في ظل الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر، والتي زادت وتيرتها بعد انتقال إسرائيل إلى جبهة لبنان، تواجه سوريا تهديدات من قبل تركيا وإسرائيل في الوقت ذاته، وذلك بسبب التوترات الجيوسياسية والمصالح الإقليمية المتشابكة.
يضاف إلى ذلك الحدود المشتركة التي تربط سوريا مع كل من إسرائيل وتركيا. إذ تهدد أنقرة بعمليات عسكرية جديدة في حال تعرض أمنها القومي للخطر. يأتي ذلك بالتزامن مع شن إسرائيل ضربات جوية مكثفة على مواقع داخل سوريا، تقول إنها تستهدف فيها مصالح تابعة لإيران و"حزب الله".
بعد انتقاله إلى جبهة الشمال، استقدم الجيش الإسرائيلي آليات عسكرية وهندسية إلى منطقة فض الاشتباك من جهة الجولان قبالة قرى الأصبح وكودنة والعشة بريف القنيطرة، وذلك استكمالاً لأعمال الحفريات التي يجريها لإنشاء "سياج أمني" على الحدود مع سوريا.
في المقابل، نفى مصدر عسكري في تصريح له لمنصّة "المشهد" وجود توغل إسرائيلي جنوب سوريا، قائلا أنّه "تم رصد تحرّكات للقوات المعادية في المنطقة الزرقاء (العازلة) دون أن يمتد إلى داخل الأراضي السورية".
كما تقصف إسرائيل باستمرار مناطق ومواقع متفرقة في سوريا تقول إنها ميليشيات تابعة لـ"حزب الله" وإيران.
يرى الكاتب والباحث السياسي محمد نادر العمري، أن "مصطلح "سوريا تقع بين نارين" من أكثر المصطلحات دقة لتوصيف الوضع القائم في سوريا، خصوصًا أنّ تركيا وإسرائيل تسعيان إلى إشعال النار في الداخل السوري، سواء لتحقيق مصالح جيوإستراتيجية تتعلق بتوسيع نفوذهما، أو لتحقيق أهداف أخرى".
ويضيف العمري لمنصة "المشهد" أنّ" كلا الجانبين عملا على مر السنوات لاستنزاف واستهداف سوريا، وتغيير الموقف السياسي فيها، فضلًا عن أطماع وآمال باقتطاع أجزاء من الأراضي السورية، وأنقرة وتل أبيب ساهما بشكل كبير في إدارة الحرب على سوريا".
ويشير العمري إلى أننا "اليوم نتعامل مع حكومة إسرائيلية يمينة متطرفة، لديها مشروع تفصح عنه بشكل علني، وهو مشروع إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، بالإضافة إلى اقتطاع أجزاء أخرى من الجغرافيا الإقليمية، وبالتالي، قد تذهب هذه الحكومة نحو المزيد من الأهداف، وقد تكون سوريا أحد هذه الأهداف، في ظل استغلال الوضع الأميركي، واستنزاف سوريا".
تهديد تركي آخر
في الآونة الأخير، زادت التهديدات التركية بشنّ عملية عسكرية داخل سوريا، وسط الانشغال الدولي بحرب غزّة ولبنان، وهي الورقة التي لم تنكفئ أنقرة عن التلويح بها في كل تصريح عن مسؤول تركي بدءًا من أعلى هرم السلطة.
بالأمس شنّت تركيا هجمات جوية وبرية مكثفة على مناطق تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، الذراع العسكرية "للإدارة الذاتية" المعلنة من طرف واحد، في شمال وشمال شرقي سوريا، وامتدت هذه الهجمات لتشمل مناطق سورية في الشمال خارج سيطرتها، أدّت إلى سقوط ضحايا من المدنيين، وذلك على خلفية هجوم على مقر "شركة صناعات الطيران والفضاء - توساش" في أنقرة.
كما طالبت تركيا بإدراج "وحدات حماية الشعب الكردية" التي تُعدّ أكبر مكونات "قسد" على قائمة الأمم المتحدة للتنظيمات الإرهابية في سوريا. حيث دعا مندوب تركيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أحمد يلديز، الدول الأعضاء بمجلس الأمن، إلى تصنيف "قسد" ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية الي تنشط في سوريا، باعتبارها ذراعاً لحزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابيًا.
وعلق وزير الدفاع التركي، يشار غولر على ذلك قائلًا إن القوات التركية دمّرت 18 هدفاً لـ"وحدات حماية الشعب الكردية"، في شمال وشرق سويا، في إطار عملية أطلقتها شمال سوريا والعراق ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وذراعه في شمال سوريا.
هل يمكن لأنقرة تنفيذ تهديداتها؟
على الرغم من المكاسب التي يرجو الرئيس التركي من تحقيقها في حال الإقدام على عملية برّية رابعة في سوريا، وخصوصًا في الداخل التركي، لناحية تحريف اهتمام الرأي العام عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية الخانقة، وشد العصب القومي وإجباره على الالتفاف حول السلطة المترنّحة إلا أنّ جملة من العوامل تحول دون تنفيذ ذلك حتى الساعة.
وحول ذلك يقول العمري أنّ "الهدف التركي الدائم هو التوغل في الشمال السوري وهناك 3 عوائق أمام هذا التوغل:
- علاقة "قسد" مع الولايات المتحدة.
- الجانب الروسي والإيراني من خلال مسار أستانا التي قد تضغط هذه الدول من خلاله على أنقرة.
- الحسابات الأمنية لتركيا، بمعنى أنه هل ستتحمل تركيا عقبات هذا التوغل؟.
ويعتقد العمري أنّ "أي توغل تركيّ داخل الأراضي السورية ستكون له تداعيات سلبية وفاتورة مرتفعة، أكبر بكثير من الإيجابيات التي يمكن الحصول عليها. وأيّ توغل تركي سيؤدي إلى إسقاط التفاهمات التي تم الوصول إليها خلال محادثات أستانا السابقة، ويسقط الجهود الروسية، وهذا يمنع واشنطن وتل أبيب المزيد من الذرائع لتوسيع عدوانهم على سوريا".
الجدير بالذكر أنّ الضربات التركية استهدفت البنى التحتية ومحطات المياه والغاز والكهرباء، والمرافق الصحية، والأفران، والحواجز في مناطق سيطرة الأكراد.
بالمقابل يشرح الجنرال التركي المتقاعد توركير ارتورك في حديثه إلى منصّة "المشهد" أنّ "تركيا ليست بوارد شن أي هجوم على "قسد" والتنظيمات الكردية الأخرى في المنطقة، بل على العكس فإن سياساتها اليوم أقرب إلى التماهي مع المشروع الأميركي في تلك المنطقة".
وأضاق "هناك تصاعد واضح للتوجه التركي نحو الغرب والأطلسي، وبالتالي فإن الخطر التركي اللاحق سيكون على مناطق سيطرة دمشق وليس الكرد، أما الدور التركي الأكبر فسنراه على ما اعتقد في أيّ صدام مستقبلي بين الغرب وإيران".
ويختم أرتورك حديثه مع "المشهد" بالقول إنّ "نتائج الانتخابات الأميركية ستحسم التوجّهات والخطط التركية المستقبلية بحق سوريا، وأعتقد أنّ مسار التفاهم مع الكرد سيتسارع بعد وصول الإدارة الجديدة إلى البيت الأبيض".
(المشهد )