قانون الأسرة الجديد في مصر.. جدل حول المساواة وحقوق المرأة والطفل

آخر تحديث:

شاركنا:
جدل واسع حول مشروع قانون الأسرة في مصر بين دعاوى التوازن ومخاوف الإخلال بالعدالة
هايلايت
  • بعث مشروع قانون الأسرة بمصر بجدالات عديدة في الأوساط الحقوقية والنسوية.
  • بعض النصوص قد تُحدث تضاربًا في معايير الحضانة وتؤثر على الأطفال بعد الطلاق.
  • مراقبون: المشروع لا يقدم إضافة جوهرية للنساء بل شهد تراجعًا في بعض الجوانب.
  • نصّ المشروع على أن الزواج هو بالتعريف "ميثاق شرعي بغية تكوين أسرة مستقرة". 

بعث مشروع قانون الأسرة الجديد في مصر بجدالات عديدة في الأوساط الحقوقية والنسوية، وهو المشروع المحال من الحكومة مؤخرًا إلى مجلس النواب لإقراره، بينما يستهدف من خلال الضوابط التشريعية تحقيق جملة التوازنات المطلوبة لضمان الحقوق كافة بين طرفي العلاقة الزوجية وتحقيق الشفافية على النحو الذي يمنع أي شكل من أشكال التضليل.

قانون الأسرة الجديد في مصر

ونص المشروع على أن الزواج هو بالتعريف "ميثاق شرعي بغية تكوين أسرة مستقرة قائمة على المودة والرحمة وتتحمل مسؤولياتها المشتركة".

ووفق أحد النصوص الواردة بمشروع القانون، فإن للزوج الحق في طلب فسخ عقد الزواج عبر القضاء في مدى زمني لا يتخطى 6 أشهر من تاريخ العقد، وذلك في حال تبين أن الزوج زعم لنفسه صفات غير واقعية وعلى أساسها انعقد الزواج. غير أن النص اشترط عدم وجود حمل أو إنجاب.

وفي ما يبدو أن مشروع قانون الأسرة في مصر يثير جدلاً واسعًا بسبب ما يتضمنه من مواد تمس قضايا الحضانة والرؤية والنفقة، بالإضافة إلى إشكاليات تتعلق بالمساواة وعدم التمييز على أساس الدين، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، موضحين أن بعض النصوص قد تُحدث تضاربًا في معايير الحضانة وتؤثر على استقرار الأطفال بعد الطلاق.

وبحسب المصادر ذاتها، فالمشروع لا يقدم إضافة جوهرية للنساء، بل يتضمن تراجعًا في بعض الجوانب، خصوصًا ما يتعلق بغياب حد أدنى للنفقة، وعدم معالجة مسألة تقسيم الثروة المشتركة، وتحويل بعض الإجراءات مثل "إنذار الطاعة" إلى مسارات قضائية من دون معالجة جوهرها، فضلاً عن استمرار الجدل حول تعدد الزوجات، الأمر الذي يجعل الحاجة ملحة لصياغة تحقق توازنًا حقيقيًا يضع مصلحة الطفل وكرامة النساء أولوية قصوى.

إشكال قانوني ومجتمعي

وفي حديثها لمنصة "المشهد"، توضح الناشطة والحقوقية النسوية إلهام عيداروس، أن مشروع قانون الأسرة المطروح في مصر يبعث بجدالات عديدة على أكثر من مستوى، بعضها مرتبط بمسألة النفقة وبعضها الآخر له صلة بضرورة المساواة وعدم التمييز على أساس الدين لتعزيز المواطنة، بالإضافة إلى قضايا أخرى منها مواد الحضانة والرؤية.

وتقول عيداروس "أثار مشروع قانون الأسرة المطروح في مصر موجة من الجدل، على خلفية ما تضمنه من مواد تتعلق بحق الحضانة في حالات اختلاف الدين بين الأبوين، وسط انتقادات تعتبر هذه البنود مثار إشكال قانوني ومجتمعي".

