بينما تقترب الولايات المتحدة وإيران من توقيع تفاهم لإنهاء الحرب المستمرة منذ فبراير، تبدو إسرائيل كمن يرى مقعده يُسحب من على طاولة صناعة القرار الإقليمي.
وتجاوز القلق في تل أبيب مرحلة العتب السياسي، ليتحول إلى كابوس حقيقي، حيث إنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب -الذي صفق له اليمين الإسرائيلي طويلا- يقود اليوم مفاوضات لا تضمن التفكيك الكامل لبرنامج إيران النووي أو كبح صواريخها الباليستية، بحسب التقارير الإسرائيلية المسرّبة.
وطرح هذا التباين الحاد خلف الكواليس، التساؤل الأكثر خطورة: هل يدفع الإحباط الإسرائيلي بمجلس الحرب نحو اتخاذ خطوة عسكرية منفردة ومباغِتة لكسر الإيقاع الأميركي؟
لا ترتبط الإجابة بواشنطن وحدها بل بالداخل الإسرائيلي المتفجر، حيث باتت الأحزاب الشريكة في الائتلاف الحكومي، توجه ضغطها السياسي نحو رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، وتدفعه نحو مواجهة مفتوحة مع الإدارة الأميركية أو السقوط من عرشه السياسي.
نتانياهو يعترف
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، كشف مسؤولان إسرائيليان أنّ نتانياهو أقرّ في أحاديث خاصة، بأنّ قدرة إسرائيل على التأثير في قرارات ترامب بشأن إيران تكاد تكون معدومة، في وقت تُستبعد فيه تل أبيب من المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر.
وتتركز المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية، على فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الحصار البحري الأميركي، على أن تُستكمل لاحقًا بمناقشة الملف النووي.
وتحدثت مصادر إيرانية عن إمكانية التوصل إلى صيغ لتقليص تخصيب اليورانيوم تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويخشى نتانياهو الذي يطالب بالاحتفاظ بحريّة العمل العسكري ضد "حزب الله" في لبنان، أن يؤدي أيّ اتفاق إلى تقييد العمليات الإسرائيلية.
وعلى الرغم من اتصالات هاتفية متكررة بينه وبين ترامب، فإنّ الأخير أكد علنًا أنّ نتانياهو "سيفعل كل ما أريده منه"، ما يعكس حدود الدور الإسرائيلي في صياغة التفاهمات المقبلة.
مذكرة تفاهم لا اتفاق شامل
ومن هنا، يرى الخبير الأمني والإستراتيجي الدكتور عمر الرداد، أنّ ما يجري الحديث عنه ليس اتفاقًا كاملًا، بل مجرد مذكرة تفاهم ذات طابع أولي.
وقال إنه بحسب التسريبات، تتضمن المذكرة محاور رئيسية عدة، أولها محور إيراني يركز على رفع العقوبات وتأجيل النقاش حول ملف اليورانيوم، من دون التطرق إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو الدور الإقليمي لطهران.
أما المحور الثاني فيأتي من تسريبات إعلامية إسرائيلية وأميركية، لا تؤكد هذه البنود بشكل كامل.
ويبدو بحسب الرداد، أنّ القاسم المشترك بين مختلف التسريبات، هو الاتجاه نحو تمديد الهدنة لفترة أطول من دون وقف الحرب بشكل نهائي، مع الإبقاء على الحصار البحري.
واستبعد أن يقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بما يُطرح حاليًا، حيث يسعى إلى اتفاق أفضل من ذلك الذي وقّعه الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015، خصوصًا في ظل الضغوط الإسرائيلية واللوبيات الصهيونية داخل الولايات المتحدة.
قلق إسرائيلي
في حين يؤكد الباحث والمختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور، أنّ القلق الإسرائيلي يتجلى في مستويين رئيسيين: الأول يتعلق بجوهر الاتفاق وتفاصيله، حيث لم يراعِ الخطوط الحمراء التي وضعتها إسرائيل، ولم يمنحها فرصة لتجديد حملتها العسكرية، كما تجاهل الملف اللبناني الذي قد يفرض على إسرائيل تحديات إضافية في المستقبل إذا ما تم التوصل إلى اتفاق.
