أوروبا وروسيا ما بعد رحيل أوربان

شاركنا:
فيكتور أوربان حليف الرئيسين ترامب وبوتين ونتانياهو (رويترز)

خسر فيكتور أوربان، حليف الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين ورئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتانياهو، وأحد أبرز وجوه اليمين المتطرف عالمياً، في الانتخابات التشريعية في المجر، وبذلك تنتهي مسيرته في الحكم بعد 16 عاماً، قاد خلالها سياسات متشددة ضد المهاجرين والحريات وغير ذلك، وتصدّر الفيتو داخل الاتحاد الأوروبي، معرقلاً الدعم العسكري لأوكرانيا، كما انسحب من المحكمة الجنائية الدولية بعد إصدارها مذكرة توقيف بحق نتانياهو، قبل أن يستقبله بالأحضان في بودابست.

 أوروبا أمام غياب ديمقراطي

وبإقراره بهزيمته في الانتخابات التي شهدت إقبالاً قياسياً وغير مسبوق، يخسر أوربان في هذا الاستحقاق، إذ بلغت نسبة المشاركة نحو 78%، حيث أشارت النتائج إلى حصول حزب تيسا المعارض، برئاسة بيتر ماغيار، على نحو 54% من الأصوات، ما يخوله نيل 138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان.

ويحمل ماغيار مشروعاً سياسياً أقرب إلى الاتحاد الأوروبي، مع العلم أنه كان قد انشق عن حزب أوربان في 2024، حاملاً خطاب مكافحة الفساد واستعادة العلاقة مع أوروبا، وبالنسبة للمجريين تبدأ مرحلة يتضح فيها مدى سرعة بدء الحكومة الجديدة في تفكيك هياكل السياسة الخارجية والداخلية التي أثارت حفيظة الاتحاد الأوروبي لسنوات، والتي حافظت في الوقت نفسه على سمعتها كإحدى الدول القليلة في الاتحاد الأوروبي.

كما لا يشكل رحيل أوربان مجرد تغيير حكومي، بل هو رحيل آخر من منح أوروبا توزاناً لن يعود بعد اليوم، وبرحيله، قد تخسر القارة أحد آخر المدافعين عن السيادة الوطنية في وجه "النمذجة القسرية" التي تفرضها بروكسل في ملفات الهجرة، الهوية، والسيادة، ما يضع أوروبا أمام غياب ديمقراطي تتوق إليه شعوبها ما قد يفقد أوروبا لبوصلة لطالما اعتبرتها شعارها العالمي في ظل الفوضى الدولية الحاصلة اليوم.

ويتهم معارضو أوربان بأنه كان مهتماً بالسياسة الخارجية على حساب الداخل، ما يعني الآن وجود تبدل جذري في السياسة الخارجية للمجر، إذ رحبت أوروبا، بفوز تيسا، الذي دعا إلى تطبيع الحوار مع قيادة الاتحاد الأوروبي، بالتالي إن أوربان هو أبرز سياسي يميني في أوروبا وأكثرهم خبرة، وهزيمته تعني إضعاف اليمينيين المتشككين في الاتحاد الأوروبي من حزب الوطنيين من أجل أوروبا.

أما بالنسبة لطبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة، فقد تتغير إذ لطالما دعم البيت الأبيض فيكتور أوربان، حتى أن نائب الرئيس جيه. دي. فانس زار بودابست قبل 5 أيام من الانتخابات، وبالنسبة لترامب، أوربان ليس رئيس وزراء المجر في المقام الأول، بل هو زعيم حزب "الوطنيون من أجل أوروبا" ذي التوجهات الأوروبية، فهو يتبنى رؤية مشتركة للقيم المحافظة وسياسة هجرة متشددة. وسيؤدي رحيله إلى إضعاف موقف الإدارة الأميركية الحالية في أوروبا، والذي كان أصلاً هشاً.

بودابست ماغيار قد تغير طبيعة العلاقات مع أوكرانيا

وفيما يتعلق بروسيا، من المتوقع أن تفتر العلاقات، فلطالما كانت بودابست بعد العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا من بين الدول الأوروبية التي حافظت على حوار سياسي رفيع المستوى مع روسيا، ما يعني أنه لم يعد لروسيا ذلك الحليف الذي سيعرقل إصدار عقوبات على موسكو، كما من المحتمل أن تخسر روسيا عقود استكمال محطة باكس النووية وعقود إمدادات الغاز والنفط، أو ستلجأ المجر إلى شراء كميات محدودة من مصادر أخرى في حال حدوث نقص في الوقود.

لكن وفق ماغيار نفسه، لم يقطع صلة الوصل مع روسيا لا بل أكد أنه إذا تطورت الظروف، فسيتعين الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الرئيس الروسي، كما لن يتغير الموقع الجغرافي لروسيا ولا للمجر، وسيظل اعتماد هنغاريا على الطاقة قائمًا لبعض الوقت، غير أن كل هذا لم يمنعه من قول: "لن نصبح أصدقاء" وهذه الكلمات تشير بوضوح إلى التوجه الجديد للحليف السابق لروسيا في وقت قد تتبدل فيه مجمل السياسة الخارجية نقطة لصالح أوكرانيا، ضد روسيا.

كما من المحتمل أن تُغيّر بودابست بقيادة ماغيار طبيعة العلاقات مع أوكرانيا رغم أنه كان من الرافضين تزويدها بالأسلحة، مع الإشارة إلى أن زعيم حزب تيسا زار كييف عام 2024، بل وقدّم للنظام الأوكراني دعماً مالياً جمعه حزبه.

بالتالي، إن الطريق ليست معبدة أمام ماغيار، لأن هزيمة أوربان قد تسرع بانهيار الاتحاد الأوروبي، في ظل عواصف كثيرة تلوح في الأفق من بينها، أن الاتحاد يفتقر إلى مبلغ 90 مليار يورو اللازم لتقديم المساعدات لأوكرانيا، والتي عرقلتها حكومة أوربان.

وفي ظل افتقار ماغيار للخبرة السياسية والإنجازات الملموسة، ما يجعل مستقبل البلاد غامضاً، فهل ستتمكن هذه التغييرات من حل المشاكل المتراكمة؟