إذ يعيد المشروع إلى الواجهة قضية طالما أثارت نقاشًا، تتعلق بحرمان الأم غير المسلمة من حضانة أبنائها المسلمين، سواء في حالات الزواج المختلط أو عند تغيير ديانة أحد الوالدين. غير أن الانتقادات الحالية تذهب إلى أبعد من ذلك، إذ تشير إلى أن النصوص المقترحة قد تمتد لتشمل أيضًا حالات تحول الأم إلى الإسلام، بما قد يؤدي إلى حرمانها من حضانة أبنائها المسيحيين، وفق عيداروس.

هذه المقاربة في واقع الحال تثير تساؤلات حول "معيار" الحضانة، خصوصًا في ظل ما يُفهم من المشروع بشأن اختلاف المعاملة بين الحاضن إذا كان امرأة أو رجلًا، وتأثير تغيير الديانة على حق رعاية الأبناء، كما تطرح تساؤلات بشأن أوضاع الأسر التي يغيّر فيها أحد الوالدين ديانته، وما إذا كان ذلك ينعكس تلقائيًا على وضع الأبناء القانوني وحقوق الطرف الآخر في الحضانة، حسبما توضح الناشطة والحقوقية النسوية.

وتضيف: "هناك تضارب في المواد المنظمة لحق الحضانة، خصوصًا في ما يتعلق بتأثير زواج الأب أو الأم على استمرار هذا الحق".

سقوط الحضانة في مصر

وبحسب مشروع القانون، فإنه من حيث المبدأ تم الإبقاء على سن الحضانة حتى 15 عامًا، غير أن المادة (122) تنص على سقوط الحضانة في حال زواج الأب أو الأم، بينما تقر المادة (124) بعدم سقوط الحضانة إذا كان الحاضن من غير الوالدين، حتى في حال زواجه.

هذا التباين قد يفرز أوضاعًا معقدة داخل الأسرة بعد الطلاق، على نحو ما تذكر الناشطة والحقوقية النسوية، إذ يمكن والحال كذلك أن يُنقل الطفل من الأم إلى الأب في حال زواجها، ثم إلى الجدة إذا كان الأب متزوجًا، وفي حال عدم وجودها قد تنتقل الحضانة إلى خالة أو عمة، حتى لو كانت متزوجة، وهو ما يطرح تساؤلات حول استقرار الطفل ومصلحته المثلى.

وتقول عيداروس: "يتضمن المشروع استثناءً يسمح ببقاء الطفل مع الأم رغم زواجها إذا كان دون سن الـ7 أو من ذوي الإعاقة، وهو ما يعد معالجة جزئية لا تعالج الإشكال الأوسع المتعلق بمعايير إسناد الحضانة".

كما تطالب إما بالإبقاء على القواعد التقليدية التي تعطي أولوية الحضانة للنساء من المحارم، أو اعتبار زواج الحاضن لا يسقط الحضانة بالأساس إلا لو ثبت بشكل واضح الضرر للصغير. وعليه، تبدو الحاجة ملحة لصياغات قانونية واضحة ومتوازنة تضع مصلحة الطفل في المقام الأول، وتحد من التفسيرات المتباينة التي قد تفتح الباب أمام نزاعات قضائية ممتدة.

بدائل مقترحة

وتلفت عيداروس إلى أن معيار "الضرر" يجب أن يكون الحاكم الأساسي في إسقاط الحضانة، بغض النظر عن زواج الحاضن من عدمه، بحيث "يُترك تقدير بقاء الطفل لدى أي من الأبوين لمدى تحقق مصلحته الفضلى، لا لاعتبارات شكلية". فيما ألمحت إلى آراء فقهية معتبرة تقر بأن زواج الأم لا يُسقط الحضانة تلقائيًا.

ومن البدائل المقترحة، الإبقاء على حضانة الأم حتى انتهاء السن القانوني ما لم يثبت وقوع ضرر على الطفل، مع تنظيم حق الاستضافة أو "الاصطحاب" بما يضمن استمرار علاقة صحية ومتوازنة بين الطفل ووالده وأسرة الأب. ذلك ما يتطلب صياغة تشريعية واضحة تنطلق من مبدأ المساواة أمام القانون، وتضع مصلحة الطفل في قمة الأولويات، بعيدًا عن الحلول الوسط التي قد تفتح الباب لتفسيرات متضاربة ونزاعات قضائية ممتدة.

