تمثل خطة وزارة الدفاع الأميركية لزيادة إنتاج القذائف خلال العامين المقبلين انفراجة في الجهود المبذولة لإرواء تعطش أوكرانيا للأسلحة، إلا أنها كشفت عن مشاكل عميقة في قوة التصنيع العسكرية للولايات المتحدة، يجب التغلب عليها ليس فقط لمساعدة الحلفاء، ولكن أيضا لتعزيز إمكاناتها الدفاعية في حال اندلاع الصراع مع روسيا أو الصين أو قوة عظمى أخرى، حسبما أورد تقريرا لصحيفة واشنطن بوست.
ووفق الصحيفة الأميركية، فإنه على الرغم من امتلاك الولايات المتحدة لأكبر ميزانية عسكرية في العالم، تتجاوز 800 مليار دولار سنويا، وصناعة عسكرية أكثر تطورا، إلا أن هناك تحديات جديدة تكتسب أهمية مع عودة الصراع التقليدي إلى أوروبا وتفكير واشنطن في إمكانية قتالها مع القوى العظمى.
هشاشة صناعة الدفاع
أثارت الحرب الروسية الأوكرانية، نقاشا أوسع حول الحاجة إلى تحطيم ما يصفه القادة العسكريون الأميركيون بـ"هشاشة" صناعة الدفاع واستنباط وسائل جديدة لزيادة إنتاج الأسلحة بسرعة في أوقات الأزمات، إذ يشعر بعض المراقبين بالقلق من أن "البنتاغون" لا يفعل ما يكفي لتجديد مليارات الدولارات من الأسلحة التي تناقصت من المخزونات الأميركية.
وتُظهر الأبحاث التي أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن الإنتاج الحالي للمصانع الأميركية قد يكون غير كافٍ لمنع استنفاد مخزونات المواد الرئيسية التي توفرها الولايات المتحدة لأوكرانيا. حتى في معدلات الإنتاج المتسارعة، فمن المرجح أن يستغرق الأمر سنوات عدة على الأقل لاستعادة مخزون صواريخ جافلين المضادة للدبابات وصواريخ "ستينغر" وغيرها من العناصر المطلوبة من قبل كييف.
وتوضح الأبحاث التي أجراها المركز، مشكلة أكثر انتشارا تتمثل في الوتيرة البطيئة للإنتاج الأميركي، ما يعني أن الأمر سيستغرق ما يصل إلى 15 عاما عند مستويات الإنتاج في وقت السلم، وأكثر من 8 سنوات في زمن الحرب، لتعويض المخزونات الرئيسية، مثل الصواريخ الموجهة والطائرات الموجهة والطائرات المسلحة دون طيار، وذلك تم تدميرها في معركة أو تم التبرع بها للحلفاء.
رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ السناتور جاك ريد، يقول في مقابلة مع الصحيفة الأميركية "إنها دعوة للاستيقاظ"، في إشارة إلى مشاكل الإنتاج التي كشفتها الحرب، مضيفا: "يجب أن تكون لدينا قاعدة صناعية يمكنها الاستجابة بسرعة كبيرة".
وبعد مرور عام على الحرب في أوكرانيا، وصلت المساعدات العسكرية الأميركية إلى 30 مليار دولار، حيث تم تمويل كل شيء من نظارات الرؤية الليلية وصولا إلى الدبابات الثقيلة من طراز "إبرامز"، وهي من مخزونات البنتاغون.
أوكرانيا تحرق إنتاج 13 عاما
وروّج مسؤولو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي "الناتو" بالتأثير القوي للأسلحة الغربية في ساحة المعركة، حيث مكّنت القوات الأوكرانية من صد قوات بوتين في أماكن مثل مدينة خيرسون الجنوبية، وعكسوا المكاسب الروسية. لكن جهود التسلح أثارت قلق المسؤولين في الولايات المتحدة وأوروبا أيضا، بعدما أدت إلى استنزاف المخزونات العسكرية للدول المانحة وكشفت عن فجوات في الإنتاج.
