صفقة بولس.. هل تنجح إدارة ترامب في توحيد ليبيا؟

آخر تحديث:

شاركنا:
مبادرة بولس الأميركية تقوم على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة في ليبيا لفترة انتقالية قبل الانتخابات (إكس)
هايلايت
  • لقاء روبيو بصدام حفتر أول اجتماع بين وزير خارجية أميركي ومسؤول ليبي.
  • إدارة ترامب انخرطت بشكل مباشر في الملف الليبي عبر مبادرة بولس.
  • المبادرة تقوم على التعامل مع الواقع الليبي كما هو عبر تقاسم السلطة.
  • توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية والاقتصادية قبل تنظيم الانتخابات.

أعاد اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو بالفريق صدام حفتر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي في واشنطن أمس الاثنين، تسليط الضوء على طبيعة مقاربة واشنطن للأزمة الليبية، في ظل الحديث عما بات يُعرف بـ "مبادرة بولس" أو "صفقة بولس"، المنسوبة إلى المبعوث الخاص للرئيس.

ويمثل اللقاء أول اجتماع بين وزير خارجية أميركي ومسؤول ليبي، منذ تولي إدارة ترامب الحالية السلطة، ما منح الزيارة أهمية سياسية، خصوصا أنها جاءت في مرحلة تشهد حراكا دبلوماسيا متسارعا، بشأن مستقبل العملية السياسية في ليبيا

انخراط أميركي مباشر

وبحسب بيان وزارة الخارجية الأميركية، انصبّت المباحثات على دعم جهود توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتعزيز فرص السلام والاستقرار، فيما أكد الوزير ماركو روبيو "استمرار التزام الولايات المتحدة بقيادة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى دعم وحدة ليبيا، وتهيئة الظروف لتشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيا".

ويعتبر الباحث السياسي محمد محفوظ، أنّ الولايات المتحدة، قد انخرطت بشكل مباشر حاليا في الملف الليبي عبر مبادرة مسعد بولس، عكس ما كان يحصل في السابق، حينما كانت تعتمد على خطط الأمم المتحدة.

ويضيف محفوظ في تصريح لمنصة "المشهد"، أنّ العنوان العريض للمبادرة الأميركية، يبقى هو تقاسم السلطة بين القوتين الكبيرتين في ليبيا، المتمثلتين في عائلة الجنرال خليفة حفتر في الشرق، وعائلة الدبيبة في الغرب، بهدف "توحيد المؤسسات وتحقيق الاستقرار، من خلال ما يمكن وصفه بالصفقة السياسية".

وأكد الفريق صدام حفتر في بيان للقيادة العامة للجيش الليبي، أنّ اللقاء تناول تطورات الأوضاع في ليبيا والمنطقة، وسبل تعزيز الأمن والاستقرار، إضافة إلى تطوير التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين، مشيرا إلى أنه نقل تقدير القائد العام المشير خليفة حفتر، لتوجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية إلى دعم السلام في ليبيا.

ويعتبر المختص في الشأن الليبي محمد غميم في تصريح لـ "المشهد"، أنّ حالة الزخم السياسي الحاصلة اليوم والانخراط الأميركي المباشر، يعود بالأساس إلى الانسداد الذي يعرفه الملف الليبي وانتشار الفساد المالي والإداري.

ويحسب لمبادرة بولس بحسب المختص، أنها "حركت المياه الراكدة، خصوصا أنّ من يقوم عليها أكثر حرية في التحرك والعمل من البعثة الأممية التي تحكمها البروتوكولات".

مبادرة أم "صفقة"؟

ورغم عدم صدور وثيقة رسمية تتضمن تفاصيلها، تتحدث تسريبات إعلامية عن مبادرة تقوم على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة لفترة انتقالية تمتد لسنوات عدة، تتولى خلالها توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية والاقتصادية، قبل الانتقال لاحقا إلى تنظيم انتخابات عامة.

وتقوم الخطة على التعامل مع الواقع الليبي كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون بحسب متابعين، أي الاعتراف بوجود سلطتين متنافستين، ومؤسسات منقسمة، وقوى مسلحة مؤثرة، وتشابك مصالح إقليمية ودولية، يصعب تجاوزها عبر انتخابات سريعة.

ويعتبر الباحث محفوظ، أنه لا يمكن حصر الأطراف الليبية المتصارعة فقط في عائلتي حفتر والدبيبة، "صحيح أنهما الأقوى، ولكنّ هناك أطرافا أخرى مؤثرة تجد نفسها اليوم خارج المبادرة وخارج الصفقة، وبالتالي ستعارض وتكون ضد هذا التقارب الذي ترعاه واشنطن".

