عقدان على سقوط نظام صدام حسين.. كيف أصبح شكل العراق؟

آخر تحديث:

شاركنا:
القوات الأميركية ألقت القبض على صدام حسين في ديسمبر 2003 (رويترز)
هايلايت
  • نظام صدام حسين سقط بعد الحرب الأميركية في عام 2003.
  • العراق لا يزال بعيدا عن الديمقراطية ومعدلات الفقر ارتفعت.
  • الجماعات المسلحة والإرهابية انتشرت في جميع أنحاء البلاد.

في الساعات الأولى من صباح 20 مارس 2003، فوجئ العراقيون بالقنابل والصواريخ الأميركية تسقط على رؤسهم، إيذانا ببدء الحرب على بلاد الرافدين وأكثر من عقدين من الفوضى والاضطرابات السياسية والفتن الطائفية والأزمات الاقتصادية.

فقد شنّت قوة تحالف متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة الأميركية حربا على العراق تحت اسم عملية "حرية العراق".

كان الهدف المعلن للإدارة الأميركية وقتها مصادرة أسلحة الدمار الشامل المزعومة التي يملكها نظام صدام حسين، لكن قوات مشاة البحرية الأميركية (مارينز) لم تعثر على أي أسلحة دمار شامل بعد ذلك.

بعد 3 أسابيع من حملة جوية وبرية مكثفة، سقطت العاصمة بغداد ومعها نظام صدام حسين.

وفي الأول من مايو، خرج الرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش ليعلن أن "الولايات المتحدة وحلفاءها قد انتصروا" في العراق، وبينما كان يتحدث على متن حاملة الطائرات أبراهام لنكولن، ظهرت لافتة خلفه تقول "المهمة أنجزت"، ثم قررت سلطة التحالف المؤقتة حلّ الجيش العراقي.

وفي ديسمبر 2003، تم القبض على الرئيس العراقي صدام حسين على مقربة من تكريت، وإعدامه في 30 ديسمبر 2006 بعد نحو ربع قرن من حكم بلاد الرافدين.

القصف الأميركي على العراق بدأ في 20 مارس 2003 (رويترز)

فكيف أصبح شكل البلاد على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي والتركيبة السكانية بعد 20 عاما على سقوط نظام صدام حسين؟

"بعيد عن الديمقراطية"

لا يزال العراق بعيدا عن "الديمقراطية الليبرالية" التي تحدّث عنها جورج بوش عندما أطاح بصدام حسين، فالنزاعات الدامية والفساد وعدم الاستقرار هيمنت على البلاد.

الأستاذ مساعد في الاستراتيجية والسياسة في الكلية البحرية للدراسات العليا في كاليفورنيا سامويل هيلفونت، يرى أن الإدارات الأميركية المتعاقبة "لم تفهم لا طبيعة المجتمع العراقي ولا طبيعة النظام الذي أطاحوا به".

وقال هيلفونت: "الولايات المتحدة كانت تجهل كلّ شيء عن العراق".

لكن مسؤول الاستخبارات الأميركية السابق، نورمان رول يقول لمنصة "المشهد" إن سقوط نظام صدام حسين أعطى الشعب العراقي "فرصة لرسم مستقبل جديد".

ويتفق رئيس أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد عبد الرحيم الجبوري مع هذا الرأي، مشيرا إلى أنه بعد 20 سنة اختلف شكل العراق "ولم يعد سجننا كما كان"، مضيفا أن "حياة ما بعد السجن ليست مثالية، بل فيها الفوضى وصراع الأفكار والإرادات".

وأكد الجبوري في حديثه مع منصة "المشهد" أن العراق لم يعد مركز تهديد للمنطقة ولم يعد سجنا لمواطنيه.

وأضاف: "نحن نتحرر من قيود الديكتاتورية ببطيء، رغم ويلات الحرب المستوى المعاشي للمواطن أفضل، اتصاله بالعالم الخارجي أفضل وخياراتنا كمواطنين عراقيين الآن متعددة ومتنوعة وأفضل"، لكنه أكد أن "أنانية التفرد بالسلطة قتلت فرحة التخلص من الحكم الدكتاتوري".