ونظرا لتوقف المعارك في الخطوط الأمامية خلال أشهر الشتاء الباردة، أصبح المعركة أكثر بالمدفعية، حيث أطلقت القوات الأوكرانية ما معدله 7700 قذيفة مدفعية يوميا، وفقا للجيش الأوكراني، وهو ما يفوق إنتاج الولايات المتحدة قبل الحرب، بمعدل 14,000 طلقة 155 ملم في الشهر. وفي الأشهر الثمانية الأولى بعد الحرب أحرقت القوات الأوكرانية ما يوازي 13 عاما من إنتاج صواريخ "ستينغر" المضادة للطائرات و5 سنوات من صواريخ "جافلين"، وفقا لشركة "رايثيون"، التي تنتج كلا السلاحين.
ويتوقع رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك إيه ميلي، أن ضغط الذخائر قد يتطلب دفعة إضافية في إنفاق البنتاغون.
فيما قال وكيل وزارة الدفاع للسياسة كولين كال، للمشرعين الأسبوع الماضي: "النزاع في أوكرانيا أظهر أن قاعدتنا الصناعية الدفاعية لم تكن بالمستوى الذي كنا بحاجة إليه لإنتاج الذخائر"، مشيرا إلى الجهود المبذولة لتسريع إنتاج قذائف المدفعية والصواريخ الموجهة وغيرها من الذخائر "هذه الأمور ستكون مهمة بعد عام من الآن، وعامين من الآن، و3 سنوات من الآن، لأنه حتى لو تلاشى الصراع في أوكرانيا، لا يمكن لأحد التنبؤ بما إذا كان ذلك سيحدث، فستحتاج أوكرانيا إلى جيش يمكنه الدفاع عن الأراضي ستستعيدها".
لا تقتصر المشكلة على الذخيرة ولا بالأصناف التي يتم توفيرها لأوكرانيا، وفقا لضابط البحرية المتقاعد وخبير الدفاع في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) مارك كانسيان، والذي أضاف أن وتيرة الإنتاج في المصانع الأميركية تعني أن الأمر سيستغرق أكثر من 10 سنوات لاستبدال الأسطول الأميركي من طائرات الهليكوبتر "بلاك هوك"، وما يقرب من 20 عاما لاستبدال مخزون صواريخ جو - جو المتطورة ومتوسطة المدى، كما سوف يمر 44 عاما على الأقل قبل أن يتمكن البنتاغون من استبدال أسطوله من حاملات الطائرات.
أوروبا تُعاني أيضا
وفق الصحيفة الأميركية، فإن أوروبا تعاني أيضا من هذه المشكلة الخطيرة بنفس القدر، إذ حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ في فبراير من أن وقت انتظار الأسلحة ذات العيار الكبير قد تضاعف 3 مرات، مما يعني أن العناصر المطلوبة الآن لن يتم تسليمها لأكثر من عامين.
وفي ألمانيا، ووسط خطط لتوسيع عسكري، يُعتقد أن إمداداتها من الذخيرة كافية لمدة يومين من القتال، فيما قد تستمر الذخيرة في بريطانيا 8 أيام.
ولمعالجة هذه المشاكل، يستكشف قادة الاتحاد الأوروبي طرقًا لتسريع التصنيع، ربما باستخدام اتفاقيات الشراء المسبق المصممة على غرار السباق لتطوير لقاح لفيروس كورونا.
وتعتبر أزمة الذخيرة في أوكرانيا وجودية، ففي أماكن مثل باخموت، حيث تخوض القوات الأوكرانية معركة مروعة مع الروس، تقول القوات المدافعة إنه يتعين عليها تقنين ذخيرة المدفعية لأنها تتلقى كميات أقل بكثير مما تحتاجه.
ولحسن حظ كييف، تواجه روسيا، مع فرض عقوبات صارمة على صناعتها الدفاعية، مشكلة مماثلة. وبحسب رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف، اضطر الكرملين إلى تقليص وتيرة الهجمات الجوية بسبب تضاؤل مخزونات الذخيرة الرئيسية، بما في ذلك صواريخ "كاليبر" و"كيه 101"، قائلا إن إنتاج صواريخ كافية لضربة واحدة كبيرة، يستغرق الآن ما يصل إلى شهرين.
