تونس.. محاكمة علنية لجهاز سري

آخر تحديث:

شاركنا:
التوصل إلى وثائق ومؤيدات دامغة تفضح ارتباط مصطفى خذر بـ"حركة النهضة" (رويترز)

منذ أيام صدرت الأحكام الابتدائية في قضية ما يعرف بالجهاز السري لـ"حركة النهضة". ومن الواضح أن الأحكام السجنية الثقيلة التي طالت القيادات السياسية للجماعة "الإخوانية" وأبرزهم راشد الغنوشي (السجن المؤبد مع 30 سنة)، وعلي العريض (42 سنة)، هي أحكام تعكس درجة خطورة هذا الملف الذي هو اختزال مكثف لقضايا إجرامية عديدة ومتشابكة واجهتها الحركة أمام المحاكم التونسية.

وخلاصة الملف تتمثل في التوصل إلى وثائق ومؤيدات دامغة تفضح ارتباطا بين المسمى مصطفى خذر (محكوم في القضية بالسجن المؤبد مع 96 سنة)، وبين مركز القرار السياسي المتمثل في رئيس الحركة، حيث أجرى هذا الأخير اتصالات هاتفية متكررة مع الغنوشي قبل يوم من اغتيال الشهيد محمد البراهمي تزامنا مع اتصالات أجراها نفس الشخص (مصطفى خذر ) مع الإرهابي أبو بكر الحكيم منفذ عملية الاغتيال.

كما يتضمن الملف عددا مهولا من الوثائق الخطيرة التي تم بقرار قضائي الإفراج عنها سنة 2018، بعدما أحكم جهاز الأمن الموازي الموالي لـ"الإخوان" إخفاءها فيما يعرف بالغرفة السوداء في وزارة الداخلية لحجبها عن أعين العدالة. وكان ذلك بمجهود كبير وإصرار من هيئة الدفاع القائمة بالحق الشخصي في قضية الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

تحرر القضاء التونسي من الاضطهاد "الإخواني"

هذا وقد عرضت هيئة الدفاع جزءا من هذه الوثائق خلال ندوات صحفية متتالية قبل أن تنجح سنة 2022 في تحويل الملف بالكامل إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب أين تواصلت التحقيقات إلى حين عرض أكثر من 30 متهما في القضية على جلسة المحاكمة المذكورة. كان مسارا طويلا انكشفت خلاله تباعا براهين موثقة عن عمليات تجسس على مؤسسات الدولة وعلى الشخصيات العامة، ومخططات جهنمية لاختراق هياكل سيادية كالجيش والأمن تم إحباطها فعلا بإماطة اللثام عن فواعلها السياسية والميليشياوية بعد أن تحرر القضاء التونسي من قبضة الاضطهاد "الإخواني" تزامنا مع انطلاق مسار 25 يوليو الذي طوى صفحة الماضي، وأقر مبدأ المحاسبة ضد كل من أجرم في حق تونس وشعبها.

أما عن الجهاز السري أو الجهاز الخاص وفق ما هو تقليد راسخ في السلوك الازدواجي للحركات "الإخوانية"، فهو ليس جديدا على الذاكرة التونسية المثقلة بأحداث عنف كانت من تأليف وإخراج "حركة النهضة" منذ كانت تسمى بحركة الاتجاه الإسلامي. ففي أغسطس 1987 حصلت تفجيرات بفنادق سياحية في سوسة والمنستير قام بها الجهاز الخاص الذي يعمل تحت إمرة مرشد الحركة، وفي السنة نفسها تكونت ما يسمى بمجموعة الإنقاذ وهي عناصر اختراقية للمؤسسات السيادية خططت لقلب نظام الحكم في 8 نوفمبر من السنة نفسها، غير أن مخططها أحبط بعد حدث 7 نوفمبر 1987، وتولي بن علي للحكم. وفي سنة 1991 قام الجهاز الخاص نفسه بحرق مقر الحزب الدستوري في باب سويقة، وأسفر الهجوم عن قتل مواطن تونسي بريء كان مكلفا بحراسة المكان.

وفي السنة نفسها، كشفت السلطات في ندوة صحفية عن محجوزات أسلحة ووثائق تكشف الإطار التنظيمي العنقودي الذي يربط الجهاز الخاص بقيادة الحركة. تاريخ كامل من الازدواجية التنظيمية وإضمار الكيد للدولة والمجتمع أصر على  الانكشاف بعدما أمسك "الإخوان" بالسلطة ثم غادروها بإرادة شعبية وسياسية قبل أن يواجهوا تهما عديدة بتهديد أمن الدولة الداخلي والخارجي. والأهم من أحكام القضاء التي تبقى من مشمولات المحكمة هي أحكام القدر التي أنصفت من دفعوا ضريبة الدم من شهداء الوطن سياسيين وأمنيين وعسكريين ومدنيين.. أحكام القدر التي قالت باختزال شديد "يا قاتل الروح.. وين تروح".