غزة المحروقة بلا أعياد وزينة.. ما الذي يمنع التوصل لهدنة جديدة؟

شاركنا:
أكثر من 2000 فلسطيني قُتلوا في قطاع غزة منذ انتهاء الهدنة (رويترز)
هايلايت
  • خبراء يؤكدون أنّ تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة يستدعي زيادة الضغوط من أجل وقف إطلاق النار.
  • محلل فلسطيني: هناك فرصة للوصول إلى هدنة قريبة بالتزامن مع أعياد الميلاد ورأس السنة.
  • خبير في مركز الأهرام: إسرائيل رفعت الآن سقف شروطها وأميركا فقط من تملك ورقة الضغط الحاسمة.
  • لمعرفة المزيد عن حرب غزة اضغط على تايملاين

منذ انهيار مفاوضات الهدنة بين إسرائيل وحركة "حماس" الفلسطينية قبل نحو أسبوع، كثفت الدولة العبرية من عملياتها العسكرية في قطاع غزة، لتوسع نطاق الهجوم البرّي داخل القطاع ليشمل مناطق جديدة في وسط وجنوب غزة، أبرزها منطقة خان يونس والتي تعتقد أنّ قادة الحركة ومقاتلي النخبة يختبئون بها.

ورافق هذه المرحلة من الحرب على غزة، والتي وصفتها الحكومة الإسرائيلية بأنها ستمثّل "الضربة القاضية" لـ"حماس"، سقوط مئات القتلى والمصابين من المدنيّين، حيث تشير البيانات القادمة من وزارة الصحة بالقطاع، إلى مقتل أكثر من 2000 شخص على الأقل منذ انتهاء الهدنة ليتجاوز العدد الإجمالي 17 ألفًا، فيما هناك نقص حادّ في الغذاء والمياه الصالحة للشرب.

وتتزايد ضغوط المجتمع الدوليّ على الحكومة الإسرائيلية يومًا تلو الآخر، في ظل استمرار عملياتها العسكرية داخل قطاع غزة، مع تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية، إذ تُحذّر مؤسسات الإغاثة الأممية من تبعات كارثية لنقص الغذاء والرعاية الطبية والمأوى لمئات الآلاف من سكان القطاع.

تزايد الضغوط بهدف وقف إطلاق النار

وفي خطوة جديدة أثارت غضب إسرائيل بشكل واسع، أرسل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لأول مرة منذ توليه الأمانة العامة في 2017، رسالة إلى مجلس الأمن الدوليّ، بموجب المادّة 99 من ميثاق المنظمة، والتي تتيح له "لفت انتباه" المجلس إلى ملف "يمكن أن يعرّض السلام والأمن الدوليّين للخطر".

وفي السياق، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار يطالب "بوقف فوريّ لإطلاق النار لدواعٍ إنسانية"، بحسب ما أعلن وزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، قائلًا في منشور عبر منصة "إكس"، إنّ مشروع القرار يأتي "استجابة للوضع الكارثي في القطاع وتفاقم معاناة الشعب الفلسطينيّ الشقيق، كما أورد الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته".

ويعتبر الخبراء والمحللون الذين تحدثوا مع منصة "المشهد"، أنّ تفعيل الأمين العام للأمم المتحدة المادّة 99 من ميثاق المنظمة، يمثّل خطوة مهمة في سبيل توحيد المواقف الإقليمية والعالمية للعودة إلى الهدنة الإنسانية من جديد، وتخفيف معاناة الفلسطينيّين في قطاع غزة، إذ يصف المحلل السياسيّ الفلسطينيّ والباحث في العلاقات الدولية أشرف عكّة خلال حديثه مع منصة "المشهد"، الرسالة بـ"إحاطة غاية في الأهمية وسط النقاش والجدال العالميّ المتعلق بما يحدث في قطاع غزة خوفًا من اتساع نطاق الحرب".

ويقول عكّة: "موقف الأمين العام مهمّ، وقد يكون مؤشرًا على طبيعة الحوار الدائر بين القوى الفاعلة مثل روسيا والصين والولايات المتحدة في مجلس الأمن. ورغبة من الأطراف الإقليمية في مقدمتهم الإمارات والسعودية ومصر وقطر، إلى جانب المجموعة العربية الإسلامية المشتركة، لإعادة الهدوء إلى المنطقة مرة أخرى ولو حتى بشكل تدريجي".

