اختيار الزيدي لرئاسة الحكومة العراقية.. مخرج سياسي أم مرحلة انتقالية؟

آخر تحديث:

شاركنا:
تسمية رئيس جديد للحكومة العراقية وسط تصاعد المطالبات بحصر السلاح بيد الدولة والانفكاك عن إيران (رويترز)
هايلايت
  • ضغوط عديدة ومتفاوتة ترافق الرئيس العراقي المكلف علي الزيدي.
  • ضمن إطار التبعية المباشرة لإيران صعّدت عدة قوى ولائية ضد الزيدي.
  • مراقبون: القرار باختيار الزيدي ارتبط بتوازنات دقيقة بين النفوذ الأميركي والإيراني.

ثمّة ضغوط عديدة ومتفاوتة ترافق الرئيس العراقي المكلف علي الزيدي، بينما تؤشر إلى جملة رسائل سياسية، داخلية وخارجية، في ظل وضع إقليمي مأزوم بفعل الحرب في إيران، وتداعياتها التي فرضت انعطافة حادّة على مستوى ضرورة تفكيك الشبكات الولائية لإيران بالمنطقة، وتقليص نفوذها الميلشياوي وهيمنتها السياسية والميدانية.

مهام وظيفية

مع الاستقطاب الحاد الذي تزامن وتسمية رئيس الحكومة الجديد بالعراق، فإن فصائل موالية لإيران تباشر في أداء مهامها الوظيفية للحفاظ على امتيازاتها ومواقعها، خصوصًا ما يرتبط بالسلاح غير الشرعي والمتفلت وحصره في يد الدولة.

وضمن إطار التبعية المباشرة والارتهان لـ"الولي الفقيه"، صعّدت عدة قوى ولائية ضد الزيدي، حيث دعا فصيل "سيد الشهداء"، الخاضع للعقوبات الأميركية، إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي. غير أن نبرة التصعيد بدت لافتة مع "المقاومة الإسلامية العراقية" التي شددت على ضرورة الاصطفاف مع إيران بالكلية، ودعم ما تسميه "المقاومة"، ورفض أيّ ضغوط تستهدف نزع سلاح الفصائل المسلحة.

غير أن الموقف الأميركي يبدو واضحًا، وهو ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة، ثم إعادة تنظيم وضع "الحشد الشعبي" بما يضمن ارتباطه المؤسسي بوزارة الدفاع، بالإضافة إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل العراق.

تسوية سياسية مؤقتة

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فقد جاء اختيار الزيدي من قبل قوى "الإطار التنسيقي" في سياق "تسوية سياسية اضطرارية" أعقبت صراعًا داخليًا استمر نحو 6 أشهر، وتزامن مع تصاعد توترات إقليمية ودولية انعكست مباشرة على الساحة العراقية.

وفي ما يبدو أن القرار باختيار الزيدي ارتبط بـ"توازنات دقيقة" بين النفوذ الأميركي والإيراني، حيث تضغط واشنطن باتجاه تقليص دور الفصائل المسلحة وإعادة ضبط العلاقة مع طهران، فيما تسعى الأخيرة إلى الحفاظ على نفوذها داخل العراق عبر حلفائها السياسيين والعسكريين وأوراق ضغط إقليمية، وفق المصادر ذاتها.

بالتالي، فإن اختيار شخصية غير ذات ثقل سياسي قوي في رئاسة الحكومة ببغداد، هو "خيار مؤقت" لإدارة المرحلة الراهنة بتعقيداتها وتشابكاتها، فضلًا عن تجنب الصدام المباشر مع الطرفين سواء طهران أو واشنطن، وذلك بانتظار اتضاح مسار الصراع الإقليمي، ما يجعل الحكومة المقبلة أقرب إلى صيغة انتقالية مرهونة بتطورات المشهدين الداخلي والخارجي.

انسداد سياسي

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول السفير العراقي السابق والأكاديمي المختص في الشؤون الإستراتيجية الدكتور قيس النوري، إن اختيار الزيدي لرئاسة الوزراء جاء في سياق انسداد سياسي عميق بين القوى المشاركة في الاجتماع الأخير لتسمية رئيس الحكومة، وهو انسداد عجزت معه هذه المكونات عن التوافق على شخصية تحظى بإجماع واسع. بالتالي، يمكن النظر إلى هذا الاختيار بوصفه "مخرجًا اضطراريًا" من الأزمة، ومحاولة لتجاوز حالة الجمود التي عطّلت تشكيل الحكومة.

لكن السؤال الأهم، وفق النوري، يتجاوز ظروف الاختيار إلى قدرة الرجل على إدارة المرحلة المقبلة، بما تحمله من ملفات معقدة وتحديات متشابكة.

وتابع: "في مقدمة هذه التحديات يبرز ملف السلاح المتفلت، الذي بات أحد أبرز مظاهر اختلال السلطة في العراق، إلى جانب الضغوط الأميركية المتزايدة المطالِبة بحسم هذا الملف وإعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة".

