يصوغ العام 2025 في فلسطين، فصلًا جديدًا من المعاناة، تَصدّرَته كارثة إنسانية غير مسبوقة بين فترات متقطعة من التهدئة والعودة إلى القتال في قطاع غزة، وحالة من التصعيد الميداني المكثف، وسط بيئة من الانتهاكات المستمرة، والبناء الاستيطاني بالضفة الغربية.
من بين أنقاض ومجازر قطاع غزة وتجويع سكانها وأطفالها، وخلف دموع الأهالي على هدم بيوتهم ومصادرة أراضيهم في الضفة، لا يزال الفلسطينيون يدفعون ثمنًا لا يُقاس بوقف إطلاق نار أو توقيع اتفاق، العام 2025 دخل الذاكرة الجماعية بوصفه عام التحول الدبلوماسي الكبير للقضية الفلسطينية، لم يُترجم على الأرض سوى إلى أشكال أكثر مكرًا من الألم والاستهداف الإسرائيلي، فبينما نعمت غزة على استحياء بهدوء متوتر بعد حرب دامت عامين، انفجرت الأوضاع في الضفة الغربية، ليتوحد درب آلام الفلسطينيين، في غزة كارثة إنسانية صريحة، وفي الضفة تهجير زاحف وضمّ صامت.
غزة .. دمار لا ينتهي
إذا كان القصف قد توقف جزئيًا، وبعَيد إزهاق عشرات الآلاف من الأرواح، فإنّ حربًا أخرى، أكثر قسوة وفتكًا، لا تزال على أشدّها في القطاع، فالحصار الخانق الذي أصبح أداة للضغط السياسي، حوّل العيش إلى تحدٍ يومي، ومع انهيار كل مظاهر الحياة المدنية، تحولت الكارثة من دمار للمباني إلى تدمير شامل للروح والقدرة على الصمود.
خلف الرقم الإحصائي الجاف الذي يشير إلى تدمير 90% من المنشآت والمباني في غزة، تقبع حكاية مجتمع جُرد من مقوماته، الورش تحولت إلى أنقاض، وأرصفة الصيد صامتة، والمصانع مُحيت من الخريطة، لم يعد الحديث عن بطالة، بل عن اختفاء مفهوم العمل في مكان يُفترض أن يعيش فيه أكثر من مليوني نسمة، فنسبة البطالة تخطت حاجز الـ95%، ويُعد قطاع غزة أحد أخطر أماكن العمل في العالم للصحفيين، حيث سُجل نحو 43% من مجموع الصحفيين الذين قُتلوا حول العالم خلال عام 2025.
في هذا الواقع القاسي، تُمارَس الضغوط حتى على شريان الحياة الأخير، فأزمة المساعدات الغذائية لم تعد مجرد عائق لوجستي، بل تحولت إلى سلاح تفاوضي، فإسرائيل تستخدم دخول المساعدات كورقة ضغط، حيث علّقت إدخالها بشكل كامل أكثر من مرة، في انتظار تحقيق مطالبها السياسية والأمنية.
الضفة الغربية.. تغرق بالاستيطان
بينما كانت الأضواء مسلطة على غزة، شهدت الضفة الغربية تحولًا نوعيًا في الانتهاكات الإسرائيلية، فمع تجميد خطط "الضم الرسمي" لأراضي الضفة، تحت ضغط عربي ودولي، أقدمت الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ سياسة "الضم الزاحف" والهيمنة الاقتصادية، وشنت حملة عسكرية ما زالت مستمرة في مخيمات الضفة ومدنها، تسببت بهدم مئات المنازل، وتهجير الآلاف، وتخريب البنية التحتية فيها.
الحياة في الضفة أضحت حرب عصابات يومية ضد المستوطنين المدججين بسلاح الدولة وأيديولوجيتها، فقد وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، 1680 هجومًا للمستوطنين على أكثر من 270 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل 5 هجمات يوميًا، وتحولت الهجمات إلى حملات منهجية لتهجير السكان وضرب أساسيات الحياة، وفي شمال الضفة وجنوبها، أُجبرت عائلات بأكملها على النزوح تحت تهديد السلاح.
وعلى الأرض تحول موسم قطف الزيتون إلى معركة بقاء، إحصائيات رسمية أشارت إلى أنه تم تدمير أكثر من 6000 شجرة وشتلة زيتون خلال العام، وهذا ليس سوى جزء من الصورة الأكبر لتحقيق الهدف الأساسي، الإفقار والاستسلام وفق مراقبين، إذ تمارس إسرائيل سياسة منهجية لخنق الاقتصاد الفلسطيني من خلال الاستمرار في حجب الإيرادات الضريبية الفلسطينية، وفرض قيود صارمة على تحويل الشواكل، والتهديد بقطع العلاقات المصرفية المراسلة، عوامل تدفع السلطة الفلسطينية نحو حافة الانهيار المالي، وإضعاف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، وجعل الحديث عن إعادة إعمار قطاع غزة أو توحيد الصف الفلسطيني، ضربًا من الخيال.