ويضيف، "فكرة أن يكون هناك فقط طرفان يقتسمان السلطة في ليبيا، أعتقد لن تكون سهلة التطبيق، وستواجه عوائق كثيرة سواء في شرق أم غرب ليبيا".

ويتفق غميم مع الباحث محفوظ على وصف خطة بولس بالصفقة، لأنّ المبادرة في نظره تتضمن بنودا ونقاطا واضحة ومراحل لتنزيلها على أرض الواقع، في حين "تبقى صفقة بولس غامضة المعالم والترتيبات".

ويرى مؤيدو المبادرة أنّ الأزمة الليبية لم تعد أزمة شرعية سياسية فحسب، بل أزمة مؤسسات منقسمة، وأنّ أيّ عملية انتخابية تسبق إعادة بناء مؤسسات الدولة، قد تعيد إنتاج الانقسام، أو تدفع نحو جولة جديدة من الصراع.

ويستشهد أصحاب هذا الرأي بما تحقق في ملفات محدودة، مثل الاتفاق على ميزانية موحدة الذي نجحت وساطة مسعد بولس في تحقيقه، باعتباره دليلا على إمكانية التوصل إلى تفاهمات عندما تتوافر ضمانات دولية وإقليمية واضحة.

حظوظ النجاح والفشل

وعن حظوظ نجاح المبادرة الأميركية مقارنة بتحركات المجالس الـ3: النواب والدولة والرئاسي، إضافة إلى المسار الأممي، فهي تظل بحسب الباحث محمد محفوظ، الأكثر حظا، باعتبار أنها تلقى اليوم دعما أميركيا واضحا، رغم معارضة بعض الأطراف الداخلية والقوى الاقليمية المتداخلة في المشهد الليبي.

ويثير هذا الطرح انتقادات من أطراف ليبية، ترى أنّ أيّ تسوية تنطلق من موازين القوى القائمة، قد تتحول إلى آلية لتقاسم النفوذ، أكثر من كونها مشروعا لبناء الدولة.

وفي هذا الاتجاه يرى المختص غميم في تصريحه "المشهد"، أنّ حكومة غرب ليبيا المتمثلة في عبد الحميد الدبيبة، تقبل بأيّ إجراء للبقاء في السلطة، وفي الشرق كذلك متحمسون للمبادرة نظرا للمنصب المقترح عليهم، من خلال تقاسم السلطات.

وتزداد هذه المخاوف بحسب متابعين، مع تداول معلومات غير مؤكدة، عن ترتيبات قد تمنح شخصيات من الشرق والغرب مواقع متقدمة داخل سلطة انتقالية جديدة، وهو ما يعتبرونه تكريسا للأمر الواقع بدلا من تجاوزه.

كما أنّ غياب إعلان رسمي عن المبادرة، أو نشر تفاصيلها، يجعل تقييمها أمرا بالغ الصعوبة، ويترك الباب بحسب المراقبين، مفتوحا أمام التأويلات والتسريبات المتناقضة، في وقت تعاني فيه ليبيا تراجع الثقة في المبادرات السياسية التي لا تقوم على أطر واضحة وشفافة.

"التوأمة" مع المسار الأممي

ويرى عدد من المراقبين، أنّ التحركات الأميركية الأخيرة لا تعني بالضرورة تجاوز المسار الأممي، بل قد تنسجم معه إذا بقي التركيز منصبا على توحيد المؤسسات، باعتباره أحد الشروط الأساسية لإنجاح أيّ استحقاق انتخابي.

وفي هذا السياق، تبدو الشرعية الدولية، التي تمثلها الأمم المتحدة، ما تزال الإطار المرجعي الذي يحظى باعتراف غالبية الأطراف الدولية، حتى مع تنامي الدور الأميركي في إدارة المشاورات السياسية.

ويعتبر المختص في الشأن الليبي محمد غميم، أنّ أقرب المسارات للنجاح حظا يبقى المسار الأممي، باعتباره الأوضح من ناحية الترتيبات والبنود والدول المشاركة، ويمكن معه أن تحدث بعض "التوأمة" المحدودة مع صفقة بولس، لتصبح جزءا من الخطة الأممية الشاملة للتسوية السياسية في ليبيا.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو ليبيا أمام مرحلة جديدة من الحراك السياسي، يتداخل فيها الانخراط المباشر لإدارة ترامب عبر مبادرة بولس، مع المسار الأممي، فيما يبقى نجاح أيّ تسوية مرهونا بقدرتها على تجاوز منطق إدارة الأزمة، نحو بناء مؤسسات موحدة تهيّئ لانتقال سياسي مستدام، بدلا بحسب الباحث السياسي محمد محفوظ، من الاكتفاء بإعادة توزيع موازين القوى القائمة. 

(المشهد)