حرب الظل.. كيف تختبر روسيا خطوط أوروبا الحمراء؟

آخر تحديث:

شاركنا:
الردع الأوروبي لروسيا يواجه اختباراً جديداً (أ ف ب)
هايلايت
  • موسكو تراهن على وكلاء وحرب من دون عتبة المواجهة.
  • ثغرات الغرب تمنح روسيا مساحة للمناورة.

حافظت روسيا على هامش معقول للإنكار بشأن صلتها بكل حادث تخريبي على حدة، لكن هذه الحوادث مجتمعة ترسم، وفق تقرير لمجلة "ناشيونال إنترست"، نمطاً من الحرب منخفضة المستوى، يتعين على الديمقراطيات الأوروبية التعامل معه.

هجمات بطائرات مسيّرة على خطوط السكك الحديدية في غرب أوكرانيا كادت أن تطال مسؤولين سابقين بارزين، من بينهم كارل بيلدت وبوريس جونسون. وطائرة مسيّرة يُعتقد أنها كانت محملة بمتفجرات أسقطتها مقاتلات تابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" فوق ليتوانيا. وانفجارات غامضة في منشأة دفاعية إيطالية. وهجوم متعمد بالحرق استهدف شركة إستونية متعاقدة. وحريق مثير للشبهات في منشأة لإنتاج مكونات صاروخية في بولندا. وأعمال تخريب متعمدة استهدفت شبكات الكهرباء عالية الجهد في أنحاء ألمانيا، إلى جانب حوادث خطيرة كادت تقع في مركز رئيسي لشحن البضائع بأحد المطارات الألمانية.

وقد تبدو هذه الأحداث الأخيرة، بالنسبة إلى المراقب العادي، سلسلة من الاضطرابات المحدودة والعشوائية. لكنها، وفقاً لـ"ناشيونال إنترست"، تمثل في الواقع عناصر ضمن حملة روسية ممنهجة تهدف إلى زعزعة استقرار أوروبا واختبار مدى استعداد الغرب للرد.

فهم حملة روسيا لـ"الحرب الخفية"

في ظل ما تعتبره موسكو صراعاً وجودياً من أجل البقاء، تنظر القيادة الروسية إلى أعمال التخريب المادي في الدول الغربية، والقمع الداخلي، والحرب في أوكرانيا، باعتبارها جبهات منفصلة ضمن صراع أوسع واحد.

ويرى التقرير أن الكرملين يدرك أنه لا يستطيع الانتصار في مواجهة عسكرية تقليدية مع الغرب، ولذلك يعتمد بصورة متزايدة على ما يُسمى "الحرب الخفية"، وهي حملة منظمة تستخدم شبكات من الوكلاء منخفضي التكلفة، يجري الاستعانة بهم من الخارج، بدءاً من جماعات إجرامية محلية وصولاً إلى أفراد جرى استقطابهم وتجنيدهم.

وتمنح هذه الشبكات موسكو قدرة على التحرك بتكلفة منخفضة ومرونة أكبر، مع إخفاء تورط الدولة الروسية بصورة مباشرة.

ومن خلال استهداف البنية التحتية المادية، وكابلات الاتصالات البحرية، وشبكات الإنترنت في الوقت نفسه، تدفع هذه العمليات الديمقراطيات الأوروبية إلى حالة مستمرة من الاستنفار الدفاعي واستنزاف الموارد.

ويشير تحليل صادر عن مركز تحليل السياسة الأوروبية إلى أن الحوافز داخل النظام الروسي تشجع على المخاطرة وتنفيذ عمليات أكثر جرأة، بما يدفع نحو التصعيد المستمر، مع ضبط هذه العمليات بحيث تبقى دون المستوى الذي قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة.

وإذا كان هناك أي شك في أن روسيا تشن بالفعل حرباً خفية ضد الغرب، فإن الأحداث الأخيرة، بحسب المجلة، ينبغي أن تضع حداً لهذا الشك.

3 حقائق

ولمواجهة هذا التهديد، يرى التقرير أن على القادة الغربيين إدراك 3 حقائق أساسية.

تختبر العمليات الروسية السرية، بصورة متعمدة، الثغرات القانونية والجغرافية والسياسية لدى حلفاء الناتو، بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الاضطراب من دون تجاوز العتبات الواضحة التي يمكن أن تستدعي رداً عسكرياً.

وتشير دراسات غربية إلى أن العمليات التي تقع دون عتبة الحرب التقليدية تتيح لموسكو هامشاً واسعاً للإنكار، كما تقلل احتمالات إثارة رد عسكري جماعي من دول الناتو.

لا تزال الاستجابات الديمقراطية مجزأة بصورة خطرة. ووفق التحليل، تستغل موسكو هذا الوضع من خلال الجمع بين أعمال التخريب المادي، والتوغلات بالطائرات المسيّرة، والاستعانة بوكلاء محليين، إلى جانب حملات تضليل متطورة، بهدف إضعاف الدعم الشعبي لأوكرانيا، وإرباك صناع القرار، وتعميق الانقسامات بين الحلفاء الغربيين.