وعليه، يبدو اختيار رئيس الحكومة الجديد أقرب إلى "تسوية اضطرارية" منه إلى توافق سياسي مستقر، في ظل انسداد عميق وضغوط داخلية وخارجية متصاعدة، بحسب السفير العراقي السابق والأكاديمي المختص في الشؤون الإستراتيجية، لافتًا إلى أن المعطيات كافة تشير إلى أن قوى سياسية قريبة من طهران دفعت نحو شخصية ذات حضور محدود، يُراد لها إدارة مرحلة حساسة بأقل قدر من الاحتكاك، بعدما سقطت معظم الترشيحات الأخرى تحت وطأة الشروط الأميركية والتطورات السياسية الأخيرة، بما في ذلك مواقف دونالد ترامب.

مرحلة مغايرة

ومن جهته، يرى المحلل السياسي ومدير المرصد العراقي للحقوق والحريات عادل الخزاعي، أن العراق أمام مرحلة مغايرة لما سبق، مع تصاعد التوتر الإقليمي واتساع رقعة الضغوط الدولية والخليجية والأميركية للحدّ من النفوذ الإيراني. وبذلك، لن يكون التحدي الأساسي أمام الحكومة المقبلة مقتصرًا على إدارة الملفات الخدمية أو السياسية التقليدية، بل سيتحول إلى اختبار مباشر لمدى "استقلال القرار السيادي" العراقي وقدرته على التوازن بين المحاور المتصارعة.

وبينما تفيد المؤشرات بوجود موافقة أميركية مشروطة وواضحة المعالم، تتضمن خطوات باتجاه تقليص نفوذ طهران ومعالجة ملف السلاح المتفلت، بحسب الخزاعي في حديثه لـ"المشهد"، فإن قوى "الإطار" قبلت، تحت ضغط مكثف، بإعادة صياغة قواعد العلاقة مع واشنطن بشكل يختلف عن المرحلة السابقة. وتعمل الولايات المتحدة، في المقابل، على تفكيك النفوذ الإيراني من داخل البنية السياسية ذاتها، عبر أدوات تدريجية ومؤسسية، بدلًا من الاعتماد على المواجهة المباشرة فقط.

الضغوط الأميركية

ويقول المحلل السياسي ومدير المرصد العراقي للحقوق والحريات، إن تنفيذ هذه التحولات له تعقيداته خصوصًا في ظل المهلة الزمنية المحدودة وحجم التشابك بين السياسي والعسكري. وتابع: "المطلوب عمليًا من القوى الحاكمة هو تفكيك جزء من بنيتها ونفوذها، وإعادة النظر في ارتباطاتها التقليدية مع إيران. وهنا يبرز مفترق حاسم: إما إعادة تموضع شاملة تتماشى مع المتغيرات الجديدة، أو الانزلاق نحو مرحلة من الضغوط الأميركية المفتوحة، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا".

لكن الاتجاهات الحالية تشير إلى أن واشنطن تتجه للتخلي عن نهج التفاهمات المرنة، لصالح مقاربة أكثر صرامة تقوم على الشروط والنتائج، بحسب الخزاعي، مؤكدًا أن أي تباطؤ في معالجة ملف السلاح المتفلت أو الحدّ من النفوذ الإيراني قد يفتح الباب أمام عقوبات وضغوط مباشرة تستهدف مراكز القوة داخل الدولة العراقية وخارجها.

غير أن قدرة الزيدي على التعامل مع هذا التحدي تبدو محدودة، في ظل افتقاره إلى قاعدة سياسية أو حزبية صلبة يمكن أن تمنحه هامش مناورة أوسع، أو تمكّنه من فرض شروطه في مواجهة القوى المسلحة النافذة، بحسب المحلل السياسي ومدير المرصد العراقي للحقوق والحريات.

مساران متناقضان

إذًا، يواجه رئيس الوزراء الجديد تعقيدات جمّة، محلية وإقليمية، تتمثل في ما راكمته طهران من نفوذ داخل بنية السلطة بالعراق. فطهران، التي تعتبر العراق امتدادًا إستراتيجيًا وخط دفاع أول عن مصالحها بحسب سردياتها التلفيقية والأيدولوجية، لا تبدو مستعدة للتخلي عن امتيازاتها.

وبالعودة إلى المحلل السياسي ومدير المرصد العراقي للحقوق والحريات عادل الخزاعي، فيؤكد أن واشنطن تواصل الضغط باتجاه إعادة صياغة المشهد العراقي بما يحد من نفوذ هذه القوى، ويفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية واستثمارية ترى أنها معطّلة بسبب انتشار الميليشيات وتداخل الأجندات الإقليمية.

ويختتم قائلًا: "بين هذين المسارين المتناقضين، يجد الزيدي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد، خصوصًا في ظل التصعيد القائم بين واشنطن وطهران، والذي يُتوقع أن تنعكس مآلاته مباشرة على الداخل العراقي، سواء باتجاه مزيد من التوتر أو نحو تهدئة قد تتيح فرصة لمعالجة بعض الملفات العالقة".

(المشهد)