صناعة سيئة التجهيز
كشف تحليل البنتاغون لقطاع الدفاع الأميركي عن صناعة سيئة التجهيز بالمقارنة مع براعة الإنتاجية خلال الحرب العالمية الثانية، عندما قامت المصانع الأميركية بإنتاج الطائرات والأسلحة التي قادت جيوش الحلفاء إلى الانتصار على دول المحور، حيث ترجع مشكلاتها جزئيا إلى ما حدث بعد الحرب الباردة من انخفاض الإنفاق العسكري.
وكشفت الحرب عن مشاكل في قدرة الولايات المتحدة على تسريع تصنيع الأسلحة المطلوبة ليس فقط لمساعدة حلفائها ولكن أيضا للدفاع عن النفس في حالة اندلاع الصراع مع روسيا أو الصين. ولاحظ المسؤولون أن تأخر الإنتاج يرجع أيضا إلى حقيقة أن بناء المعدات العسكرية اليوم أكثر تعقيدا بطبيعته مما كان عليه خلال الحرب العالمية الثانية، عندما كان بإمكان شركة فورد إنتاج طائرة خلال ساعة.
وتتطلب الأسلحة الآن في كثير من الأحيان إلكترونيات دقيقة وأجزاء من عشرات أو مئات المنشآت، إذ تحتوي المقاتلة الشبح "F-35" التابعة لشركة "لوكهيد مارتن"، على 300,000 قطعة يتم الحصول عليها من 1700 مورد.
ويخطط الجيش الآن لزيادة قدرته الشهرية لإنتاج قذائف 155 ملم من حوالي 14,000 الآن إلى 30,000 هذا الربيع، وفي نهاية العام إلى 90,000، وينفق الجيش أيضا 80 مليون دولار لجلب مصدر ثان عبر الإنترنت لمحرك صاروخ "جافلين"، ويخطط لمضاعفة الإنتاج إلى حوالي 4,000 سنويا.
ووقع الجيش الأميركي مؤخرا عقدا بقيمة 1.2 مليار دولار مع شركة "Raytheon" لبناء 6 وحدات أخرى من أنظمة الدفاع الجوي أرض-جو المتقدمة، والتي تُستخدم في الحرب في أوكرانيا للدفاع ضد هجمات الصواريخ والطائرات دون طيار الروسية، لكنها لن تكون جاهزة قبل عامين.
ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أنه من بين 45 مليار دولار خصصها الكونغرس لإنتاج أسلحة جديدة لأوكرانيا واستبدال المخزونات الأميركية المتبرع بها، كان البنتاغون قد أبرم حتى فبراير عقودا بحوالي 7 مليارات دولار فقط، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان يتحرك بسرعة كافية.
ويتفق مسؤولو الصناعة والمشرعون وقادة البنتاغون على أن بناء قدرة أكبر على التوسع السريع في إنتاج الأسلحة المطلوبة سيتطلب وقتا واستثمارات جديدة.
تراجع تأييد الدعم
في حين أن دعم الإنفاق الدفاعي عادة ما يكون قويا في الكابيتول هيل، فقد تراجع التأييد لتسليح أوكرانيا، خاصة بين الجمهوريين. وأظهر استطلاع حديث للرأي أن 40% من الجمهوريين يعتقدون الآن أن الولايات المتحدة تقدم الكثير من المساعدات لأوكرانيا، ارتفاعا من 9% في الربيع الماضي.
وفي جلسة استماع حديثة، أبلغت النائبة ليزا سي ماكلين، جمهورية عن ولاية ميشيغان، مسؤولي البنتاغون أن الناخبين في منطقتها كانوا قلقين من الوقوع في "حرب لا تنتهي" في أوكرانيا، قائلة: "إنهم يعتقدون أننا ننفق الأموال والموارد على معركة في الخارج، بدلا من تنظيم بيتنا المالي".
(ترجمات)