عام يؤرخ للمآسي
وصف الأكاديمي والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض خلال حديثه لمنصة "المشهد"، بأنّ "العام 2025، كان من أسوأ وأصعب الأعوام التي مرت على الفلسطينيين، مكلفة على الأرواح والممتلكات، حاولت فيها إسرائيل أن تفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فالأحداث كانت مرعبة وعصيبة".
وتابع المحلل السياسي عوض حديثه لـ"المشهد" بالقول، إنّ "إسرائيل دمرت 90% من قطاع غزة، وبات مليون ونصف مليون فلسطيني يعيشون في العراء، بدون مأوى ولا مساعدات، وأضحى أكثر من 60% من القطاع محتلًا، لم يتم التوصل بعد إلى تسوية، والأمور صعبة وتنذر بسيناريوهات معقدة".
وأردف قائلًا، "في الضفة الغربية، العام كان ثقيلًا على الفلسطينيين، بفعل ترسيخ الاستيطان الإسرائيلي وشرعنته، ومصادرة الأراضي، وتصاعد اعتداءات المستوطنين، ولم تتوقف المساعي الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين، وفكرة ضم الضفة الغربية تنفّذ على أرض الواقع، في ظل عدم تقدم على المستوى السياسي، فإسرائيل تتنكر للتسوية السياسية مع الفلسطينيين، وترفض عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، بل وتعمل على إفقارها ومحاصرتها بهدف انهيارها، الأوضاع سيئة ماليًا وسياسيًا، ليس هناك مصالحة بين حركتَي فتح و"حماس".
وشدّد المحلل السياسي عوض، على أنّ "الإسرائيلي توحّش، ولا يرغب بتسوية مع الفلسطينيين، بل بفرضها عليهم، وسط تراجع للجهد الدبلوماسي العربي لصالح العمل السياسي والدبلوماسي الأميركي الذي فرض قرار 2803 على قطاع غزة، الذي لا يؤسس لإطار سياسي جيد، فيما الإنجازات الفلسطينية تراجعت بشكل عام، ورغم تصاعد الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، إلا أنها لم تتحول لقرارات عملية وفعلية، وإسرائيل تضرب بعرض الحائط بقرارات المجتمع الدولي ما دامت الإدارة الأميركية تغطي أفعالها".
خراب هائل ومستقبل غامض
من جديد تعود التساؤلات لتطرح ماذا يحمل العام المقبل 2026 في جعبته للفلسطينيين؟ ومدى إمكانية حدوث انفراجة على الصعيد السياسي؟
ويقول المحلل السياسي د. أيمن الرُقب، لمنصة "المشهد"، إنّ "المستقبل مجهول تمامًا في قطاع غزة الذي يعاني من دمار بشكل كامل، فالتهجير يتربص بالأهالي، وإسرائيل تضغط على الكتلة السكانية للانتقال إلى ما يسمى بغزة الجديدة، وتخطط كذلك لتهجير أهالي غزة بشتى الطرق عبر حصارهم وتجويعهم، ومنع دخول المساعدات والاحتياجات الأساسية".
وفي الوقت ذاته، يقرأ المحلل السياسي الرُقب، بأنّ "أهداف ومساعي إسرائيل خلال العام المقبل، تصبّ حول فكرة تهجير أهالي قطاع غزة، من أجل السيطرة على منطقة الساحل للاستثمار والاستيطان، والسطو على كامل أراضي قطاع غزة في مقبل الأيام".
ويعتقد خلال حديثه لـ"المشهد"، بأنّ "الأوضاع في الضفة الغربية تمثل حالة خطيرة وغير مسبوقة بفعل ممارسات إسرائيل، فهي تعمل على تدمير ما تبقى من الضفة الغربية، فما يحدث في مدن وبلدات الضفة الغربية خصوصًا المخيمات، ضمن العملية العسكرية المستمرة منذ أشهر، لايقل عن قطاع غزة، ضمن إطار التدمير والتهجير الناعم".
وفي السياق ذاته، يؤكد الرقب، أنّ "إسرائيل ماضية في تدمير وتخريب المخيمات والبلدات الفلسطينية، وستُغرق الأرض بالاستيطان، وأتوقع بأن تقوم إسرائيل بضم المستوطنات الكبرى تحت سيادتها وهيمنتها، ليصبح الفلسطينيون يعيشون في كنتونات متناثرة منفصلة عن بعضها البعض، في ظل غياب أيّ ترتيبات لمستقبل سياسي واضح، خصوصًا في ظل إدارة ترامب، وحكومة اليمين المتطرف".
(المشهد)