بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتخاذ إجراء عسكري ضد نيجيريا على خلفية ما وصفه بـ"اضطهاد المسيحيين" على يد عناصر إسلامية متطرفة، تحركت الصين لمعارضة خطوات ترامب، في مؤشر لافت على التنافس المحتدم بين واشنطن وبكين لجهة بناء النفوذ وكسب ثقة الدولة الواقعة في غرب إفريقيا، وفق "فورين بوليسي".
وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في مطلع نوفمبر: "بصفتها شريكا إستراتيجيا شاملا لنيجيريا، تعارض الصين بشدة استخدام أي دولة للدين وحقوق الإنسان ذريعةً للتدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية، أو لتهديدها بالعقوبات أو القوة".
مكافحة الإرهاب
وفي تغريدة على منصة "إكس" خلال الأسبوع نفسه، كتب السفير الصيني لدى نيجيريا، يو دونهاي، أن "الصين مستعدة لمواصلة دعم نيجيريا في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار الداخلي".
ومنذ عودة ترامب إلى السلطة في يناير، يتصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، رغم اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الصيني شي جين بينغ بترامب. فيما يتخوف العديد من النيجيريين أن تتحول بلادهم إلى مجرد "قطعة شطرنج" في صراع القوتين الأكبر عالميا.
وقال جيمس بارنيت، الزميل غير المقيم في "معهد هدسون" بواشنطن والمتخصص في الصراع داخل نيجيريا، إن الصين ترى في هذا الخلاف فرصة لإظهار ما تعتبره "احتراما لسيادة الدول"، وفي الوقت نفسه تصوير الولايات المتحدة كـ"قوة متغطرسة تسعى للتدخل في شؤون الآخرين"، بينما تروّج بكين لنفسها على أنها شريك يحترم السيادة الإفريقية ويهتم بالعلاقات التجارية.
وأضاف بارنيت أن نيجيريا لا تعدو كونها الدولة الوحيدة التي ترى في الصين خيارا أفضل، بل العديد من الحكومات الإفريقية التي تعتبر موقف بكين "أكثر انسجاما" مع أولوياتها الداخلية، مقارنة بالضغوط الأميركية في ما يتعلق بحقوق الإنسان.
وأشار إلى أن هذا النمط لا يرتبط بترامب وحده، إنما له سوابق عديدة مع الإدارات الأميركية التي لا تغض الطرف عن الخروقات الحقوقية كما هو الحال لدى الصين. إلا أن ترامب، وفق بارنيت، "تجاوز الحدود التقليدية للدبلوماسية الأميركية في خطابه السياسي كما التلويح القوة العسكرية".
المصالح الأميركية والصينية بنجيريا
من جهته، قال إيميكا أومجي، الباحث البارز في جامعة جوهانسبرغ، إن المصالح الأميركية والصينية في نيجيريا متجذّرة بعمق، وأن أيا من البلدين لا يتحرك بدافع "مصلحة نيجيريا الحقيقية"، مضيفاً: "ما يجري هو مجرد صراع جيوسياسي على ثروات إفريقيا. الصين تسعى لحماية مصالحها الاقتصادية، وهذا ما يفسر موقفها الأخير. وعند مقارنة المساعدات والتنمية، نجد أن الصين تحصل من نيجيريا أكثر مما تقدمه الولايات المتحدة".
تُعد الصين أكبر شريك تجاري لنيجيريا، وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاء، إذ تبلغ قيمة التبادل التجاري بين البلدين 21.9 مليار دولار، بما يعادل 8% من إجمالي تجارة الصين مع إفريقيا. وتمتلك بكين عقودا للتنقيب عن الذهب والنحاس والليثيوم، إلى جانب دور كبير في تجارة الأخشاب.
ويلفت محللون نيجيريون إلى اهتمام بكين العميق بموارد بلادهم، وسط مخاوف من سعي الولايات المتحدة كذلك إلى تعزيز حصتها من تلك الثروات.
غير أن انتقادات ترامب للحكومة لاقت تأييداً لدى بعض النيجيريين، في ظل تصاعد الهجمات من جماعات مسلحة إرهابية متعددة تشمل "بوكو حرام" وميليشيا إجرامية تُعرف محلياً بـ"قطاع الطرق" ومسلحين من رعاة الفولاني، وهم مجموعات بدوية يغلب عليها المسلمون.
بلد منقسم
وفي بلد منقسم جغرافيا ودينيا بين شمال يغلب عليه المسلمون وجنوب يغلب عليه المسيحيون، كثيرا ما يكون المسيحيون هدفا لاعتداءات دموية. وأفاد تقرير بأن 3,100 مسيحي قُتلوا و2,830 اختُطفوا خلال عام 2025 وحده، رغم أن الجماعات المتشددة تستهدف أيضا مسلمين.
وفي سبتمبر، قدم السيناتور الأميركي تيد كروز مشروع قانون بعنوان "قانون محاسبة نيجيريا على انتهاكات الحرية الدينية"، الذي يفرض عقوبات على المسؤولين المتهمين بالتورط في قتل مسيحيين.
وفي أكتوبر، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إدراج نيجيريا مجدداً على قائمة "الدول ذات الاهتمام الخاص"، وهي فئة مخصصة للدول التي ترتكب أو تتسامح مع "انتهاكات خطيرة للحرية الدينية"، لتصنف بذلك إلى جانب الصين وكوريا الشمالية وروسيا.
وقال إيمانويل أوجيفو، الكاهن الكاثوليكي النيجيري وطالب الدكتوراه في اللاهوت السياسي بجامعة "نوتردام" والباحث في "المجلس الأطلسي"، إن العنف ضد المسيحيين في نيجيريا "ليس عشوائيا بل ممنهج تقوده جماعات جهادية".
(ترجمات)