لم يعد خافيا على أحد، أنّ المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أصبحت مفتوحة ومن دون ضوابط. ولا يختلف اثنان على أنّ المواجهة قائمة بين الطرفين، ولكن لا أحد يعرف كيف ستكون، وما هي طبيعتها وما حدودها، ومن سيدفع ثمنها الدولي والإقليمي؟ لذلك من السذاجة اعتبار ما حصل هو مجرد انهيار تفاهم عسكري سياسي موقت، وإنما يكشف الستار عن تداعيات أزمة عميقة تتعلق بموازين القوى في الشرق الأوسط، ومستقبل الردع الإقليمي وما سيخلّفه النظام الأمني الإقليمي الجديد من تداعيات هذا الفشل.
"الردع المتبادل"
لقد علمتنا التجارب السابقة منذ خمسينيات القرن الماضي، أنّ العلاقة بين واشنطن وطهران تدار فقط من خلال التصعيد المحسوب وليس بمنطق الحرب او السلم. ومنذ عام 1979 ومع قيام الثورة الإسلامية في إيران، تعاقبت الأزمات والتحديات في العالم والمنطقة خصوصا، بحيث لعبت اميركا دورا محوريا في تبادل الرسائل الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية، لتجنب الانزلاق نحو الحرب الشاملة. ولكنّ المشهد اليوم، وخصوصا ما بعد 7 أكتوبر 2023، تحول ليكون أكثر تعقيدا، بحيث أصبح الشرق الاوسط في عاصفة تحولات غير مسبوقة، وخصوصا مع التغيير الحاصل في موازين القوى وتأثيره على الحرب القائمة.
لذلك تدرك إيران أنّ الدخول في مواجهة مع أميركا من الناحية التقليدية، له تبعاته الهائلة وتكلفته العالية، ما يجعلها تواصل الرد بطريقة غير تقليدية من خلال الاعتماد على إستراتيجية "الرد كمحور"، من خلال استعمال الصواريخ والمسيّرات والأذرع. أما من جهتها، تتعامل أميركا مع إيران من خلال تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، من خلال العقوبات بهدف الحد من قدرة إيران على توسيع نفوذها الإقليمي. ما يزيد من حدة المواجهة هو خطورة تحول هذا الاشتباك إلى حرب إقليمية مع تحوّل كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن إلى ساحات رسائل متبادلة، فيما يبقى مضيق هرمز والبحر الأحمر ودول الخليج، نقاطا حساسة جدا تزيد من حدة الاشتباك وتساعد في إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
من الجهة الاقتصادية، سيكون العالم كله متضررا من خلال ارتفاع أسعار أسواق النفط والطاقة التي لا تحتاج حربا شاملة من أجل ارتفاعها. لذلك، فإنّ أيّ هشاشة أو اهتزاز أو ارتفاع المخاطر في الخليج، قد يؤثر على أسعار الطاقة عالميا بما يؤدي إلى ازدياد الضغوط على الاقتصادات العالمية المنهكة أصلا. لذلك يُعتبر انهيار الاتفاق الأميركي الإيراني ضربة قوية لدول المنطقة، ما يؤدي إلى تحول الصراع من شرق أوسطي إلى أحد أهم العوامل المؤثرة على الاقتصاد والأمن العالمي.
من جهتها، تنظر إسرائيل إلى احتمالية انهيار التهدئة، على كونها فرصة لا يمكن تفويتها لتكثيف الضغط على إيران وخصوصا في الشق المرتبط بإنهاء برنامج إيران النووي. وعلى الرغم من بعض التباينات بين واشنطن وتل أبيب، إلا أنه من المتوقع أن يزداد التنسيق الأمني والعسكري بين إسرائيل وأميركا ليشمل الشق الاستخباراتي والعملاني العسكري. من جهة أخرى تنظر طهران إلى أنّ أيّ تصعيد يصب في صحة إستراتيجيتها المبنية على تعزيز قدراتها العسكرية وتعزيز وتطوير برنامجها الصاروخي والمسيّرات والأذرع والنووي، باعتبارهم ثالوث الردع الإيراني.
