تشهد الأجواء السياسية العراقية تحولات سريعة يقودها رئيس الحكومة الجديد علي الزيدي، بعد حصوله على تفويض سياسي داخلي لتعزيز الاستقرار وتنفيذ خطته الحكومية بحصر السلاح بيد الدولة. في ظل ارتياح أميركي واضح للنتائج التي حققها الزيدي منذ توليه الحكومة العراقية في أبريل الماضي.
وفي خطوة تعكس التطورات على الساحة الأمنية العراقية، وبعد سنوات من الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، أعلن فصيلان مسلحان مواليان لإيران، وهما "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" يوم أمس الثلاثاء فك ارتباطهما عن هيئة الحشد الشعبي ودعم توجه الدولة نحو حصر السلاح تحت سلطتها الرسمية.
وفي السياق ذاته، تناقلت مواقع إعلامية عراقية معلومات عن اتفاقات سياسية ناجحة ستؤدي لإعلان فصائل أخرى قريباً التحاقها بمسار الدولة، من دون الكشف عن تفاصيل الإجراءات التنظيمة لاستلام السلاح أو الجهة الرسمية التي سيتم تكليفها بالإشراف على هذه العملية.
تسليم السلاح في العراق
وتزامنت هذه الخطوات الأمنية المتسارعة لحل ملف الفصائل المسلحة في العراق، بإعلان قوى الإطار التنسيقي (الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان العراقي) تأييدها لمشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك الارتباط بين هيئة الحشد الشعبي وكافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، وذلك حرصاً على استمرار التعاون بين الحكومة العراقية والمجتمع الدولي وتنفيذاً لاستكمال مهمة التحالف الدولي في العراق.
ولكن رغم الأجواء الإيجابية التي تشهدها الساحة السياسية العراقيةـ وتأييد كافة الأطراف لإنهاء ملف الفصائل المسلحة، إلا أن "كتائب سيد الشهداء" التي يتزعمها "أبو آلاء الولائي" و"حركة النجباء" التي يتزعمها "أكرم الكعبي" رفضتا تسليم السلاح، واصفة السلاح بـ"الأمانة الوطنية".
وبعد إعلان "كتائب سيد الشهداء" موقفها الرسمي من تسليم السلاح، سارعت كتائب "حزب الله العراقي" لإعلان رفضها أيضاً، وصرّح المسؤول الأمني لـ"حزب الله العراقي" أبو مجاهد العساف، استعداده لاستلام أسلحة الفصائل التاركة للعمل المسلح ودفع ثمنها بما يشمل الطائرات المسيّرة، الصواريخ الجوية، والمضادات للدروع. ما جعل المسألة أكثر تعقيداً أمام الزيدي وأعاد ملف الفصائل الشائك إلى مراحله الأولى.
ماذا سيحدث في سبتمبر المقبل؟
وقال مصدر خاص مقرّب من تيار الحكمة الوطني (جزء من قوى الإطار التنسيقي) الذي يقوده السياسي العراقي عمار الحكيم، لمنصة "المشهد"، إن انخراط "عصائب أهل الحق" و"كتائب الإمام علي" بالدولة العراقية يُعتبر خطوة تاريخية نحو إنهاء ملف السلاح المنفلت، كاشفاً أن شهر سبتمبر المقبل سيشهد تسليم كافة الفصائل العراقية لسلاحها بشكل كامل.
وكشف المصدر، أن قوى الإطار التنسيقي تعمل بشكل دقيق للتفاوض مع باقي الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأن مفتاح الحل يكمن لدى المرجعية الدينية في العراق متمثلة بالسيد علي السيستاني، الذي سيكون له الدور الأبرز بإقناع باقي الفصائل بتسليم سلاحها تباعاً.
وفي سياق متصل، كشف مصدر مقرّب من قوى الإطار التنسيقي لمنصة "لمشهد"، أن المرحلة الأخيرة من التفاوض مع الفصائل الرافضة لتسليم السلاح، وفي حال إصراراها على موقفها، ستكون بمباشرة الحكومة العراقية بالتبليغ عن قياداتها ومواقع وجودها ومراكز أسلحتها، لإغلاق هذا الملف الشائك كليّاً وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية.
