نعم لإقالة كومباني وإنريكي

آخر تحديث:

شاركنا:
كومباني وإنريكي يستحقان الإقالة في عالمٍ موازٍ يعيش دوري أبطال أوروبا بعراقته (رويترز)

نحن في الدور نصف النهائي من دوري أبطال أوروبا. البطولة الأغلى والأهم على مستوى أندية كرة القدم، تاريخيًا ودوليًا.

هنا وَجاهة ومجد وريادة، على مرمى حجر من خوض "النهائي - الحلم". هنا الواقع وحقل التنفيذ لا التجربة. وهنا الحذر واجب، والتحفظ "أسلوب حياة". الهفوة قد تكلّف كثيرًا في خضمّ منافسة محمومة بين "كبار" لا تجمع بينهم سوى لغة الملايين المنثورة على أعتاب نجوم مطالبين أبدًا بتحقيق مجد موعود.

في الدور نصف النهائي من "أم البطولات"، تكون المواجهات مُحكمَة تكتيكيًا، تشهد صراعَ عقول وانتظارَ خطأ نادر من الخصم لاستغلاله "فرصةَ حياة".

على هذا المستوى الرفيع من المنافسة، تتحكم التفاصيل الصغيرة بالمصائر الكبرى. وعندما يتواجه عملاقان من قماشة باريس سان جرمان الفرنسي، حامل اللقب، وبايرن ميونيخ الألماني البطل في 6 مناسبات، فإنّ الموعد يصبح مخمليًّا بامتياز، ومضبوطًا إلى حد المبالغة.

فجأة، تنتهي جولة الذهاب على استاد "بارك دي برانس" بتقدم "سان جرمان" على ضيفه "بايرن" 5-4. تسعة أهداف في نصف النهائي. هذا كثير، كثير جدًا، على أعتاب نهائي تستلزم إغلاق المنافذ أكثر من فتحها على مصراعيها.

أين هيبة الحدث والمكان؟ أين الاحترام المتبادل بين كبيرين لم يلتزما حتى بـ"حرمة الكأس ذات الأذنين"؟

حرصٌ مبالغ

إجماع عالمي على اعتبار الحدث "المباراة الكاملة". هكذا عنونت إحدى الصحف الفرنسية، فيما رأت جهات أخرى بأنها المواجهة الأفضل والأجمل في تاريخ دوري الأبطال منذ انطلاقه عام 1956. لكن هل هذا هو المطلوب في بطولة بهذا الحجم؟ نعم بالنسبة إلى الحياديين والجهات الراعية والقيّمين على البطولة. لا، وألف لا، بالنسبة إلى جماهير الناديين.

أين الحرص؟ حرصُ المدربَيْن، الفرنسي لويس إنريكي والبلجيكي فنسان كومباني.

5 أهداف تَلِجُ مرمى مانويل نوير، أفضل حارس مرمى في التاريخ بالنسبة إلى كثيرين. 4 أهداف تهزّ عرين باريس سان جرمان، بطل السداسية التاريخية. وأين؟ على أرضه وبين جماهيره.

تقدَّم الفريق الألماني من علامة الجزاء. بدل الحفاظ على التفوق، راح يبحث عن تعزيز، وكأن لا مباراة إياب تنتظره يتوجب البناء لها من جولة الذهاب. النتيجة؟ الجورجي خفيشا كفاراتسخيليا يستغل "المساحات" خلف خطوط الخصم، "يضحك" على الكرواتي جوسيب ستانيسيتش و"يزرع" في مرمى نوير هدف تعادلٍ جميل.

من واجب إنريكي البحث عن المزيد الآن، ومن واجب كومباني اللعب بتحفظ. هذا لسان حال المنطق. أما الواقع، فكان مغايرًا. "بايرن" يعود إلى المخاطرة. فرص خطيرة، نعم، لكنّ شباكه هي ما اهتزّ من ضربة رأسية للبرتغالي جواو نيفيز إثر ركلة ركنية.

رغم التأخر 1-2، استمرت "كتيبة كومباني" في عملية الضغط، فكافأها الفرنسي مايكل أوليسي بمعادلة الأرقام 2-2، قبل أن ينتهي الشوط الأول بـ"ركلة جزاء مشكوك في صحتها" للفريق الباريسي سجل منها عثمان ديمبيلي هدف التقدم.

خطايا المدرب

الشوط الثاني كان يخفي الكثير. بايرن سعى إلى التعادل "من دون آلية متوازنة"، فتجرّع هدفين في ظرف دقيقتين، حملا توقيع "كفارا" وديمبيلي عمّقا الجراح الألمانية 5-2.

"سفير ميونيخ" بات خارج الحسابات رسميًا. فارِق الثلاثة أهداف صعب التعويض حتى في "أليانز أرينا". لكنّ "باريس" أصرّ على خدمة ضيفه من خلال البحث عن "السادس". حتى إنريكي نسي أنه يلعب أمام "بايرن" المتخصص بـ "العودة".

الفرنسي دايوت أوباميكانو قلص الفارق، والكولومبي لويس دياز خطف هدف الـ5-4 والفرحة من إنريكي، وأعاد الحياة إلى آمال ميّتة.

"دي روتن" أرادوا أكثر. حاولوا، قبل أن تباغتهم صافرة الحكم معلنةً تأجيل الحسم إلى الأربعاء المقبل في ميونيخ.

