أدت الحرب الإسرائيلية على لبنان في تصاعد الغضب الشعبي ضد "حزب الله" الموالي لإيران والذي تسبب في اندلاع الصراع، ما يهدد باندلاع حرب أهلية في البلد الذي مزقته الصراعات خلال العقود الماضية، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".
لطالما كان لبنان على حافة الانهيار. فبينما كان عالقا طوال تاريخه بين سوريا وإسرائيل والميليشيات الطائفية القوية، لم يبدُ أنه يحقق سيادته الكاملة.
انفجرت انقساماته لتتحول إلى فوضى الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990، حين قامت ميليشيات شيعية وسنية ومارونية وفلسطينية ودرزية متنافسة، يقودها رجال ذوو نفوذ، بتقسيم البلاد إلى جيوب معزولة.
وسط هذا الخراب، غزت إسرائيل لبنان عام 1982 لمهاجمة منظمة التحرير الفلسطينية.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
بحسب التقرير، يُذكّر الغزو الإسرائيلي الأخير، ونشاط "حزب الله" المسلح، وتفاقم الصراع الطائفي، الكثيرين بتلك الأيام الحالكة. خصوصا في ظل تصاعد قوى الانقسام، ما يضع المجتمع اللبناني تحت ضغط لم يشهده منذ سنوات.
ويقول قادة المجتمع المحلي، إنّ عجز الحكومة عن كبح جماح "حزب الله" يؤدي إلى انعدام الثقة وتنامي أعمال العنف خارج نطاق القانون.
كاد لبنان أن ينزلق إلى حالة من الفوضى قبل 5 سنوات، بعد أزمة مصرفية حادة، وانفجار في مرفأ بيروت سوّى أحياءً مجاورة بالأرض وزعزع الثقة في الحكومة، وصراع سياسي مع "حزب الله: حال دون انتخاب رئيس للبلاد لمدة عامين.
مهّدت هزيمة إسرائيل لـ"حزب الله" عام 2024 الطريق أمام تحوّل جذري. انتخب البرلمان جوزيف عون رئيسًا، ورحّبت الولايات المتحدة بهذه الفرصة التي أتاحت للحكومة تأكيد سيادتها ونزع سلاح الجماعة المسلحة.
شرع الجيش اللبناني في تطهير مواقع "حزب الله" ومخازن أسلحته في الجنوب، في جهد أقرّت الولايات المتحدة، بل وإسرائيل، بأثره.
وقد تلقّى الجيش في بعض الأحيان مساعدة من المخابرات الإسرائيلية. لكن بحلول خريف العام الماضي، توقّف التقدّم مع إعادة "حزب الله" تسليح نفسه، وحذّرت إسرائيل من أنها ستشنّ هجومًا قويًا مجددًا.
وقال مدير العلاقات الإعلامية يوسف الزين: "كان هدف إسرائيل منع حزب الله من إعادة بناء قدراته، بينما كنا نحن، من جانبنا، نعمل على استعادتها ومستعدّين لتحمّل تكلفة ذلك".
صراع الحكومة مع "حزب الله"
لم تستطع الحكومة اللبنانية منع "حزب الله" من الانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران. أعلن رئيس الوزراء اللبناني حظرًا على أنشطة الحزب العسكرية في 2 مارس، لكنّ "حزب الله" تجاهله.
وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، أمرت وزارة الخارجية الإيرانية السفير الإيراني بمغادرة البلاد، لكنه رفض.
قال الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، في خطاب ألقاه في مايو: "افهموا جيدًا: نزع السلاح هو إبادة، ولن نقبله أبدًا"، ودعا خلاله الشعب اللبناني إلى الوقوف في وجه الحكومة.
ويقرّ مسؤولون عسكريون لبنانيون حاليون وسابقون، بأنّ الجيش يعمل كمؤسسة توحيدية أكثر منه قوة قتالية هائلة. ويعكس عشرات الآلاف من جنوده في الخدمة الفعلية فسيفساء المجتمع اللبناني، حيث يضم ممثلين عن جميع الطوائف.
ومنذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، قام الجيش بنزع سلاح العديد من الجهات الفاعلة غير الحكومية، ولعب دور الوسيط بين الفصائل السياسية المتنافسة، وشن حملة على تهريب المخدرات والجماعات الإسلامية.
لكن هذه المرة أكثر تعقيدًا. فالجنود اللبنانيون لا يرغبون في أن يُنظر إليهم على أنهم ينفذون أعمالًا قذرة لإسرائيل، وكثير منهم لا يملكون الإرادة لمواجهة أبناء وطنهم، حتى لو كانوا منتمين لـ"حزب الله"، وفقًا لمسؤولين أميركيين ولبنانيين.
ملاحقة "حزب الله"
وقد صرّح وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، بأنّ الولايات المتحدة تعمل على إنشاء نظام يُمكّن الوحدات العسكرية اللبنانية المعتمدة من الحصول على التدريب والمعدات اللازمة لملاحقة "حزب الله"، حتى لا تضطر إسرائيل إلى ذلك.
يستخدم "حزب الله" الآن تكتيكات جديدة، من بينها طائرات مسيّرة مفخخة موجهة بأسلاك ألياف بصرية، وهو ما تكافح إسرائيل لمواجهته. ويقول محللون إنّ إسرائيل تُخاطر بالانجرار إلى حرب طويلة الأمد أخرى واحتلال معقّد، إذا ما سعت إلى نزع سلاح "حزب الله" بنفسها.
البديل هو عملية سلام بقيادة الولايات المتحدة بين إسرائيل والحكومة اللبنانية لا تشمل "حزب الله" بشكل مباشر. حتى أنّ الرئيس اللبناني يعتمد على وسيط للتحدث مع "حزب الله"، بدلًا من التواصل المباشر معه، حسبما أفاد مسؤولون لبنانيون كبار.
ويرى مسؤولون لبنانيون كبار أنّ الحرب قد منحت الحكومة فرصة جديدة. بينما يستشهد "حزب الله" بغزو الجنود الإسرائيليين كدليل على حاجة البلاد لأسلحته للدفاع عنها، فإنّ الدمار الذي لحق بالبلاد مؤخرا، واختراق المخابرات الإسرائيلية الفاضح للحزب، قد أضرّ بمكانته حتى بين الشيعة.
(ترجمات)