يشكل التصدي لهذا التهديد مصلحة حيوية للولايات المتحدة، إذ يعتمد الأمن الأميركي أيضاً على شبكات الطاقة العابرة للأطلسي، وكابلات الاتصالات البحرية، وسلاسل الإمداد، والمنشآت العسكرية الأوروبية التي قد تكون عرضة لهذه العمليات.

وتشير بيانات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى أن أهداف العمليات المنسوبة إلى روسيا في أوروبا شملت قطاعات النقل، والبنية التحتية الحيوية، والمنشآت الحكومية والصناعات الدفاعية، إلى جانب أهداف مرتبطة بالمساعدات الغربية لأوكرانيا.

على أوروبا فهم طبيعة التهديد

لوقف هذا المسار المتصاعد، تحتاج الديمقراطيات، وفق التقرير، إلى تبني رؤية جديدة، فالمجتمعات المفتوحة تعتمد بطبيعتها على معايير قانونية صارمة، وأدلة تُقدم أمام المحاكم، وتوافق سياسي.

وتُعد هذه الآليات مناسبة للحفاظ على الاستقرار في أوقات السلم. لكن في مواجهة الشبكات السرية، والأساطيل التي تعمل في الظل، والقوات الوكيلة المدعومة من الدول، فإن انتظار أدلة قضائية حاسمة قد يؤدي، بحسب التحليل، إلى فقدان المبادرة الإستراتيجية.

لذلك، يرى التقرير أن الاستجابات يجب أن تتحرك بسرعة أكبر، وأن تعتمد بدلاً من ذلك على تحليل الأنماط بالاستناد إلى المعلومات الاستخباراتية.

كما يرى أن خشية الغرب من تصعيد الصراع أدت إلى حالة خطيرة من ضبط النفس، ما خفّض المخاطر التي تعتقد موسكو أنها تواجهها، وأوصل رسالة مفادها أن العمليات الخفية لا تترتب عليها تكلفة كبيرة.

وبحسب المجلة، فإن قبول قدر محسوب ومنضبط من التصعيد اليوم قد يكون ضرورياً لتجنب مواجهة أكثر خطورة في المستقبل.

وقد تحقق بعض التقدم بالفعل، إذ عزز الحلفاء دورياتهم البحرية والجوية المشتركة لحماية البنية التحتية، خصوصا في منطقة البلطيق، كما أنشأوا مراكز مشتركة بين أجهزة متعددة لرصد التهديدات.

وأظهر الحلفاء أيضاً استعدادهم للرد في بعض الحالات. ففي أغسطس 2026، أسقطت مقاتلة إسبانية من طراز "إف-18"، كانت تنفذ مهمة للشرطة الجوية التابعة للناتو، طائرة مسيّرة دخلت المجال الجوي الروماني، في رابع حادث من هذا النوع خلال العام، فيما قال الناتو لاحقاً إن الطائرة "يبدو أنها روسية"، مع استمرار التحقيق في ملابسات الحادث.

لكن العقبات البيروقراطية لا تزال، وفق التقرير، تعرقل جهود الردع الفعلي. فكثيراً ما يجري التعامل مع أفعال الدول المعادية من منظور إنفاذ القانون المحلي، فتُصنف أعمال التخريب المدعومة من دول على أنها مجرد حرائق متعمدة، وتُعامل عمليات قطع كابلات الاتصالات باعتبارها حوادث بحرية، فيما تُصنف بعض الهجمات السيبرانية على أنها أعطال تقنية عادية.

وتوصلت تحليلات أوروبية وأميركية إلى أن التعامل مع كل حادثة بصورة منفصلة، بدلاً من النظر إليها ضمن نمط أوسع، يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في الاستجابة الغربية لهذا النوع من العمليات.

3 تحولات

ويتطلب كسر هذه الحلقة الخطرة 3 تحولات إستراتيجية حاسمة:

  • ينبغي للغرب أن يتعامل مع الحملة ككل، بدلاً من الرد على كل حادثة بصورة منفصلة. ويتعين على الحلفاء وضع إطار جماعي للاستجابة، يجمع قدرات تحديد المسؤولية، ويؤدي إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية مضادة على مستوى التحالف.
  • يجب على حلفاء الناتو وضع خطوط حمراء واضحة، مقرونة بردود يمكن أن تفرض تكلفة فعلية على الجهة المسؤولة. ويرى أصحاب هذا التوجه أن التهديدات التي لا تتبعها إجراءات عملية قد تفشل في تحقيق الردع.
  • يجب على الحلفاء توضيح العلاقة بين الأفعال والردود، من خلال جعل الإجراءات المضادة مباشرة ومرئية، بحيث يصبح واضحاً أن العمليات التخريبية والخفية ستترتب عليها تبعات سياسية أو اقتصادية أو أمنية.

(ترجمات)