يأتي عرض يوم النصر هذا العام في موسكو وسط أجواء مختلفة عما اعتادت عليه روسيا في السنوات الماضية، حيث تتزامن الفعالية مع تصاعد التحديات الأمنية والاقتصادية والعسكرية التي تواجهها البلاد.
وبينما ظل هذا الاستعراض لعقود رمزًا للقوة الروسية واستمرار الإرث السوفياتي، فإنه يعكس هذه المرة ملامح مرحلة أكثر تعقيدًا في الداخل الروسي تحت قيادة فلاديمير بوتين.
وأشارت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير إلى أن بوتين جعل من استعراض يوم النصر السنوي، الذي يُحيي ذكرى انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية، ركيزةً أساسيةً للطقوس الوطنية الروسية، حيث كانت الدبابات وقاذفات الصواريخ النووية تجوب الساحة الحمراء في استعراضٍ للقوة العسكرية والفخر الذي استخدمه الكرملين لتبرير موقف بلاده كقوة عظمى تجاه الغرب.
وأضاف التقرير أن هذا العام، يُسلّط الاستعراض الضوء على لحظة ضعف لبوتين، إذ تشهد موسكو انتشارًا أمنيًا مكثفًا في ظلّ تصعيد أوكرانيا لهجماتها الصاروخية وطائراتها المسيّرة بعيدة المدى.
وبسبب تلك الظروف، لن يتضمن استعراض يوم السبت أيًّا من الصواريخ والدبابات التي تُستعرض عادةً.
كما سيقتصر الحضور في أشهر ساحات روسيا على أفراد من الأكاديميات العسكرية الروسية.
وأشار التقرير إلى أنه في مطلع هذا الأسبوع، ناشد الزعيم الروسي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، من دون جدوى، لوقف إطلاق النار خلال يوم العرض العسكري.
ثم، مساء الجمعة، وفي مرسومٍ اتسم بروح الدعابة الساخرة، قال زيلينسكي إن أوكرانيا "ستسمح" لروسيا بإقامة العرض العسكري مقابل عدم مهاجمته.
وأثارت عمليات قطع الإنترنت المكثفة، التي صوّرتها أجهزة الأمن على أنها إجراءات احترازية ضرورية، غضب الروس.
انكماش الاقتصاد الروسي
فبعد سنوات من النمو الاقتصادي الذي غذّته الحرب، يشهد الاقتصاد الروسي انكماشاً، بينما يصل عجز الموازنة العامة للبلاد إلى مستويات قياسية.
على خطوط المواجهة، بالكاد يتحرك الجيش الروسي، مما يجعل احتمال النصر يبدو أبعد من أي وقت مضى. بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب، لا تزال روسيا تسعى للسيطرة على منطقة دونباس الشرقية، التي تعتبرها هدفًا رئيسيًا.
وقالت الباحثة في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا، تاتيانا ستانوفايا: "منذ بداية العام، طرأ تحوّلٌ لم نُدركه تمامًا بعد، يتمحور هذا التحوّل حول وجود حديثٍ غير علني، وبدرجة أقل علني، عن استياءٍ عام".
كان إلغاء الفعالية سيُظهر بوتين بمظهرٍ أضعف. لذا، وقبل العرض، بذل الكرملين جهودًا كبيرة لضمان سلامة الحدث.
أدى حجب الإنترنت عبر الهاتف المحمول -الذي تقول روسيا إن أوكرانيا تستخدمه لتوجيه الطائرات المسيّرة- إلى شلّ الخدمات الرقمية في موسكو، وحرم ذلك سكان موسكو من وسائل الراحة الحديثة التي لطالما كانت مصدر فخرٍ محلي، وزاد من شعورهم المتزايد بالاستياء.
وفرضت قيود مماثلة قبل عام، عندما استضاف بوتين مجموعة من القادة الأجانب، من بينهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، مُظهِرًا موسكو كمركز لنظام عالمي صاعد غير غربي.
لكن في ذلك الوقت، كان العديد من الروس يأملون أن يتوسط الرئيس ترامب قريبًا لإنهاء الحرب، مما جعلهم أكثر استعدادًا لتحمّل القيود.
وبحسب التقرير، اليوم، يسود جوٌّ مختلفٌ تماماً في العاصمة الروسية، كما يقول المحلل السياسي المقيم في موسكو إيليا غراشينكوف، ويضيف: "يقول بوتين إنه لا ينوي إنهاء الحرب حتى النصر، وهذا يُحبط الآمال".
وأضاف التقرير أنه على مدى السنوات الـ4 الماضية، نجا بوتين من أزماتٍ عديدةٍ أدّت إلى توقعاتٍ بانهيارٍ وشيكٍ لحكمه.
في بداية الحرب، مُني جيشه بهزائم مُؤلمة، من بينها الانسحاب القسري من كييف، المدينة التي وصفها بوتين بأنها مهد الحضارة الروسية.
الهجوم المضاد
وبعد أشهر، فرّت القوات الروسية من هجوم أوكراني مضاد في منطقة خاركيف، ثم تخلّت لاحقًا عن موطئ قدمها الوحيد على الضفة اليمنى لنهر دنيبرو قرب خيرسون.
في عام 2023، شنّ مرتزقة بقيادة يفغيني بريغوجين تمردًا جريئًا ومتهورًا، زاحفين نحو موسكو. وقبيل عرض يوم النصر في عام 2023، قصفت طائرات أوكرانية مسيّرة قصر مجلس الشيوخ داخل الكرملين.
وفي عامي 2022 و2023، تمكنت أوكرانيا من إلحاق أضرار جسيمة بجسر القرم، رمز سيطرة روسيا على شبه الجزيرة.
ومع ذلك، حافظ بوتين على شعور بالاستقرار في الداخل بينما واصل جيشه تقدمه البطيء، محتفظًا بالمبادرة منذ فشل الهجوم الأوكراني المضاد في عام 2023، ومستوليًا ببطء ولكن بثبات على الأراضي في دونباس.
على غرار بوتين، تحدى الاقتصاد الروسي لسنوات التوقعات بانهيار وشيك.
فقد شهد نموًا أوليًا بعد الغزو، مدفوعًا بتدفقات نقدية مرتبطة بالحرب رفعت مستويات المعيشة إلى أعلى مستوياتها في تاريخ ما بعد الاتحاد السوفياتي.
لكن هذا الزخم اصطدم بجدار في العام الماضي، وتقف روسيا الآن على حافة أزمة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة والعقوبات الغربية التي حدّت من عائدات صادرات الطاقة.
(ترجمات)