يوميات المونديال.. بيتُ كولينا من زجاج

آخر تحديث:

شاركنا:
ليس كل حكام مونديال 2026 بايرون مورينو (رويترز)

لم يَرُقْ للسواد الأعظم من المتابعين خروج رئيس لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الإيطالي بييرلويجي كولينا، بتصريحات نارية دفاعاً عن نزاهة التحكيم في كأس العالم 2026.

"قضاة الملاعب"

تصريحاتٌ لعبت ضد التحكيم الذي بات أحد أطراف الصراع بدل أن يكون "القاضي" بين منتخبين متنافسين على أرض الملعب.

ما ادّعاه جاء رداً على جدل تحكيمي واتهامات بالانحياز أثيرت بعد مباراة مصر والأرجنتين في دور الـ16.

كان لافتاً تشديده على "نزاهة الحكام" و"الاتهامات الباطلة التي لا مكان لها في رياضتنا".

بدا الأمر وكأنّه دعوة صريحة إلى كمّ الأفواه، أشبه بحُكم مبرم لرأب الصدع بالقوة بين سواد أعظم من الجمهور والجسم التحكيمي.

اعتقد كولينا، وهو حكم سابق، بأنه قادر على استخدام صافرته لإسكات الملايين، وأغفل بأنه يتعاطى مع شعوب تقف خلف منتخباتها التي تمثل دولاً، وليس مع 22 لاعباً على أرض الملعب.

التحكيم عمل احترافي. الخطأ يبقى وارداً. لكن عندما يتكرر الخطأ بشكل مستمر، فإن الأمر يتعدى مجرد الصدفة ليتحول إلى ظاهرة تؤثر عميقاً على الجانبين النفسي والاجتماعي، سواء كان ذلك في الحياة اليومية، بيئة العمل، أو حتى في سياق التنافس الرياضي.

قال إن "التشكيك في نزاهة الحكام قد تثير ردود فعل تؤدي إلى تهديدات ضدهم وعائلاتهم، وهذا غير مقبول". ولكن هل مقبول منه رفض ردود فعل لاعبين ومدربين وجماهير ومحللين شعروا بمظلومية فادحة؟

نسي كولينا أن كرة القدم رياضة تنافسية يُبذَل فيها عرق وجهد ووقت وأموال. هي ليست مسرحيةً غَضِبَ الجمهور من نهايتها التعيسة، فسارع الكاتب والمخرج إلى الخشبة ليقسما بأنها مجرد تمثيلية.

الإكوادوري بايرون مورينو أدار ما اعتُبر أسوأ مباراة تحكيمية في التاريخ الحديث بين كوريا الجنوبية المضيفة وإيطاليا في مونديال 2002. فقد طرد فرانشيسكو توتي وألغى هدفاً صحيحاً لإيطاليا. بعد أشهر، أوقفته السلطات الرياضية في بلاده 20 مباراة لتلاعبه بالوقت البديل عندما أضاف 13 دقيقة ليمنح الفوز لفريقٍ يدعمه في الانتخابات المحلية. وفي 2010، ألقي القبض عليه في مطار نيويورك بتهمة تهريب المخدرات وسُجن عامين ونصف العام.

ليس كل حكام مونديال 2026 مورينو. قد لا يتواجد بينهم واحدٌ، لكن الأمر يبقى وارداً، وإلا لما منح "فيفا" تلك الرواتب غير المسبوقة لـ"قضاة الملاعب" في البطولة الحالية حيث يحصل حكم الساحة على حوالي 100 ألف دولار.

فلنقل إن الجسم التحكيمي نزيه برمّته، وهو ما أكده كولينا بالقول إنه "لا يمكن لأحد أن يدعي أن تحكيم فيفا يمكن التأثير عليه من قبل أحد، ولا حتى من الرئيس جياني إنفانتينو"، لكن كيف يكون نزيهاً عندما يقبل بكسر قراراته؟ أين؟ بطاقة حمراء أشهرت في وجه الأميركي فولارين بالوغون من قبل حَكم من "فريق كولينا". فجأةً، اللاعب المُعاقَب يشارك في المباراة التالية.

نسأل كولينا نفسه: أليس هناك قوة أكبر من الجسم التحكيمي أجبرته على الرضوخ هنا؟ بالتأكيد نعم. لذا، يصبح من حق أيٍّ كان التشكيك بنزاهة البطولة ككل.

قد يكون كولينا مغلوباً على أمره. مجرد أداة تنفيذية لقرارات سياسية عليا، لكنه لا يمكن أن يدّعي مثاليةً من دون رمي ورقة الاستقالة على مكتب إنفانتينو.

