الشرق الأوسط أمام خيارين: السلام المستدام أو الانفجار الكبير

آخر تحديث:

شاركنا:
الحروب والأزمات أنتجت واقعا مؤسساتيا ضعيفا (أ ف ب)

مما لا شك فيه، أنّ الشرق الأوسط - وربما العالم - يقف عند مفترق طرق تاريخي وحساس، بعيون على مستقبل مختلف كليا عن العالم التي اعتدنا عليه في السابق، والتي سيؤدي حتما إلى تغيير في المنطقة قد يستمر لعقود من الزمن. فمنذ قيام مبدأ الدول الحديثة منذ ما يقارب 100 عام، والشرق الأوسط مستنقع للحروب الطويلة، والصراعات، والديكتاتوريات، والنزاعات السياسية، والعرقية، والطائفية.

أما اليوم فالمنطقة أمام خيارين وحيدين: إما السلام المستدام العادل الضامن لاستقرار الدول وازدهارها وتنميتها وتطويرها، وإما الانفجار الكبير المدمر لحدود الدول ومؤسساتها، والذي قد تكون تداعياته خطيرة على المنطقة والعالم لعقود من الزمن.

مسرح للتنافس

من جهة اخرى، لا يشبه الشرق الأوسط بجغرافيته وطبيعته وجيوسياسته وموقعه، أيّ منطقة في العالم. فلطالما كان هذا الشرق مسرحا للتنافس الدولي وحتى الإقليمي، والتدخلات هنا لا تنتهي. وإذا أرادنا أن نكون أكثر دقة، ونظرنا إلى الخريطة، يقبع الشرق الأوسط في وسط الكرة الأرضية، رابطا بذلك 3 قارات وتدخلات لا تنتهي.

وللشرق الأوسط خصوصيته، فهو مسرح للتدخلات الأجنبية والإقليمية تحت عناوين مختلفة، كالقضية الفلسطينية، والثورات والانقلابات والحروب الأهلية والصراعات العرقية والمذهبية والطائفية، والتي غالبا مرتبطة بالتدخلات الأجنبية والتنافس على النفوذ والموارد - وبالموارد، أعني هنا لعنة الشرق الأوسط وغناه. لذلك، وعند الحديث عن الشرق الأوسط، يصبح الحديث مرتبطا بالأزمات والفشل المؤسساتي، حتى أصبح ذلك جزءا من الواقع السياسي المعقد والصعب للمنطقة. غير أنّ التحولات الدولية واحتمال انبثاق نظام عالمي جديد أو حتى إقليمي جديد، والمتغيرات الجيوسياسية، والتغيرات الاقتصادية العالمية، إضافة إلى التحولات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي المتسارع، حتّم على دول المنطقة أولا، والعالم ثانيا، إعادة التموضع والنظر في أولوياتها واختبار ما يناسبها من مسارات جديدة تحت الإنشاء، ما يتناسب مع التطورات الحاصلة في هذا الزمن.

فالمنطقة عانت ما عانت من ويلات الحروب والدمار والخراب وقلة التنمية - مع استثناء دول الخليج - والشعوب ضاقت بها سبل الحياة حتى أصبحت الهجرة حلم كل شخص عربي. لذلك لا يمكن للمنطقة أن تستمر على هذا المنوال إلى ما لا نهاية. أنّ خيار السلام المستدام والبناء لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح حاجة وضرورة إستراتيجية ملحة. فالمنطقة بموقعها ومواردها تمتلك إمكانيات هائلة تؤهلها لتكون مركزا عالميا للتجارة والخدمات والطاقة والابتكار والسياحة، يمكن أن تتحول إلى قوة إنتاجية ضخمة إذا توافرت البيئة المناسبة فتحول بذلك كابوس الهجرة إلى حلم العيش الكريم في أوطاننا العربية.

يتمثل التحول من النزاعات إلى السلام معالجة جذور الأزمات عوضا من الاكتفاء بإدارة الأزمات أو تأجيلها، وهذا ما أنتج الواقع المعقد هذا. ففي مقدمة هذه الأولويات تأتي القضية الفلسطينية كأحد أهم مصادر التوتر وانعدام الأمن والاستقرار واندلاع الحروب والنزاعات في المنطقة. لذلك، غياب حل عادل ومستدام لأطول صراع في القرن الحديث، يعرقل السلام والتعاون الإقليمي والدولي، ويزيد من حدة الاحتقان الدولي. ويؤدي غياب مسار الحل إلى تغذية مشاعر الإحباط والتطرف ويستهلك الموارد البشرية والمالية، ويقوض فرص التنمية والازدهار الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة.