وقال: "نحن في العراق نتعلم طريق إدارة الحكم والسياسة ببطيء جدا. نظامنا السياسي وإدارته مشوهة".

في 15 أكتوبر 2005، صوت العراقيون على دستور جديد، وبعدها بشهرين أجريت أول انتخابات برلمانية بعد الحرب، فاز فيها الشيعة بأغلبية.

واتفقت الأطراف السياسية والطائفية والعرقية على ترتيبات رسمية لتقاسم السلطة، فيما عٌرف بنظام "المحاصصة"، حيث تم الاتفاق على أن يتولى منصب رئيس الجمهورية شخصا كرديا، ورئيس الحكومة شيعيا، ورئيس البرلمان مسلما سنيا.

وبعد 20 عاما، لا يزال العراق يعيش صراعا شديدا على السلطة بين القوى السياسية.

وأعقبت التظاهرات التي تعرّضت لقمع شديد في عام 2019، انتخابات تشريعية مبكرة أكتوبر 2021، وتطلّب الأمر من الأحزاب السياسية الغارقة في ممارسات الفساد والتحاصص، عاما كاملا قبل الاتفاق على اسم رئيس جديد للوزراء، بعد مواجهات دامية بين فصائل مسلحة شيعية.

من جانبه، يقول الجبوري إن "الأنا والفردية تسود المشهد السياسي في العراق"، مشيرا إلى أن أدوات الحكم "رثة لا تلبي الطموح وتشوبها العبثية، وأن الرؤية غير واضحة والاتفاق على عراق للجميع لم نصل لها بعد ولم تفارقنا روح الانتقام بعد لنلتفت لبناء دولة عصرية ومواطنة متساوية الحقوق وتفهم واجباتها اتجاه الدولة".

حاليا في العراق حيث ينتمي غالبية السكان إلى المذهب الشيعي، "لا تزال الأحزاب السياسية الشيعية أقوى اللاعبين" على الساحة السياسية، وفق الباحث في معهد واشنطن للأبحاث حمدي مالك لوكالة فرانس برس.

كما أصبحت إيران أقرب حليف للعراق بعد 2003، بعد حرب دامية بين البلدين في الثمانينات، وأصبحت ميليشياتها تتحكم في مفاصل الدولة.

فوضى وميليشيات مسلحة

أما على المستوى الأمني، فقد فتحت الحرب الباب أمام الفوضى الأمنية وانتشار الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة، وأصبح العراق يعيش حالة فوضى بعدما كان يعيش حالة حرب.

ومنذ العام 2003 وحتى العام 2011، تاريخ انسحاب القوات الأميركية من العراق، قتل أكثر من 100 ألف مدني عراقي، وفق منظمة "ضحايا حرب العراق".

في المقابل، فقدت الولايات المتحدة قرابة 4500 عنصر في العراق.

بينما يٌقدر مشروع تكاليف الحرب التابع لجامعة بروان عدد القتلى في العراق منذ 2003 وحتى الآن بأكثر من 300 ألف بين مدني وعسكري.

لكن الصدمة الكبيرة والأخيرة التي تعرّض لها العراق، كانت سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة من البلاد في صيف العام 2014 شملت نحو ثلث مساحة العراق، وانتهت أواخر العام 2017 عندما أعلنت بغداد "الانتصار" العسكري على التنظيم المتطرّف بعد معارك ضارية ودعم من تحالف دولي بقيادة واشنطن.

تنظيم داعش سيطر على 3 مدن عراقية في 2014 (رويترز)

كما برز دور الجماعات المسلحة بعد استدعائها في محاربة داعش تحت اسم "الحشد الشعبي"، واستفادت من دورها في الهزيمة الإقليمية للإرهابيين لتعزيز دعمها الشعبي وتوسيع طموحاتها السياسية.