وأضاف: "معظم القوى السياسية الشيعية العراقية، أدركت أن العراق لا يمكنه التقدم إلى الأمام في ظل الاستمرار في تبنّي خطاب المقاومة الذي لم يخدم إلا مصالح إيران في المنطقة، وقد حصلت على تطمينات دولية وإقليمية أن السلاح الذي يتم تسليمه لن يوجّه ضدها في المستقبل.
هل ستبدأ معركة الفصائل ضد بعضها؟
وفي سياق متصل، كشف المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، أن مصير الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، سيكون قاسياً وذلك عبر وضعها في مواجهة مباشرة مع أصدقاء الماضي، أي أن الفصائل التي سلّمت سلاحها ستحارب باقي الفصائل الرافضة للانخراط في الدولة العراقية، وسيتم التبليغ عن قيادتها وإصدار المعلومات الاستخباراتية عن كافة تحركاتهم، ولن يتم زج العراق مجدداً في صراعات جديدة مع واشنطن.
وشبّه القيسي معركة الفصائل المقبلة ضد بعضها، بالسيناريو اللبناني مع "حزب الله"، وسيتم اصطياد قادتهم عبر قوات دلتا الأميركية أو عبر استخدام الضربات الجوية بمساعدة قوات الجيش العراقي التي ستقدم المعلومات الاستخباراتية واللوجستية.
وكشف القيسي، أن الضربات الجوية لن تكون فقط أميركية بل إسرائيلية أيضاً. كما أن دول مجلس التعاون الخليجي أعلنت موقفها الواضح من هذه الفصائل، وهي مصرّة على خلاص العراق من السلاح المنفلت، وإلا ستبقى فكرة دول المنطقة عن العراق بأنه دولة حاضنة للإرهاب. هذا ما يؤكد أن البلاد ماضية باتجاه تأسيس الدولة المدنية الخالية من مظاهر السلاح المنفلت أو المليليشيا التابعة لجهات خارج الحدود.
هل يتجه العراق إلى الدولة المدنية؟
وفي تغيّر سياسي واضح في خطاب قادة الفصائل المسلحة، شنّ عضو الهيئة العامة لحركة "صادقون" (الجناح السياسي لعصائب أهل الحق) أحمد عدنان، هجوماً على الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، معلناً أن المشكلة ليست بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة بل بمن يدّعي الدفاع عن مشروعية الدولة ثم يورطها بأعمال صبيانية لا تمثل جوهر المقاومة، متسائلاً: "منذ متى تقصف المقاومة دول الجوار؟ وتختطف صحفية في وضح النهار من الشارع؟"، في إشارة إلى (الصحفية الأميركية شيلي كيتلسون التي اختطفت وسط بغداد في 31 مايو الماضي وأفرجت عنها كتائب حزب الله العراقي في 7 أبريل الماضي).
وتعليقاً على تصريح أحمد عدنان، كشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أن هذا التحوّل في رأي قادة الفصائل العراقية، يؤكد أن ملفها شارف على الانتهاء، وأن الحكومة العراقية بقيادة الزيدي نجحت بحل هذا الملف من دون إهدار نقط دم واحدة، مؤكداً أن مصير كافة الفصائل العراقية الاستسلام للدولة العراقية الجديدة التي رُسم لها في خارطة الشرق الأوسط الجديد أن تكون دولة مدنية متحضرة يحكمها القانون والبرلمان ومؤسساتها الشرعية.
وأضافت: "ترغب واشنطن ومن بعدها إسرائيل بدول مدنية متحضرّة مجاورة لها، هذا السيناريو سيظهر قريباً إلى العلن ليس فقط في العراق بل في جميع الدول التي تمتلك حدودًا مع إسرائيل، وستبدأ الولايات المتحدة الأميركية بالاستثمار بالاقتصاد بدلاً من إشعال الحروب في الشرق الأوسط الجديد".