أما المستوى الثاني فيرتبط، بحسب منصور، بطريقة تعامل الولايات المتحدة مع حكومة نتانياهو، حيث جرى تهميشها وإقصاؤها عن تفاصيل القرار، وهو ما حدّ من تأثيرها وأصاب نتانياهو بإحباط كبير، خصوصًا أنه كان يأمل بتحقيق إنجاز سياسي أو عسكري يعزز موقعه في ظل تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات.
خيارات العمل المنفرد
وحول القلق من اندفاع إسرائيل نحو خطوات عسكرية منفردة، أشار الرداد إلى أنّ تل أبيب لن تُقدِم في المدى المنظور على أيّ خطوة أحادية الجانب ضد إيران، طالما أنّ هناك مباحثات جارية ووجودًا عسكريًا أميركيًا واسعًا في المنطقة.
وأكد أنّ التنسيق بين تل أبيب وواشنطن سيظل وثيقًا للغاية، وأنّ أيّ تحرك إسرائيلي سيكون في إطار عمليات استخباراتية محدودة أو نوعية، مثل الاغتيالات أو التفجيرات داخل إيران، وهي عمليات لا يُعلن عنها عادة، مستفيدة من اختراقاتها الواسعة للساحة الإيرانية.
فيما يرى منصور أنّ إسرائيل غير قادرة على اتخاذ خطوات منفردة في مواجهة إيران إذا تم التوصل إلى اتفاق، لأنّ الاتفاق سيكون ملزمًا لجميع حلفاء الولايات المتحدة وكذلك لإيران ووكلائها في المنطقة.
واعتبر أنّ أيّ هامش يُترك لإسرائيل سيكون محدودًا، وأنها تراهن على أنّ تفاصيل الاتفاق لم تُحسم بالكامل بعد، وأنّ وجود فجوة صغيرة في المفاوضات، قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق برمّته.
إجماع نادر على رفض الاتفاق
وصف الرداد التركيبة الحزبية داخل إسرائيل بأنها يمينية متطرفة تقود الحكومة الحالية، لافتًا إلى أنّ ملف إيران ليس موضع خلاف بين الأحزاب سواء كانت يمينية أو علمانية، حيث يُنظر إلى طهران باعتبارها تهديدًا وجوديًا مشتركًا.
وأشار إلى أنّ نتانياهو يوظّف هذا الملف ضمن حساباته الحزبية، مكررًا الحديث عن "حرب الجبهات الـ7" ضد إيران ووكلائها في المنطقة.
وشدد على أنّ المقاربة الإسرائيلية تتصدر المشهد حاليًا، وتقوم على ضرورة استهداف "رأس الأخطبوط" أي النظام الإيراني نفسه، باعتباره المصدر الأساسي للدعم المالي واللوجستي لوكلائه في المنطقة.
ويرى الرداد أنّ الولايات المتحدة تميل إلى نموذج مشابه لفنزويلا، أي الضغط على النظام الإيراني من دون إسقاطه بالكامل، بينما تسعى إسرائيل إلى إنهاء النظام بشكل مباشر، معتبرة أنّ ذلك سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار الأذرع التابعة له وفقدانها مصادر الدعم، وبالتالي القضاء على التهديد الوجودي الذي تمثله إيران.
فشل سياسي
إلا أنّ منصور يصف الموقف داخل إسرائيل بأنه حالة إجماع نادرة على اعتبار الاتفاق سيئًا، حيث تتفق الحكومة والمعارضة والمستويات الأمنية والسياسية على رفضه.
لكنه أوضح أنّ بعض الأصوات المعارضة تسعى أيضًا إلى إظهار فشل نتانياهو سياسيًا وليس فقط عسكريًا، فيما لم يترك لنفسه أوراق ضغط كافية.
وأشار منصور إلى أنّ نتانياهو كان بإمكانه أن يفتح قنوات تفاهم مع الحكومة اللبنانية، أو أن يتعامل بشكل مختلف مع الملف الغزي والسلطة الفلسطينية، إضافة إلى المبادرات الأميركية، وهو ما كان سيمنحه هامشًا أوسع في مواجهة "حزب الله" ويخفف من الضغوط الإقليمية.
وشدد على أنّ خيارات نتانياهو المحدودة ضيقت عليه المساحة السياسية وأضعفت موقفه.
(المشهد)