ويعتقد الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الأميركية لدى مركز الأهرام بالقاهرة أحمد سيد أحمد، أنّ "تفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة خلال الأيام القليلة الماضية، كان يتطلب ضغطًا دوليًا أكثر للوصول إلى هدنة إنسانية جديدة، وهو ما حاول الأمين العام للأمم المتحدة أن يقوم به من خلال تفعيل المادة 99".

ويضيف أحمد خلال حديثه مع منصة "المشهد": "تكمن أهمية تفعيل المادة من قبل الأمين العام، في لفت الانتباه وزيادة الضغوط على إسرائيل وأميركا أيضًا. لأنّ ما يحدث في غزة من جرائم يمثّل انتهاكًا للقانون الدولي، ويهدد الأمن والسلم للمنطقة والعالم أجمع".

لكنّ الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الأميركية عاد ليقول إنّ هذا غير كافٍ "في ظل تمسك إسرائيل بأهدافها العسكرية، واستمرار الدعم الأميركيّ المتواصل سياسيًا وعسكريًا".

ويُصرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو على الأهداف الإسرائيلية المُعلنة، حتى يتمّ وقف إطلاق النار في غزة، والتي يعتبرها الكثير من الخبراء والساسة غير واقعية وتحتاج إلى سنوات لتحقيقها.

هل من فرصة لهدنة جديدة؟

وخلال الساعات القليلة الماضية، تحدثت تقارير غربية عدة عن ضغوط أميركية تمارَس على إسرائيل لإنهاء العمليات العسكرية في غزة خلال أسابيع وليس أشهرًا، حيث ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، أنّ إدارة الرئيس بايدن وضعت إطارًا زمنيًا حول استمرار الدعم لإسرائيل في ظل الغضب الداخليّ المتزايد، وتراجع شعبية بايدن في استطلاعات الرأي مع قرب الانتخابات الرئاسية 2024.

ويؤكد على هذا الأمر أيضًا المحلل السياسيّ أشرف عكّة، والذي يشير إلى "تأثير الحرب في غزة على بايدن وفرص إعادة انتخابه"، قائلًا: "هناك ضغوط فعلية من قبل المسؤولين الأميركيّين على إسرائيل، سواء من أجل هدنة إنسانية جديدة أو إنهاء الحرب قبل انعقاد الانتخابات".

ويضيف عكة: "الضغوط الأميركية على إسرائيل قد يكون لها تأثير واضح على الموقف في ما يتعلق بهدنة جديدة، وهناك مقدمات لذلك، خصوصًا بعد دعوة الجيش للصليب الأحمر بزيارة الأسرى الإسرائيليّين الموجودين في غزة، واستئناف تدفّق الوقود إلى القطاع".

وهذا الأسبوع، وجه الجيش الإسرائيليّ "دعوة عاجلة" طالب من خلالها الصليب الأحمر بالتدخل "للوصول إلى الأسرى المحتجزين لدى "حماس" منذ 7 أكتوبر، والبالغ عددهم 138 من الأطفال والنساء والمسنّين المحتجزين. كما وافقت الحكومة على السماح بزيادة "بالحدّ الأدنى" لإمدادات الوقود إلى جنوب قطاع غزة.

ويؤكد أشرف عكّة أنّ هذا "مؤشر جيد على أنّ نتانياهو وحكومته وجيشه بدأوا يرضخون للضغوط الأميركية للوصول إلى هدنة قريبة بالتزامن مع أعياد رأس السنة وأعياد الميلاد. وأنّ ما يحدث من ضغوط ونداءات وإجراءات قد يكون دليلًا على هذه الخطوة المرتقبة".

وألمحت إسرائيل قبل ساعات إلى إمكانية الموافقة على هدنة جديدة، تتضمن إطلاق سراح المزيد من الأسرى المحتجزين لدى الجانبَين، حيث نقلت إذاعة الجيش عن مسؤول قوله، إنّ "الجيش سيواصل الضغط على "حماس" من خلال المعارك، ما سيؤدي إلى استئناف المفاوضات بشروط أفضل.