مصر.. "المنتخب الضحية"

من هي الجهة الرسمية التي قامت بتعليق وإيقاف عقوبة بالوغون؟ لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الدولي. هذه اللجنة ليست مستقلة عن "فيفا"، بل في صلبه. فلماذا لم يقف كولينا في وجه اللجنة وإنفانتينو؟ ألم يتدخل الأخير في عمله؟ لم يخرج كولينا حتى ليعترض على كسر قرارات أحد رجاله، بل انتظر مباراة مصر والأرجنتين لمواجهة من لا يمكن لهم أن ينالوا منه.

تابع تصريحاته قائلاً: "مع العدد الكبير من المباريات في فترة زمنية قصيرة، من الطبيعي ألا تسير بعض الأمور كما هو متوقع. وعندما يحدث ذلك، نكون مستعدين للعمل بجدية أكبر لضمان الجاهزية التامة للمباريات التالية".

لكن "المنتخب الضحية" الذي دفع ثمن خطأ تحكيمي فادح، لن يتمكن من جني ثمار "العمل بجدية أكبر" لأنه ودّع المنافسات أصلاً.

قام كولينا بشرح مفصل عن حالة إلغاء الهدف المصري الثاني الذي حمل توقيع مصطفى زيكو: "المخالفة هي مخالفة بغض النظر عما إذا كانت تبدو واضحة للجميع أم لا. وفي لقطة هدف مصر، كان هناك دهس واضح على قدم المدافع الأرجنتيني. وبما أن الحكم لم يرها، كان لزاماً على VAR التدخل وإلغاء الهدف".

جميل. لكن لمَ تحاشى كولينا الحديث عن لقطةٍ دَهَسَ فيها الأرجنتيني ليونيل ميسي قدم الجزائري عيسى ماندي من الخلف والتي اكتفى الحكم باحتساب خطأ عادي من دون إشهار أي بطاقة في وجه "ليو"؟ هنا، لم تتدخل VAR لاستدعاء الحكم لمراجعة اللقطة.

اتفق عدد من المحللين والحكام السابقين على أن ميسي كان محظوظاً جداً بالهروب من العقوبة وأكدوا بأن اللقطة تندرج تحت بند "السلوك العنيف" وتستحق طرداً مباشراً.

ركّز كولينا على شرح عدم احتساب خطأ لمحمد صلاح قبل هدف الأرجنتين الثالث: "الدوس على قدم الخصم مخالفة، لكن عندما يلمس المدافع الكرة أولاً ثم يحدث تلامس طبيعي، فهذا لا يُعدّ خطأ".

بالإجماع، كانت اللقطة تستحق عودة، وإن سريعة، إلى VAR. وهذا ما لم يحدث، بخلاف حالة الدوس التي اعتبرت خطأ لصالح الأرجنتين.

كثيرة هي الأخطاء التحكيمية التي وقعت. تكرارها دفع إلى السؤال عن السبب، خصوصاً أنها صبت بمعظمها في صالح طرف واحد.

قبل سنتين، اعترف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم رسمياً بوقوع خطأ تحكيمي فادح بعدم منح ركلة جزاء لألمانيا في ربع نهائي "يورو 2024" أمام إسبانيا نتيجة لمسة يد واضحة داخل المنطقة، عندما كانت النتيجة تشير إلى التعادل 1-1 في الشوط الإضافي الأول.

مضت المباراة وفازت إسبانيا في الدقائق الأخيرة 2-1.

علّق النجم الألماني المعتزل والذي خاض ذاك اللقاء، توني كروس، بسخرية قائلاً: "استغرق الأمر منهم 3 أشهر ليدركوا أنها لمسة يد، وهو أمر لاحظه الجميع في ثانية واحدة! شكراً لكم، لقد هدأ روعي الآن، هل يمكنني إعلان نفسي بطلاً لأوروبا؟".

من الناحية القانونية، لم يغير هذا الاعتراف من نتيجة المباراة أو تتويج إسبانيا، بل تم إدراجه كحالة تعليمية لتجنب تكرار القرار نفسه في المستقبل من قبل الحكام. ولكن أين استفادت ألمانيا؟

قد لا نرى بيانات مشابهة تصدر عن "فيفا" بعد نهاية المونديال. سيعتذر كولينا عن ماذا؟ عن خضوعه لقرار تعليق البطاقة الحمراء المستحقة للاعب الأميركي؟

قبل الإدلاء بتصريحاته الأخيرة دفاعاً عن نزاهة التحكيم، وجب على كولينا أن يعي بأنّ الحجارة لا تُرمى عندما يكون البيت من زجاج.