شهدت الأسابيع القليلة الماضية مكسباً صافياً للقوات الروسية بلغ 12 ميلاً مربعاً من الأراضي الأوكرانية، وفي المقابل، وخلال الفترة نفسها التي سبقتها، حققت روسيا مكسباً صافياً بلغ 21 ميلاً مربعاً.
وتعتمد القوات الروسية على شن غارات جوية مكثفة على المدن الأوكرانية الرئيسية بعد تباطؤ نسبي في وتيرة التقدم خلال الشهر الماضي إلى حد التوقف تقريباً، حيث جاءت الهجمات الجوية التي شنتها روسيا على أوكرانيا بعد أشهر من تعثر تقدم موسكو، التي واجهت مقاومة أوكرانية أشد على الأرض، وشنّت غارات جوية متزايدة على البنية التحتية النفطية والمواقع الصناعية العسكرية.
وعلى الرغم من ذلك سيطرت القوات الروسية على 82 كيلومتراً مربعاً فقط من الأراضي الأوكرانية في مايو، مقارنة بـ 94 كيلومتراً مربعاً في أبريل و25 كيلومتراً مربعاً في مارس، فيما يبدو أن سلسلة الضربات الروسية المتصاعدة على كييف ومدن أخرى في الأسابيع الأخيرة تهدف جزئياً إلى صرف الأنظار عن تباطؤ موسكو في الميدان وتأثير الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى داخل روسيا.
كما أن حرب الطائرات المسيرة بين الجانبين على أشدها مؤخراً، خصوصا على طول خط الجبهة البالغ طوله 1200 كيلومتر، والتي تشهد صراعاً شرساً على الأراضي وضعفاً في السيطرة عليها، ما يجعل من الصعب تقييم الخسائر والتقدم الملموس، إذ غالباً ما يتحول خط الجبهة إلى "منطقة رمادية"، حيث تختلط جيوب صغيرة من القوات من كلا الجانبين على امتداد عدة كيلومترات.
ففي شهر مايو الماضي، حققت القوات الروسية أصغر مكاسب شهرية لها منذ أكتوبر 2023، حيث بلغت 14 كيلومتراً مربعاً، على الرغم من تصاعد هجمات القوات الروسية بنسبة 37.5%، بينما الجانب الأوكراني حقق مكاسب طفيفة جديدة في مايو حول قرية نوفوسيلفكا، التي تبعد حوالي 50 كيلومتراً جنوب غرب بوكروفسك، مما عزز المكاسب السابقة في المنطقة نفسها بعد هجوم مضاد ناجح في الشتاء.
وهذا يعني أن الحرب تدخل مرحلة جديدة، ومن المهم للطرفين الروسي والأوكراني ألا يفقدان زمام المبادرة.
ولا يمكن فصل الأحداث الإقليمية والدولية التي شهدها العالم مؤخراً، فالحرب الأميركية – الإيرانية ألقت بظلالها على الأحداث بين موسكو وكييف، إذ توقف الدعم الأميركي لأوكرانيا بسبب الحرب بما في ذلك الدعم الأوروبي الذي تراجع بشكل ملحوظ، وأصبحت معظم البلدان الممولة لكييف تعيد النظر في بناء ترسانتها العسكرية عقب الحرب الأخيرة، حيث تيقنت كييف من أنها يجب أن تعمل على بناء منظومتها الخاصة حيث طورت عدة أجيال من الطائرات المسيرة لا بل باتت الرقم الصعب في هذه المعادلة ولجأت لها بعض الدول سواء في التسليح أو التدريب عبر خبرائها.
إلى جانب ذلك، إن آلة الحرب الروسية تعاني أيضاً من تقلص قدرتها الصناعية نتيجة للعقوبات الغربية، فضلاً عن تناقص مخزونها من جميع أنواع الأسلحة تقريباً، ومع ذلك لم تتأثر بالقدر الذي تعاني منه كييف، ومع ذلك استهدفت قطاعات حيوية في روسيا، حيث شنت هجمات استباقية على المنشآت الروسية، وذلك في الوقت الذي توسع فيه كييف نطاق ضرباتها على البنية التحتية للطاقة في محاولة لإجبار موسكو على الدخول في مفاوضات.
وفي هذا الجانب، إن موسكو منفتحة على المفاوضات غير أن الحرب الأميركية – الإيرانية جمدت المفاوضات، مع الإشارة إلى ان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب سبق وأن قال إنه بعد انتهاء الحرب مع إيران سيلتفت إلى إنهاء الأزمة الأوكرانية، وهذا يقود بطبيعة الحال إلى أن ظروف الأزمة تعتمد على الاستقرار الدولي بالدرجة الأولى لتداخل الملفات فيما بينها.
وتبقى الأوضاع مرشحة إلى تبادل ضربات قوية تؤثر على قطاعات حيوية لدى الجانبين الروسي والأوكراني، في وقت يبدو أن حسم المعركة لن يتم إلا عبر مفاوضات سياسية على الرغم من توسع السيطرة الروسية على مساحات واسعة من إقليم دونباس، وإلى أن يأتي ذلك الوقت، ستسير العلميات ببطء وتقدم محدود مع التركيز على الجوانب الأخرى في البلدين خصوصا الجانب الاقتصادي الذي تأثر بشدة بسبب الأحداث الأخيرة، ما قد يفتح فصلاً جديداً ينهي الصراع كما بدأ بشكل غير متوقع.