واشنطن راضية عن الزيدي؟
وعلى المستوى الدولي، وصف القائم بأعمال السفارة الأميركية في العراق جوشوا هاريس، قرار الإطار التنسيقي بتفويض الزيدي بإنهاء ملف السلاح بأنه خطوة نوعية في طريق ترسيخ الاستقلال والسيادة لمستقبل العراق الواعد، مؤكداً دعم واشنطن لجميع الاجراءات الحكومية الرامية لتسليم السلاح، لكنها في الوقت ذاته ترفض مشاركة هذه الفصائل بأعمال الحكومة الجديدة حتى بعد تسليم سلاحها.
ويقول الباحث في الشأن السياسي ياسين عزيز، لمنصة "المشهد"، يبدو أن عملية نزع سلاح الفصائل دخلت حيز التنفيذ بشكل أكثر جدية من السابق و الفاعل السياسي المنفذ هي القوى السياسية الشيعية ذاتها متمثلة بالإطار التنسيقي، الذي بدأ يدرك جدية الأمر كأحد شروط استمراره في العملية السياسية، لذلك بدأ بالضغط على الأطراف التي لديها أجنحة مسلحة ونجح بذلك بشكل جزئي.
تعيين توم براك
ويوضح عزيز، أن تعيين توم براك ممثلاً خاصاً للرئيس الأميركي في العراق مؤشر آخر على جدية تعامل إدارة الرئيس ترامب مع هذا الملف، وإشارة أميركية إلى القوى السياسية في العراق أن إنهاء ملف الفصائل المسلحة أصبح أمراً واقعاً لا مفر منه ويعكس السياسية الأميركية في العراق.
وفي السياق ذاته، كشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أن واشنطن راضية عن التطورات الأخيرة وتضع ثقتها بالزيدي، مؤكدةً ان تصريحات هاريس لا تدل على استياء أميركي، بل على العكس تماماً، تم الاتفاق على إخضاع الفصائل المسلحة التي أعلنت انخراطها بالدولة العراقية، لفترة مراقبة يتم خلالها تقييم جديتها في التخلي عن السلاح واندماجها الفعلي ضمن مؤسسات الدولة قبل البحث بإمكانية عودتها للعمل الحكومي.
وحول مسألة تفاصيل تسليم السلاح، في ظل عدم نشر أي صورة أو مقطع فيديو يظهر عملية الاستلام والتسليم، أوضحت المصادر، أنه حتى الآن لم تضع الأطراف السياسية العراقية خطة واضحة لاستلام السلاح، ولم يتم الكشف عن الجهة التي تسلّمت السلاح، رغم أن المؤشرات تدل على أن وزارة الدفاع توّلت هذه المهمة.
وأكدت المصادر، أن واشنطن لن تقبل إلا بخطة واضحة لعملية نزع السلاح، وستطالب الحكومة العراقية بالكشف عنها، ولن تترك مصير السلاح مجهولاً بل ستضغط لوضع أطر واضحة لحفظ هذه الأسلحة تحت جناح الدولة العراقية.
وعن إمكانية شراء الفصائل للسلاح من بعضها، تجيب المصادر بأن "الفصائل تمتلك مخزونات متنوعة من الأسلحة والمعدات، وقد تلجأ إلى ترتيبات داخلية للحفاظ على هذه القدرات ضمن أطر حليفة بدلاً من تسليمها للدولة أو تفكيكها بالكامل. لكن يبدو أن الفصائل التي أعلنت استعدادها لتسليم السلاح مهتمة بإعادة دمج عناصرها و تسوية أوضاعها ضمن الدولة العراقية أكثر من اهتمامها بإعادة تدوير ترساناتها داخل المشهد المسلح".
أما مصير هذه الأسلحة، فترى المصادر، أن هناك سيناريوهات عدة محتملة:
- الأول يتمثل في تسليمها إلى المؤسسات الأمنية العراقية وفق آليات رسمية.
- الثاني هو تخزينها ضمن مستودعات خاضعة لجهات منظمة بانتظار حسم مستقبلها.
- السيناريو الثالث فيتمثل في انتقال بعضها إلى أطراف أخرى داخل البيئة المسلحة نفسها.
ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام الذي تدفع نحوه الدولة العراقية وشركاؤها الدوليون هو تقليص انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية وتعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة.
(المشهد)