"خطايا كومباني" تكاد لا تُحصى. سبق له مواجهة الفريق نفسه في دور المجموعة الواحدة وعلى الملعب ذاته في الموسم الراهن. فاز 2-1 بعد مباراة عمد فيها إلى الدفاع المرصوص نتيجة نقص صفوفه إثر حالة طرد.

لمَ لم يعتمد النهج ذاته بعد التقدم بهدف في نصف النهائي؟ كيف يترك كل هذه المساحات خلف خطوطه وهو يدرك تمام الإدراك بأنّ الخصم يمتلك عناصر لا ترحم وعلى درجة عالية من السرعة في استغلال الهجمات المرتدة مثل ديمبيلي وكفاراتسخيليا وديزيريه دوي؟

كيف للمدرب البلجيكي أن يخاطر بلقب بدا في متناوله، لقب ينتظره النادي الألماني منذ العام 2020 بهدف الوقوف في المركز الثاني تاريخيًا خلف ريال مدريد الإسباني وإلى جانب ميلان الإيطالي؟

حدّ الإشباع

احترام الفلسفة واجب لكنّ مقاربة الظروف والتكيّف معها يستلزمان بعض المرونة التكتيكية والتعديل الطارئ. الأداء الهجومي جميل لكن يبقى بلا قيمة إن لم يتوَّج بلقب.

كان يجدر بكومباني أن يسترجع اختبار الإسباني جوسيب غوارديولا مع "بايرن" بالذات، عندما أمتع إلى حد الإشباع، غير أنه سقط في ثلاثة مواسم تواليًا عند مفترق نصف نهائي "الأبطال" نتيجة تمسكه بفلسفة كلّفته الكثير.

مباراة ريال مدريد الإسباني أمام مانشستر سيتي الإنكليزي المرشح حينها للفوز بشكل كاسح عام 2024، ما زالت شاخصة في السجلات. تعادلا 3-3 في "سانتياغو برنابيو" ثم شدّا الرّحال إلى "استاد الاتحاد" إيابًا، حيث تعادلا مجددًا بنتيجة 1-1 في مباراة لم يخشَ فيها "ريال" على سمعته، بل انتهج الدفاع طيلة الوقت إقرارًا من مدربه الإيطالي كارلو أنشيلوتي بفوارق مع الخصم غير قابلة للتذويب. سحب "الملكي" مضيفه إلى ركلات ترجيح تجاوزه فيها في الطريق إلى اللقب 15. هكذا تُكسب الألقاب ويُبنى المجد.

أغفل كومباني بأنّ مسمى البطولة لا ينطبق عليها. صحيح أنها "دوري" الأبطال غير أنها ليست كذلك في الواقع، فهي تبدأ جدّيًا بالنسبة إلى "كبار القوم" في الأدوار الإقصائية، وبالتالي هي "بطولة كأس" لا تحتمل الحسابات. هنا أنت تلعب للفوز فقط وبأيّ طريقة. لن تُشكر على الأداء الشجاع إن خرجت. لو كان أنشيلوتي أو البرتغالي جوزيه مورينيو في مكان كومباني الثلاثاء، لما خيضت المباراة بهذا المنهج الفوضوي تكتيكيًا.

شخصية البطل

في المقابل، نجح إنريكي في مفاجأة بايرن ميونيخ بجرأته وبـ "شخصية البطل" المُكتسبة من النسخة الماضية التي شهدت التتويج الباريسي باللقب القاري الأول.

كان كل شيء يسير في صالح "سان جرمان" عندما وصلت النتيجة إلى 5-2. هنا اقترف إنريكي الحماقة الكبرى عندما طمع في اللقاء، وأغفل بأنه يواجه الـ "بايرن"، ثم ظهر الإرهاق على لاعبيه. أجرى تبديلات عدة. لم يتراجع للحفاظ على مكتسباته، فعاجله "العملاق البافاري" بهدفين أجّلا الحسم إلى جولة الإياب.

يدرك إنريكي بأنّ "بايرن" يتفوق من الناحية البدنية. ماذا فعل إزاء ذلك؟ لا شيء. حتى أنّ كومباني لم يضع في خطة المباراة جزئية الانقضاض على الخصم في الردهات الأخيرة، مستغلًا ذاك التفوق.

انتهت المباراة. لم يعرف الجانبان ما إذا كان عليهما الاحتفال أو الشعور بالخيبة.

كان عرضًا جميلًا وسيناريو هتشكوكيًا، ولكن هل هذا مطلوب؟

كانت مسرحية استعراضية في وقت توجّب فيها أن تكون "معركة حقيقية" يُصرف فيها العرق دون هوادة.

وأصاب إنريكي عندما تخلى عن كيليان مبابي برغبة شجاعة منه في بناء فريق قائم على منظومة وليس على لاعب. بالمفهوم نفسه يعمل كومباني. كانت مواجهة بين فريقين توأمين بالنهج.

متعة وروعة وإثارة وشغف ورغبة، لكننا في دوري أبطال أوروبا حيث الخطأ بألف، ولا شك في أنّ المدربَين اقترفا أخطاء بالجملة في مقاربة المباراة.

يستحق كومباني وإنريكي الإقالة، في عالمٍ موازٍ يعيش دوري أبطال أوروبا بعراقته، ويدرك بأنّ المخاطرة في مفترق نصف النهائي مرفوضة بالنسبة إلى فارسَين امتعانا كثيرًا لكنهما لم يكونا على مستوى المناسبة.