ماذا حملت زيارة عراقجي إلى موسكو؟

آخر تحديث:

شاركنا:
روسيا منفتحة على لعب دور في منع انزلاق الأزمة الإيرانية إلى مدى أوسع (رويترز)

جاءت زيارة وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي إلى سان بطرسبرغ، واجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار التوترات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وتصاعد المخاوف من توسع رقعة الصراع على المستوى الإقليمي، فالزيارة لم تكن بروتوكولية، بل حملت أبعادًا سياسية وأمنية تجاوزت التنسيق الثنائي بين البلدين.

ووفق ما صرّح به الرئيس بوتين، فإنّ موسكو ستبذل جهدها لدعم الاستقرار وخفض التصعيد، في إشارة واضحة إلى أنّ روسيا منفتحة على لعب دور في منع انزلاق الأزمة إلى مدى أوسع.

الشروط الأميركية مرتفعة السقف بالنسبة لإيران

ومن الواضح أنّ الزيارة الإيرانية تأتي في إطار إنهاء المسار العسكري وتفعيل المسار السياسي عبر روسيا لحفظ ماء الوجه، وكذلك لتخفيف الضغوط عليها، خصوصًا أنّ طهران تدرك بشكل كبير، أنّ استمرار الحرب يعني استنزافها اقتصاديًا وأمنيًا، فجاءت هذه الزيارة لفتح قنوات غير مباشرة تقودها روسيا بشكل خاص، رغم اعتمادها على توزيع الأدوار بين سلطنة عُمان وباكستان، إلا أنها ترى في روسيا أنها الضامن الأكبر لها خصوصًا في المحافل الدولية، لها تأثير مباشر على قرارات الولايات المتحدة وإسرائيل أو على الأقل الحد من انهيار وتصدع أيّ تفاهم جديد.

أما بالنسبة لروسيا، فهي لا تسعى إلى تقديم نفسها كوسيط وحيد أو منصة تفاوض رئيسية في هذه القضية، لكنّ لديها فرصًا معينة للتعاون مع الصين أو الجهات الإقليمية المهتمة بخفض التصعيد، وكذلك، إلى حد ما، مع الولايات المتحدة، خصوصًا أنّ جلسة المحادثات الأميركية الإيرانية في إسلام أباد، قد تم تأجيلها، بعد أن ألغى الرئيس الأميركي شخصيًا زيارة مفاوضيه إلى باكستان، غير أنّ العديد من التقارير الإعلامية ذكرت أنّ المفاوضات غير المباشرة مستمرة بين الجانبين.

وهنا في ما يتعلق بمسألة تأجيل المفاوضات، لا بد من القول إنّ الشروط الأميركية مرتفعة السقف بالنسبة لإيران، إذ هناك فريق أميركي يطالب بالسيطرة الأميركية الكاملة على اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وكذلك إسرائيل التي ترى أنّ القدرات النووية الإيرانية لا تزال تشكل تهديدًا خطيرًا، بالتالي فإنّ موسكو قادرة على لعب دور بنّاء في هذا الشأن، وهي على استعداد للمساعدة في إزالة اليورانيوم المخصب من إيران، وبما أنّ مفاوضات أوكرانيا لم تنتهِ بدورها، فعلى روسيا استثمار هذه الفرصة واستغلالها جيدًا في المساعدة على تقريب وجهات النظر، والطلب من إيران تقديم تنازلات تفضي إلى حل سياسي، خصوصًا في ما يتعلق بالسلاح النووي.

حتى في ما يتعلق بمضيق هرمز، لا يزال الوضع غير محسوم، والعبور متفاوت لا يتجاوز 7 ناقلات يوميًا، مقارنة مع 140 ناقلة على الأقل قبل الحرب، وحتى لو عاد العبور، ستستمر حالة اللايقين من وقف العبور في أيّ لحظة، إذ أصبحت منطقة المضيق عبارة عن قواعد عسكرية مائية، تؤكد أنّ هناك قرارًا دوليًا لإنهاء هذه الحالة الهجينة في أقرب وقت ممكن.

التصعيد بين إسرائيل ولبنان قد يُفشل أي اتفاق

وبالعودة إلى زيارة عراقجي، هناك رسائل عديدة حملتها هذه الزيارة، من بينها أنّ المسؤول الإيراني طلب من روسيا دعمًا أمنيًا وسياسيًا، وتثبيت موقف روسيا للوقوف في صفها ضد أيّ استئناف للعمليات العسكرية، واستخدام موسكو كورقة ضغط دبلوماسية دولية في المحافل الدولية من وجهة نظر طهران، والرسالة الأخرى، أنّ الأخيرة تريد فتح قناة مع واشنطن عبر روسيا إلى جانب سلطنة عُمان وباكستان، لتخفيف التوترات عبر إدخال لاعبين عدة معًا، كما أنّ من الواضح أنها تريد تخفيف الحصار والضغط البحري مقابل تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز.

بالإضافة إلى ذلك، تريد إيران من روسيا مساعدتها في تأجيل أيّ محادثات تتعلق بالملف النووي إلى وقت لاحق، عبر شراء الوقت والتركيز على وقف الحرب والترتيبات الأمنية، وهذا يقود إلى أنّ لروسيا دورًا فاعلًا في رأب الصدع بين الأطراف، لتكون هذه الزيارة عبارة عن تنسيق الأزمة أكثر منها زيارة بروتوكولية عادية، يدخل فيها الضامن الروسي كطرف فاعل يحقق ما عجزت عنه إسلام أباد.

وبالتالي، تستطيع واشنطن وطهران حل مسألة البرنامج النووي والملاحة في مضيق هرمز بشكل مستقل إذا رغبتا في ذلك، إلا أنّ التصعيد بين إسرائيل ولبنان قد يُفشل أيّ اتفاق في أيّ لحظة، لذا أمام روسيا مهمة صعبة متشابكة جدًا، لكنها تستطيع التأثير بإيجاد حلول وسطى ترضي جميع الأطراف، مقابل كسر العناد الإيراني الذي لن يضر سوى بإيران وحلفائها، وكأنّ ما يحدث الآن هو هدوء ما قبل العاصفة.