تمثل تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه إيران، مؤخرًا، بما في ذلك إرسال حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" ومجموعتها الضاربة، استمرارًا لـ"نهجه التصعيدي"، رغم حالة عدم اليقين بخصوص السيناريوهات المحتملة، وفق مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد".
بيئة سياسية مواتية
إذ إن التحركات الأميركية تتزامن هذه المرة مع بيئة سياسية وأمنية على المستويين الإقليمي والدولي مواتية لترامب، تشمل تراجع النفوذ الإقليمي لإيران، سقوط أذرعها الميلشياوية في المنطقة، وكذلك الاحتجاجات الداخلية التي تقوض شرعية النظام في طهران.
وبحسب المصادر ذاتها، تُظهر هذه التحركات تنوعًا لافتًا بين الضغط العسكري والدبلوماسي، في سياق ملفات دولية متشابكة تشمل أوكرانيا وغرينلاند، مع تركيز على الملف النووي الإيراني كـ"خط أحمر"، بينما تستغل واشنطن التطورات الداخلية لإيران لتعزيز نفوذها الإقليمي وقطع مصادر دعم الصين الصاعدة.
وكان الرئيس الأميركي قد صرح وهو على متن طائرته الرئاسية اليوم بتوجه قوة عسكرية هائلة نحو إيران، ومشددًا على متابعته التطورات عن كثب، بما ضاعف من احتمالات تنفيذ تهديداته العسكرية التي سبق أن تراجع عنها بدعوى تعليق النظام الإيراني تنفيذ أحكام الإعدام بحق 800 من المتظاهرين الذين تم اعتقالهم.
وقال ترامب إنه قد بعث بعدد كبير من القطع البحري باتجاه منطقة الشرق الأوسط، بجانب حاملة طائرات في طريقها للانتشار. وتابع: "سنرى ما الذي سيحدث، ولا أرغب في وقوع أي تصعيد، لكن علينا أن ننتظر ما ستؤول إليه الأمور".
حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"
ومنذ الأسبوع الماضي، بدأت السفن الحربية الأميركية، ومن بينها حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"، ترافقها المدمرات والطائرات المقاتلة، بالتحرك من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وذلك عقب حملة القمع الشاملة التي نفذها النظام الإيراني ضد الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر العام الماضي.
في المقابل، اعتبر نائب قائد القوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي تهديدات ترامب "محض وهم" على حد تعبيره، مؤكدًا اليوم أن الهجوم على بلاده "أمر مستبعد"، وقال إن "العدو لا يجرؤ على مهاجمة البلاد".
وبحسب ما نقلت عنه وكالة "إسنا" الإيرانية، فقد أكد وحيدي على جاهزية بلاده لمواجهة أي هجوم بواسطة السفن الحربية أو الطائرات، مشيرًا إلى امتلاك إيران "سيطرة ذكية وكاملة" على مضيق هرمز.
نهج ترامب
وفي حديثه لـ"المشهد" يقول المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن إن تصريحات دونالد ترامب في دافوس لم تكن "تحوّلًا جديدًا" في خطابه، بل هي امتداد طبيعي لنهجه المعروف منذ ولايته الأولى. إلا أن الجديد هذه المرة لا يكمن في الخطاب السياسي، بل في البيئة السياسية والأمنية المحيطة التي تغيّرت جذريًا لصالحه.
فخلال الفترة الفاصلة بين ولاية ترامب الأولى والثانية، وقعت سلسلة أحداث مفصلية عزّزت من "منطق التصعيد" ضد النظام الإيراني، وفق عبد الرحمن، أبرزها محاولة اغتيال ترامب المنسوبة إلى النظام الإيراني، وحرب غزة، وما تلاها من تقويض نفوذ طهران الإقليمي وشبكاتها الميلشياوية إثر اغتيال زعيم "حزب الله" حسن نصر الله بلبنان، ثم سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف غير مسبوق للأذرع الإقليمية لإيران وبنية النفوذ العسكري والسياسي الممتد في المنطقة، وفي مقدمتها كذلك "الحشد الشعبي" في العراق.