أما اليوم، ومع هذا الكم الهائل من عدم الاستقرار، هل نحن أمام حرب إقليمية شاملة؟
إلى يومنا هذا، لا تبدو المؤشرات واضحة في ما خص التحول نحو الحرب الشاملة، على الرغم من ارتفاع أسهم هكذا خيار، خصوصا في ظل إعادة أميركا للحشد العسكري في الشرق الأوسط. تعلم إيران جيدا أنّ تكلفة أيّ حرب شاملة ستكون باهظة سياسيا واقتصاديا على العالم كله، وتداعياته الأمنية على المدى القصير قد تكون كارثية على إيران وعلى بعض دول المنطقة. لذلك وحتى كتابة هذه السطور، تبدو لعبة "الردع المتبادل" الخيار المتفق عليه بحيث تحكم هكذا خيار الواقعية بحيث يوجّه كل طرف ضربات محسوبة سياسيا وأمنيا من دون تجاوز الخطوط الحمراء المتفق عليها، والتي قد تؤدي إلى الانفجار الشامل.
ولكن لا يعني هكذا سيناريو أنّ الاستقرار تحت مظلة "الردع المتبادل" هو سيد الموقف، ولكن على العكس تماما، فهو قد يؤسس لفوضى إقليمية وحتى عالمية طويلة الأمد من مرحلة اللا حرب واللا سلم، بحيث تبقى المنطقة والعالم معه في حالة استنفار دائم قد تطيح باقتصادات وتُنهك دول المنطقة. ولكنّ تداعيات هكذا واقع قد يؤدي إلى سباق التسلح وتعزيز التحالفات العسكرية وتراجع فرص الاستثمار والتنمية والازدهار التي اعتادت عليها العديد من دول المنطقة.
أمن إقليمي متوازن
لذلك يعول اليوم الكثير من دول المنطقة على المسار الديبلوماسي الذي اثبت في ظل انعدام الثقة بين الأطراف المتصارعة، انه الأقل ترجيحا وخصوصا في ظل الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق. فقد اثبت الدور الذي لعبه الوسطاء وخصوصا قطر وباكستان، أنّ الدبلوماسية قد تكون الحل، ولكن في ظل غياب الضمانات والثقة بين الأطراف، تبقى الدبلوماسية في مهب الريح. وعلى الرغم من رغبة الدول الكبرى كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي بإنهاء الحرب والتحفيز على المسار الديبلوماسي، وذلك بسبب التداعيات الاقتصادية الهائلة التي سببتها هذه الحرب، إلا أنّ حدودها في التأثير على مجريات الأمور وضبط إيقاع الحرب لا يزال ضعيفا جدا.
تُعتبر هذه المرحلة من تاريخ الشرق الأوسط الأكثر خطورة وتعقيدا من حيث التداعيات على دول المنطقة والعالم. فحالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، هي جزء من اللعبة الجيوسياسية العالمية والإقليمية، إلا أنّ الحرب القائمة على إيران وقصفها المتعمد لدول الخليج العربي، يعني أنّ مرحلة اللاعودة مع النظام الإيراني قد بدأت، وأنّ كلفة قصف دول الخليج على النظام في حال لم يسقط، ستكون أكبر بكثير من تكلفة الحرب عليه. اليوم علاقة إيران مع معظم جيرانها في الخليج أم في وسط آسيا، أصبحت أكثر عدائية وعدوانية، ما أدخلها في عزلة دولية واقليمية كبيرة. لذلك قد لا تنتهي هذه الحرب سريعا وقد تطول إلى أجل غير معروف، فالمواجهة بين أميركا وايران تجاوزت البعد العسكري لتدخل اليوم وبحدتها، إلى مرحلة الصراع على النفوذ، والردع، وترتيبات الأمن الإقليمي، وتحديد موازين القوة.
فالجولات المقبلة من التصعيد والتهدئة قد تستمر إلا أن يحقق أيّ طرف من الأطراف النصر الحاسم. لذلك، يبقى التحدي الحقيقي أمام دول المنطقة هو ألا تتحول مرة أخرى إلى ساحات لتصفية الحسابات، وتصبح الحرب جزءا من سياسة المنطقة عوضا عن الوضع الذي كان قائما قبل ذلك على التنمية والازدهار والتحول التكنولوجي. فالحل لمواجهة التداعيات الكارثية لهذه الحرب على المنطقة، يكون ببناء منظومة أمن إقليمي متوازن ومعالجة جذور الصراعات، واحترام سيادة الدول. لربما الأحداث الجارية قد تجعل هكذا طرح ضربا من الخيال وخصوصا مع تحول النقاش مع إيران نحو "حوار الطرشان" بدل "حوار العقلاء".