في المقابل، يُقلل الباحث في العلاقات الدولية بمركز الأهرام أحمد سيد أحمد، من تأثير الضغوط الدولية، أو ما يُتداول بشأن مطالب أميركية بضرورة وقف الحرب والتوصل إلى هدنة قريبة، قائلًا: "الضغوط الدولية لم تنضج بالشكل الكافي لتُترجم إلى ضغوط حقوقية وتدفع إسرائيل إلى وقف إطلاق النار".

ويضيف أحمد: "سيظلّ العامل الحاسم والقوة القادرة على الضغط على إسرائيل ودفعها إلى القبول بهدنة أو وقف لإطلاق النار، هو الجانب الأميركي. لكن في الحقيقة موقف الولايات المتحدة لا يزال يحمل طابع الازدواجية، فمن ناحية تطالب بهُدن إنسانية وحماية المدنيّين، ومن ناحية أخرى تدعم السردية الإسرائيلية والعملية العسكرية بهدف القضاء على (حماس)".

ما الذي يمنع هدنة جديدة في غزة؟

في أعقاب انهيار الهدنة بين إسرائيل و"حماس" قبل نحو أسبوع، نشر موقع "أكسيوس" الإخباري تقريرًا تحدث فيه عن أسباب وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، مؤكدًا أنّ هذا جاء نتيجة رفض "حماس" إطلاق سراح نساء لأنّ من بينهنّ جنديات في الجيش.

ويواصل المسؤولون الإسرائيليون التأكيد في أكثر من مناسبة، على أنّ الحرب في غزة لن تتوقف إلا بعد إطلاق سراح جميع الأسرى واستسلام أو القضاء على "حماس" وجميع قادتها.

لهذا لا يتوقع الخبير بمركز الأهرام للدراسات أحمد سيد أحمد، أن تؤدي الضغط الدوليّ مع قرب أعياد الميلاد إلى وقف لإطلاق النار، "خصوصًا أنّ إسرائيل رفعت الآن سقف شروطها".

ويضيف أحمد أنّ "العملية البرية التي توسعت خلال الأيام الماضية مع وجود القوات في وسط القطاع ومنطقة خان يونس بجنوب غزة. ورهان العدوان على أنّ العمل العسكريّ سيقضي على "حماس" ويحرر الأسرى لا يشيران إلى أيّ هدنة قريبة"، قائلًا إنّ "إسرائيل لا ترى الآن حاجة إلى هدنة جديدة، لأنها تحقق تقدمًا عسكريًا نوعيًا في الميدان. في المقابل ترفض الحركة الفلسطينية أيضًا الاتفاق على تبادل جديد للأسرى، إلا إذا أوقفت إسرائيل العدوان ووقف إطلاق النار".

ويضيف أحمد: "هذه شروط صعبة والظروف الآن غير مهيّأة للعودة إلى هدنة إنسانية كما حدث في هدنة الأيام الـ7، وبالتالي القتال سيستمر ولا وقف موقتًا وفق هذه المعطيات".

على النقيض، يعتبر المحلل السياسيّ الفلسطينيّ أشرف عكّة، أنّ "إسرائيل ستكون مضطرة للقبول بالهدنة بهدف التخفيف من الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية، وأيضًا على حكومة نتانياهو بسبب تعثّر العملية العسكرية والخسائر الكبيرة التي يتكبدها الجيش يوميًا من توغله البري، من دون نتائج تُذكر في ملف تحرير الأسرى أو اغتيال قادة الصف الأول من (حماس)".

وأعلن الجيش الإسرائيلي عن ارتفاع عدد العسكريّين الذين قُتلوا خلال العملية البرية في غزة إلى 90، وذلك بعد ساعات من ترويج نتانياهو إلى نجاحات وتطويق القوات لمنزل زعيم حركة "حماس" في غزة يحيى السنوار، قائلًا في بيان مصور: "قلت أمس إنّ قواتنا يمكن أن تصل إلى أيّ مكان في قطاع غزة. واليوم تحاصر منزل السنوار. قد لا يكون متحصّنًا في منزله، ويمكنه الهروب، لكنّ الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن نُمسك به".

(المشهد)