من جهتها، ترى رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون انتصار السعيد، أن المشروع، في صورته المطروحة، لا يقدم إضافة جوهرية لصالح النساء، بل يتضمن في بعض مواده ما يمكن اعتباره تراجعًا عن مفاهيم العدالة داخل الأسرة.

مصلحة الطفل

وأضافت السعيد لـ"المشهد" أن المشروع وسّع من بعض الحقوق المتعلقة بالطرف غير الحاضن، والذي غالبًا ما يكون الأب، مثل حق الرؤية والاستضافة، مشيرة إلى أنها لا تعارض تنظيم هذه المسائل قانونيًا شريطة أن تتم وفق معيار أساسي هو مصلحة الطفل أولًا، مع ضرورة وضع ضوابط واضحة، من بينها عدم سفر الطفل إلا بموافقة كتابية من الطرفين.

وفي المقابل، انتقدت السعيد ما وصفته بـ"التشدد في بعض الإجراءات العقابية، خصوصًا ما يتعلق بحبس الآباء في حالات الامتناع عن سداد النفقة، أو تنفيذ قرارات تتعلق بحضانة الطفل، معتبرة أن هناك بدائل أكثر فاعلية مثل تقييد بعض الخدمات الإدارية أو المالية بدلًا من اللجوء إلى الحبس".

وتساءلت: "ماذا قدم المشروع للنساء؟"، وتجيب: "القليل أو لا شيء"، على حد تعبيرها، مشيرة إلى عدد من النقاط الإشكالية في النصوص المقترحة.

ومن بين هذه الإشكاليات، النص المتعلق بإمكانية فسخ عقد الزواج خلال 6 أشهر في حال عدم وجود حمل، واصفة إياه بأنه "غير منضبط ويثير تساؤلات قانونية واجتماعية"، متسائلة عن مصير الحالات التي يحدث فيها حمل خلال تلك الفترة، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تعقيد الإجراءات القضائية، إلى جانب ما يترتب عليه من أعباء اجتماعية ونفسية على النساء.

"إنذار الطاعة"

كما انتقدت رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون تحويل ما يُعرف بـ"إنذار الطاعة" إلى دعوى قضائية مستقلة، وقالت إن ذلك لا يعالج "الإشكال الجوهري" المرتبط بالمفهوم ذاته، بل يمنحه إطارًا قانونيًا أكثر تنظيمًا من دون معالجة البعد المتعلق بالكرامة والاختيار داخل العلاقة الزوجية.

ولفتت إلى عدم إدخال تعديلات جوهرية على ملف تعدد الزوجات، رغم ما يثيره من إشكالات اجتماعية واقتصادية ونفسية على النساء والأطفال، فضلاً عن غياب حد أدنى واضح للنفقة يضمن حياة كريمة بعد الانفصال، واستمرار ما وصفته بتعقيدات التقاضي للحصول على الحقوق الأساسية.

كما أشارت إلى غياب أي معالجة واضحة لمسألة تقسيم الثروة المشتركة أو الاعتراف بالمساهمة الاقتصادية غير المباشرة للزوجة داخل الأسرة، رغم دورها المباشرة في بناء هذه الثروة خلال الحياة الزوجية.

وختمت السعيد بالإشارة إلى أن المشروع يميل، في بعض جوانبه، إلى إعادة ترتيب حقوق الرجل بعد الانفصال من دون معالجة كافية للإشكاليات التي تواجهها النساء داخل منظومة الأحوال الشخصية، مؤكدة أن تحقيق العدالة الأسرية لا يكون عبر منح طرف امتيازات إضافية وإهمال الطرف الآخر، وإنما عبر تحقيق توازن يحمي الأطفال ويصون كرامة النساء، داعية إلى حوار مجتمعي شامل قبل إقرار القانون لتجنب الحاجة إلى تعديله لاحقا. 

(المشهد)