وبحسب صحيفة "فيننشال تايمز"، يوجد أكثر من 12 جماعة مسلحة تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي، تضم أكثر من 100 ألف عنصر وحصلت على ميزانية قدرها 2.6 مليار دولار في 2020.

من جانبه، قال الخبير الأمني العراقي العميد عندنان الكناني إنه بعد حل الجيش العراقي إبان الغزو، أصبحت البلاد من غير جيش يحميها في الداخل أو الخارج، مما ساعد في تسلل العناصر المتطرفة إلى العمق العراقي، والقيام بأعمال سلب ونهب.

وأكد الكناني في تصريحات لمنصة "المشهد" أنه حتى بعد تشكيل الجيش العراقي الجديد لا تزال قدراته القتالية منقوصة، ولا يملك إلا أسلحة متوسطة وخفيفة وبضع طائرات متهالكة، وليس لديه أي أنظمة دفاع جوي.

وأشار إلى أنه قبل سقوط نظام كان يوجد أمن وقانون في البلاد توفرهم وزارتي الداخلية والدفاع، لكن الآن توجد عشرات الجماعات المسلحة في البلاد، وتمتلك أسلحة ونفوذ أقوى من التي لدى الأجهزة الأمنية.

لكنه يرى أن الأجهزة الأمنية حاليا بدأت أكثر قوة من 2003 وما بعدها خصوصا في قدراتها في التعامل مع العدو للعراق وهو الإرهاب، وأن الوضع الأمني في 2023 أفضل بكثير من بدايات الحرب.

بدوره، أكد مسؤول الاستخبارات الأميركية السابق نورمان رول، أن إيران لعبت دورا مدمرا للغاية أعاق استقرار العراق من خلال ووكلائها المتمركزين في الدخل ويهاجمون الدول المجاورة.

وأوضح رول في حديثه مع منصة "المشهد" أن إيران هي التي تصدر العنف والسلاح إلى العراق وتعقد عملية تنميته اقتصاديا وسياسيا من خلال ميليشياتها.

كما أصبح العراق ساحة للصرع الأميركي الإيراني، وتعرضت حدوده لانتهاكات من قبل طهران وأنقرة بدعوى "محاربة الجماعات الإرهابية".

تزايد نفوذ الجماعات الشيعية المسلحة في العراق (أ ف ب)

تغيير ديموغرافي

كما أفرزت أحداث العنف خلال العقدين الماضيين، تغييراً عميقاً في المجتمع العراقي الذي يتميز بتنوعه العرقي والمذهبي الكبير.

فقد تراجعت أعداد المسيحيين في البلاد بسبب تعرّض هذه الأقلية لهجمات خلال الحرب الطائفية، وانتهاكات على أيدي عناصر تنظيم داعش، ما أنتج موجاتٍ متتالية من الهجرة.

وبحسب إحصاءات غير رسمية لمؤسسات المسيحية، فإنه يوجد حاليا في العراق 260 ألف مسيحي مقارنة بنحو 1.5 مليون قبل عام 2003.

أما الإيزيديون، وهم أقلية يعود تاريخها لقرون عدة ويعتنقون ديانة توحيدية باطنية، فقد كانوا ضحايا جرائم ارتكبها تنظيم داعش وصنّفها محقّقون في الأمم المتحدة على أنها إبادة جماعية.

وانخفض أعداد الإيزيديين خلال السنوات الأخيرة، فقد هاجر ما يقارب 100 ألف إيزيدي من العراق إلى أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وكندا. ولا يزال نحو 360 ألفا يعيشون اليوم في مخيمات النازحين شمال غرب العراق. 

ووفقا لإحصاءات المديرية العامة لشؤون الأيزيدية في وزارة أوقاف حكومة إقليم كردستان، فقد قتل نحو 1280 أيزيديا، ويتم أكثر من 2300 طفل، وتعرض ما يقارب 70 مزارا للتدمير على يد تنظيم داعش الإرهابي.