وعليه، جاءت الاحتجاجات الواسعة داخل إيران، وما رافقتها من "مجازر وانتهاكات" حقوقية صعبة بحق الشعب الإيراني، لـ"تُسقط ما تبقّى من شرعية النظام داخليًا"، على حد توصيف المحلل السياسي الإيراني، موضحًا أن النظام الإيراني اليوم لا يستند إلى حاضنة شعبية، ولم يعد يحكم إلا عبر الأجهزة القمعية، بعد أن "فقد شرعيته الأخلاقية والسياسية في الداخل، كما فقد شرعيته الإقليمية والدولية مع تهاوي أذرعه الخارجية".
ويردف: "كل ذلك جعل سيناريو إسقاط النظام الإيراني أقل كلفة وخطورة من وجهة النظر الأميركية، خصوصًا في ظل التحوّل الإستراتيجي الأكبر الذي يحكم السياسة الأميركية، والمتمثل في تحييد الصين الصاعدة، التي باتت منافسًا حقيقيًا للولايات المتحدة عسكريًا واقتصاديًا".
خصم إقليمي
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى إيران فقط كخصم إقليمي، بل كجزء من الشريان الاقتصادي والسياسي الذي يدعم صعود الصين، وفق المحلل السياسي الإيراني، ومن هنا "نفهم التحركات الأميركية ضد فنزويلا، التي أصبحت عمليًا تحت الضغط والسيطرة الأميركية، ومعها يأتي الدور على إيران، بهدف قطع مصادر الطاقة والنفوذ التي تستند إليها بكين في صراع الهيمنة العالمية".
بناءً على ذلك، يؤكد عبد الرحمن أن الحشد العسكري الأميركي يبدو هذه المرة جديًا وحقيقيًا، وليس مجرد استعراض قوة؛ حيث إن الظروف الدولية والإقليمية، بجانب ما يجري في إيران، باتت مهيّأة لـ"خطوة حاسمة" قد تفتح الباب أمام إنهاء 47 عامًا من معاناة الشعب الإيراني مع نظام فقد كل مقومات البقاء، ولم يتبقَّ له سوى أدوات القمع.
رسالة واضحة
ومن جهته، يرى المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول أن الإدارة الأميركية تواصل ممارسة ضغوط متزايدة على إيران، في ظل تحركات عسكرية ودبلوماسية متزامنة، وقد أعلن الرئيس الأميركي عن توجه حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى المنطقة، ترافقها مجموعة من الصواريخ والطائرات والمدمرات، وهي "رسالة واضحة" بأن القوة العسكرية الأميركية جاهزة للتحرك في حال عدم استجابة طهران للشروط الأميركية.
ويقول الزغول لـ"المشهد" إن هذه التحركات العسكرية تأتي بالتوازي مع جهود دبلوماسية تسعى للحفاظ على توازن في التعامل مع إيران، حيث تنتظر واشنطن تقييم الرد الإيراني قبل اتخاذ خطوات إضافية.
تفاهمات غير معلنة
ويضاف إلى ذلك "العامل الدولي الأوسع"، إذ تتشابك الملفات الإقليمية مع قضايا أخرى على الساحة العالمية، مثل المفاوضات مع روسيا بشأن أوكرانيا واستغلال الموارد في غرينلاند، مما يطرح فرضية وجود تفاهمات غير معلنة بين موسكو وواشنطن لتقاسم النفوذ، بحسب الزغول.
من ثم، تعتبر الولايات المتحدة أن الملف النووي الإيراني يشكل "خطا أحمر" لأي تحرك عسكري، بينما يبقى ملف الاحتجاجات الداخلية في إيران مرتبطاً بجهود استخباراتية وسيبرانية قد تُنفذ لاحقاً، كما يوضح المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة.
ويختتم حديثه قائلًا إن الإدارة الأميركية تنتظر توثيق ردود فعل الحكومة الإيرانية على التظاهرات، لتحديد كيفية استغلال هذه التطورات في الضغط على النظام الإيراني وتحقيق أهدافها الإستراتيجية الإقليمية والدولية، بما في ذلك استغلال الموارد في غرينلاند.
(المشهد)