقلت طهران من موقع الحليف للغرب والصديق لإسرائيل، إلى جمهورية إسلامية ترى في واشنطن "الشيطان الأكبر".
وقال المحاضر في جامعة ييل الأميركية آرش عزيزي: "هناك بالتأكيد فئات تعارض بشدة المحادثات وأي تنازلات مع الولايات المتحدة".
وأضاف لوكالة "فرانس برس": "لكنني أرى أنهم يفتقرون إلى القوة المؤسسية اللازمة لعرقلة المحادثات أو القيام بما يكفي للتأثير على نتائجها".
"إجماع إيجابي"
ومع بدء توارد الأنباء عن التوصل الى تفاهم بين واشنطن وطهران، أقام عشرات الأشخاص في 13 يونيو تحركا محدودا لكنه غير معتاد، خارج مكاتب وزارة الخارجية في مدينة مشهد، ورددوا شعارات مناهضة لقاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي اللذين يمسكان بدفة التفاوض.كذلك، وردت تقارير عن معارضة من عدد من المسؤولين، أبرزهم المحافظ المتشدد سعيد جليلي الذي تولى سابقا أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي وقيادة المفاوضات بشأن الملف النووي.
إلا أن القيادة الإيرانية العليا أكدت موافقتها على المسار التفاوضي.
وقال المرشد الأعلى مجتبى خامنئي في رسالة عبر التلفزيون الرسمي غداة التوقيع، إنّه وافق على مذكرة التفاهم رغم أنه كانت لديه "وجهة نظر مختلفة"، وشدد على أن التفاوض المباشر مع واشنطن، لا يعني الرضوخ لوجهة نظرها ومطالبها.
ولم يظهر خامنئي علنا منذ انتخابه في مارس خلفا لوالده علي الذي اغتيل في مستهل الغارات الأميركية الإسرائيلية في 28 فبراير.
كما ردّ قاليباف على الانتقادات الداخلية، بقوله في منشور على منصة "إكس"، إنّ مذيعا في التلفزيون الرسمي تمنى لو تم إغلاق مطار طهران حتى لا يغادر المفاوضون إلى سويسرا.
ورأى أن ذلك كان سيعني "إراقة المزيد من الدماء" في لبنان، حيث يخوض "حزب الله" حليف الجمهورية الإسلامية حربا مع إسرائيل.
وفي إشارة إلى أنّ المحادثات تلقى قبول المتشددين من العسكر، قال قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري إسماعيل قاآني إنّه ينبغي "الثناء" على عراقجي وقاليباف.
وأضاف في حديث تلفزيوني نادر أنّ "الأخوة الذين يقفون وراء منصات إطلاق الصواريخ، والأخوة الذين يجلسون إلى طاولة المفاوضات متحدون في مقاومتهم".
وقالت مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس صنم وكيل: "لا أعتقد أنّ للمتشددين اليد العليا حاليا في إيران".
وتحدثت عن "إجماع إيجابي على إعطاء المفاوضات فرصة واختبار مدى رغبة الرئيس ترامب في التوصل إلى اتفاق".
"تغييرات في النظام"
خلال قمة مجموعة السبع التي عُقدت في فرنسا، أشاد ترامب مرارا وبشكل غير متوقع، بالقيادة الإيرانية، واصفا المسؤولين الإيرانيين بأنهم "أذكياء" و"عقلانيون للغاية" و"غير متطرّفين".
وقال: "المجموعة الأولى من القادة رحلت كما رحلت المجموعة الثانية ووجدنا أن المجموعة الثالثة مكوّنة من قادة أذكياء جدا، انتهى بنا المطاف بإقامة اتفاق".
من جانبه، قال فانس إنّ واشنطن تعتقد الآن أنّ "المتشددين" قد أدركوا أنّهم يرتكبون "خطأ" في مقاربتهم للولايات المتحدة، مضيفا أن "البراغماتيين داخل النظام الإيراني، الذين يريدون حقا تغيير علاقتهم مع الشرق الأوسط والعالم، هؤلاء يكسبون الحجة".
وحرص عراقجي وقاليباف على تأكيد أنهما لن يفرّطا بمصالح إيران، وتجنّبا التقاط أي صورة مع فانس في سويسرا، كانت لتدخل التاريخ السياسي، لكنها تشكّل مادة دسمة لمعارضي المسار التفاوضي مع واشنطن في الداخل.
وخلال عهده الذي امتد قرابة عقود، كانت للمرشد الإيراني علي خامنئي، الكلمة الفصل في السياسات العليا للجمهورية الإسلامية، وأرجحية القرار النهائي في أي خطوة إستراتيجية، لكن بعد اغتياله والعديد من الشخصيات القيادية الإيرانية خلال الحرب، لم تتضح بعد طبيعة الهيكل السياسي الجديد وآلية اتخاذ القرار في النظام السياسي الإيراني المتشعّب أساسا.
ورأت مجموعة الأزمات الدولية أن نظام القيادة "مضطرب الآن بشدة بسبب مقتل العديد من قادته، فضلا عن الخوف المستمر من المزيد من الضربات".
ورأى عزيزي إنّ معاداة الولايات المتحدة تبقى ركيزة أساسية لنظام الحكم، إلا أنّ "القادة الجدد أقل أيديولوجية من علي خامنئي وقد يستمرون في إحداث تغييرات".
لكنه رجّح "أن تكون هذه العملية طويلة وطريقا وعرا ونتائجها غير واضحة".
ولفتت وكيل الى أنّ "المتشددين موجودون" في كل من واشنطن وطهران، مضيفة "لكن في إيران، يسهل إسكاتهم".
(أ ف ب)