مدرب منتخب إنجلترا، الألماني توماس توخيل، في قفص الاتهام.
منذ وصوله إلى المنصب، عمل بشكل مثالي. تصفيات مونديال 2026 ولا بالأحلام، قوامها 8 انتصارات في 8 مباريات. 22 هدفا لرجاله مقابل شباك نظيفة. كان جريئا في قراره باستبعاد كول بالمر، وترنت ألكسندر-أرنولد، وفيل فودين وهاري ماغوير من تشكيلة كأس العالم.
منتخب إنجلترا "يرفض الموت"
حظي بدعمٍ جماهيري مطلق. اعتُبر "الشخص الموعود" الذي على يديه ستعود إنجلترا إلى النقطة الأعلى من منصة التتويج بعد 60 سنة من الانتظار المضني، منذ الفوز باللقب الوحيد المتمثل بكأس العالم 1966 على أرضها.
في خطابٍ شهيرٍ أوّل ألقاه أمام لاعبيه، وانتشر محققا تفاعلا واسعا قبيل المونديال، ركّز توخيل على تحديد هدف مباشر وعلني من دون خوف من الضغوط، قال فيه: "بالنسبة لي، من المهم جدا أن نتحدث عن الأمر بصراحة ومن دون مقدمات. هدف هذه الرحلة واضح ومحدد: النجمة الثانية على قميصنا"، مؤكدا أنّ موافقته على تولّي تدريب إنجلترا، تعود إلى إيمانه الشديد بجودة وتأثير اللاعبين أنفسهم.
أشار إلى سبّورة الشرح، قائلا: "أريد أن نصل إلى القمة كأقوى منتخب في العالم، وأن نصنع فريقا شرسا لا يرغب أيّ منافس على الإطلاق في مواجهته".
أوضح لاحقا لوسائل الإعلام، بأنه تعمّد التحضير للخطاب من قلبه، بهدف زرع "عقلية وثقافة الفوز"، ولتجنب الاختباء خلف التوقعات المنخفضة، مفضّلا مواجهة التحدي الأكبر علنا منذ اليوم الأول.
وُضعت إنجلترا مع مجموعة المنتخبات المرشحة للتتويج. أكدت ذلك من خلال انتصارات حققتها في المونديال، على كرواتيا 4-2 وبنما 2-صفر وبينهما تعادل سلبي مع غانا، ومن ثم على الكونغو الديمقراطية 2-1 في دور الـ 32، والمكسيك، إحدى الدول المضيفة، 3-2 وهي منقوصة لاعبا في دور الـ16، والنرويج القوية 2-1 في ربع النهائي، علما بأنها تأخرت دائما في النتيجة في المباريات الثلاث الأخيرة. مؤشرات أكدت بأنّ الفريق "يرفض الموت".
وعندما حان موعد مباراة نصف النهائي أمام الأرجنتين، تقدم الإنجليز بهدف في الدقيقة 55. عندها سقط "منتخب الأسود الثلاثة". فقَد الهوية. خسر المدرب الألماني كل ما بناه منذ توليه المهمة في 1 يناير 2025 وبأوامر مباشرة منه.
تراجُع غير مبرر وانكماش في الخط الخلفي وتبديلات دفاعية متسرعة، خصوصا في الدقيقة 82 بهدف الحفاظ على التقدم.
"فاتورة ميسي"
توخيل أغفل قيمة وجودة ما يمتلكه من عناصر. اعتمد الدفاع في تشكيلة مميزة هجوميا. رفض استخدام أسلحة كثيرة متوافرة بين يديه للبناء على هدف التقدم.
كان بديهيا أن تضغط الأرجنتين. ما باليد حيلة. لكنّ توخيل لم يفعّل حتى عامل الهجمات المرتدة من خلال الزج بأيٍّ من لاعبيه المتميزين بالسرعة.
كان يعي ما يقوم به في تلك اللحظات بالتأكيد. اعتقد بأنّ الأمور حُسمت.
ما أغفله كان الأهم. والأهم هو وجود ليونيل ميسي في صفوف الخصم. ميسي الذي فرض نفسه أفضل لاعب في البطولة من دون منازع حتى الآن، رغم 39 سنة من العمر بدا بأنها لم تُثقل كاهليه.
القاصي والداني كان يعلم بأنّ "البرغوث" هو "ملك الأرجنتين" والزملاء حاشية تعمل وفق إلهامه ونبضه وتحركاته.
ومن خلال ميسي نفسه، وتمريرتيه الحاسمتين، خصوصا الثانية منهما، قلبت الأرجنتين الطاولة على رأس توخيل وتحفّظه المفاجئ.
كان المدرب الألماني على بُعد شهرين بالتحديد من ذكرى ميلاده الـ13، عندما تابع نهائي مونديال 1986 بين منتخب بلاده والأرجنتين على استاد "أزتيكا" في مكسيكو سيتي.
يومها، وفي جلسة تكتيكية مع نجم الوسط لوثار ماتيوس لوضع خطة شل حركة الأرجنتيني دييغو مارادونا، قال له المدرب الراحل فرانتس بكنباور تلك الكلمات الشهيرة: "لوثار، عليك أن تهاجم مارادونا وتراقبه كظله. أنت الوحيد القادر على إيقافه".
ميسي، إن لم يكن أفضل من مارادونا، فهو يعادله نبوغا أو ربما يتخلّف عنه قليلا. صحيح أنّ ماتيوس نجح في مهمته بامتياز، لكنّ مارادونا، ومن تمريرة حاسمة نادرة لخورخي بوروتشاغا الذي سجل هدف الفوز 3-2، قاد "بلاد الفضة" للتتويج باللقب العالمي.
مارادونا كان في الـ25 و8 أشهر يومها. ميسي حاليا في الـ39. كان من الممكن تخصيص لاعب لمراقبته كظله طيلة الدقائق الـ90 وربما أكثر، فهو بوصلة الخصم. هذا ما لم يفعله توخيل. لم يتعلم من دروس الماضي، ولا من دروس الحاضر، فجاءت "فاتورة ميسي" باهظة الثمن عليه وعلى منتخب إنجليزي مرّ من الحلم.. مرورَ كرامٍ.