زيادة الفقر 

وبالنسبة للوضع الاقتصادي، لا تزال البنية التحتية للعراق هشة للغاية. وتعمل المولدات الخاصة لساعات أثناء انقطاع التيار الكهربي بشكل يومي. ولم تؤت مشاريع النقل العام التي طال انتظارها، ومن بينها مترو بغداد، ثمارها.

كما يُعد العراق واحداً من أكثر البلدان اعتماداً على النفط في العالم، فعلى مدار العِقد الماضي شكلت عائدات النفط أكثر من 99% من صادراته، و85% من موازنته الحكومية، و42% من إجمالي ناتجه المحلي، بحسب البنك الدولي.

وبحسب وزارة التخطيط، يوجد في العراق نحو 10 ملايين شخص تحت خط الفقر. بينما بلغت نسبة البطالة في يوليو الماضي نحو 16.5%.

أما العملة المحلية فقد انهارت خلال الأسابيع الأخيرة، فقد بلغ سعر صرف الدولار الأميركي عند 1320 دينارا للدولار الواحد.

ويقول منتقدو الحكومة إن انقطاع التيار الكهربائي نتيجة للفساد المستشري والمتجذر في نظام تقاسم السلطة الطائفي بالبلاد، والذي يسمح للنخب السياسية باستخدام شبكات المحسوبية لتوطيد السلطة.

أكثر من 100 ألف مدني قتلوا في العراق منذ 2003 (رويترز)

من جانبه، يرى الخبير صفوان قصي أن التكلفة التي دفعها العراقيون اقتصاديا لإسقاط نظام صدام حسين كانت كبيرة للغاية.

وذكر قصي في حديثه مع منصة "المشهد" أنه بعد 20 سنة من سقوط صدام، أصبح يعيش نحو 30% من العراقيين تحت خط الفقر، كما انخفض الإنتاج الزراعي، وهرب الكثير من أصحاب المهن الأخرى جراء الإرهاب والفوضى الأمنية.

وأشار إلى أنه بعد الحرب ظهرت فوارق كبيرة بين الطبقات في العراق، فأصبح نحو 10% يعيشون في رفاهية شديدة، وهذا لم يكن موجودا قبل 2003.

وأكد أنه على الرغم من رفع الحصار عن العراق بعد 2003 إلا أنه لم يصبح بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية إلا في قطاع النفط، مشيرا إلى أن الموارد المالية لم يتم استغلالها بشكل جيد بل تم السطو عليها من المافيا الداخلية والدولية.

ويرى أن الإدارات الأميركية المتعاقبة فشلت في توجيه شركاتها للاستثمار في العراق، ولم تجن الأرباح الاقتصادية المرجوة من هذه الحرب، ولفت إلى أن أغلب الاستثمارات العراقية التي خرجت من البلاد ذهب إلى إيران وتركيا والصين.

"كان ضروريا"

وفي مقابلة في نهاية فبراير الماضي، قال الرئيس العراقي عبد اللطيف رشيد إن "معظم العراقيين يعتقدون أن غزو الولايات المتحدة وحلفائها للعراق كان ضروريا بسبب وحشية الديكتاتور السابق صدام حسين".

ويعتقد رشيد "أن معظم العراقيين، بمن فيهم جميع شرائح المجتمع الأكراد والسنة والمسيحيين والشيعة، ضد صدام حسين، ويقدرون أن الولايات المتحدة وحلفائها جاءوا لإنقاذ العراق".

وتابع "من الواضح أن بعض الأشياء لم تسير كما كنا نأمل. لم يكن أحد يتوقع داعش، ولا تفجيرات السيارات الملغومة. كان ينبغي السيطرة على هذا الأمر منذ البداية، وكان يجب دراسته والتخطيط له منذ البداية. أعتقد أن الأسطورة كانت أنه بمجرد إزاحة صدام، يصبح العراق الجنة".

وقال "حتى لو كانت لدينا صراعات، فمن الأفضل أن تتمتع بالحرية والديمقراطية بدلاً من الديكتاتورية". 

(المشهد)