كذلك، أنتجت هذه الحروب والأزمات واقعا مؤسساتيا ضعيفا، ودولا عاجزة في مواجهة التحديات الجمة التي تواجهها. ومن أبرز هذه التحديات التغيير المناخي، والهجرة، وشح المياه، والبطالة، وانعدام الأمن الغذائي. فهذه التحديات لا تعرف حدودا ودولا، لذلك معالجتها تتطلب تعاونا إقليميا قائما على التعاون والمصالح المشتركة بين دول المنطقة جميعا.

تجارب مريرة

لذلك، أدركت العديد من الدول أن التعاون والاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والجيوسياسي يشكل أحد أهم العوامل لتحقيق الأهداف التنموية والاقتصادية التي تسعى إليها هذه الدول. ولا يمكن تحقيق هذا النمو من دون سلام عادل وشامل وبنّاء ومستدام بين جميع دول المنطقة. لذلك، فإنّ مشاريع التنويع الاقتصادي والاستثمارات في التكنولوجيا، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والتنمية، تحتاج من دون أدنى شك إلى بيئة إقليمية آمنة ومستقرة وتعاونية.

ولكن ما البديل عن السلام والتعاون والتنمية؟ الخيار الآخر هو الانفجار الكبير وخصوصا إذا استمر غياب الحلول العادلة والسلمية. فخيار المراوحة الذي أصبح أمرا واقعا بعد السابع من اكتوبر 2023 لم يعد موجودا ولا متاحا. فالمنطقة على شفير انفجار هائل بسبب بؤر التوتر المختلفة، وموازين القوة، وصراع النفوذ، والطاقة. فأيّ تصعيد عسكري في أيّ بؤرة - وبسبب ترابط البؤر - قد يؤدي إلى انفجار إقليمي كبير؛ وربما دولي؛ قد تكون تداعياته الأمنية والجغرافية والاقتصادية والإنسانية أكبر بكثير من الأحداث السابقة، وقد نكون أمام مصيبة أو فاجعة قد لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط وخصوصا على الصعيد الاقتصادي وأسواق الطاقة والتجارة وربما الأمن والسياسة.

إضافة إلى ذلك، فإنّ ضعف الدول وهشاشة المؤسسات من جهة، وانتشار الأسلحة المتطورة والرخيصة مثل المسيّرات، وتزايد نفوذ الجماعات المسلحة غير الحكومية، يزيد بشكل كبير من احتمال انفجار الوضع أو التصعيد غير المقصود أو المضبوط. فمن شأن أيّ حادث أن يتحول إلى مواجهة غير قابلة للضبط، لتدخل بذلك المنطقة في دوامة من النزاعات والصراعات الكبيرة ومن الصعب احتواؤها.

إنّ التجارب المريرة والدامية التي عاشتها المنطقة خلال العقود السابقة، أثبتت أنّ تكلفة الحرب المادية والبشرية أكبر بكثير من المكاسب السياسية والاقتصادية أو الإستراتيجية المحتملة. فالشعوب العربية تعبت من الصراعات والحروب، لذلك أصبحت أكثر إدراكا ووعيا لأهمية السلام والاستقرار. فالسلام المستدام لا يعني غياب الخلافات والتنافس بين الدول - وهذا حق مشروع - بل يعني وفي حالة الشرق أوسطية الخاصة، إنشاء نظام متطور وحديث يمكن تسميته بالإدارة التشاركية collaborative management للازمات بين الدول، من أجل تخفيف حدة التوترات وقبول الاختلافات ضمن قنوات دبلوماسية واضحة في نظام تعاوني بناء ومستدام، قادر على امتصاص الخلافات ومنع تحولها إلى صراعات مدمرة. كما يتطلب هذا النظام بناء ثقة حقيقية من خلال التعاون الاقتصادي واحترام مبادئ السيادة والقانون الدولي على غرار النموذج الأوروبي.

اليوم، يقف الشرق الأوسط عند مفترق طرق حقيقي، ويشكل لحظة حاسمة في تاريخه، حيث لا يوجد مكان لأنصاف الحلول. فبين السلام المستدام والبناء وبين الانفجار الكبير، يقف الإنسان العربي حائرا بين النار والنور، وبين الدمار والتنمية، وبين العيش أو الموت. لذلك لا بد للقادة من أخذ العبرة من التاريخ المؤلم، لأنّ المستقبل - وإذا لا قدّر الله كان مظلما، فلن يبقى لنا في هذه المنطقة وربما العالم موطئ قدم.

(المشهد)