لبنان لا يحتاج إلى "تحرير جديد"، ولا إلى وصاية جديدة تُلبَس بلباس الدعم أو المقاومة. ما يحتاجه، ببساطة وعمق في آن، هو أن يُترك وشأنه… أن يُمنح فرصة ليكون دولة طبيعية، لا ساحةً ولا ورقة تفاوض.
منذ عام 1920، حين أُعلن "لبنان الكبير"، وهذا البلد يعيش على إيقاع التحولات الكبرى التي تفوق حجمه. استقلالٌ جاء بعد مخاض، ثم حرب أهلية اندلعت عام 1975 وامتدت كجرحٍ مفتوح لسنوات طويلة، لتتحول بعدها البلاد إلى مساحة نفوذ متنازع عليها. لم يكن الاحتلال دائماً بالدبابات، أحياناً كان أشد قسوة حين جاء عبر القرار السياسي والأمني. الوجود السوري، الذي استمر حتى 2005، كان أحد أبرز تجليات هذا "الاحتلال المقنّع"، مهما اختلفت التسميات.
ثم جاء عام 2005، لا كبداية خلاص، بل كبداية فصل جديد من التعقيد. اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري لم يكن مجرد جريمة سياسية، بل لحظة مفصلية أعادت رسم التوازنات، وفتحت الباب أمام نفوذ إقليمي آخر ليترسخ أكثر فأكثر. هنا تحديداً، بدأ يتكرّس واقع جديد: دولة ضعيفة، ومؤسسات تتآكل، وقوة موازية تكبر خارج إطارها.
في قلب هذا المشهد، برز "حزب الله" كلاعب لا يمكن تجاهله. لكنه، بدل أن يتحول إلى شريك كامل في بناء الدولة، اختار مساراً آخر: الاحتفاظ بالسلاح، وتكريس معادلة خاصة به، تتجاوز الدولة ولا تخضع لها. لسنوات، ارتفعت أصوات لبنانية تطالب بدمج هذا السلاح ضمن مؤسسات الدولة، ليس عداءً، بل حفاظاً على فكرة الدولة نفسها. لكن تلك الدعوات بدت وكأنها تُلقى في فراغ. الحزب لم يتراجع، بل ازداد تمسكاً بخياره، وكأنه يقف في وجه أي تغيير، مهما كان الثمن الداخلي.
ومع مرور الوقت، لم تعد المسألة داخلية فقط. علاقات لبنان العربية والدولية تراجعت، العزلة ازدادت، والاقتصاد بدأ ينهار. أزمة 2019 لم تكن حادثاً مفاجئاً، بل نتيجة تراكمات طويلة من السياسات الخاطئة، والتوازنات المختلة، وغياب القرار السيادي الواضح. كان لـ"حزب الله" تأثير كان حاسماً في رسم هذا المسار، مدعوماً بطبقة سياسية سمحت -أو عجزت- عن كبح هذا الاتجاه.
ثم جاء انفجار مرفأ بيروت، كأحد أكثر الأحداث مأسوية في تاريخ لبنان الحديث. لم يكن مجرد كارثة، بل لحظة كشفت عمق الإهمال، وغياب المحاسبة، وانعدام الثقة. أسئلة كثيرة طُرحت، وقليل من الإجابات قُدّم. العدالة بقيت معلّقة، كأنها ترف لا يملكه اللبنانيون وكان للحزب دور في ذلك.
مفترق طرق
واليوم، يقف لبنان عند مفترق طرق جديد وربما الأخطر. قرار "إسناد غزة" الذي اتخذه الأمين العام الأسبق للحزب حسن نصرالله أدخل البلاد في مواجهة لا يريدها معظم اللبنانيين. حرب مفتوحة على الحدود، خسائر بشرية واقتصادية، قرى مدمرة، ونزوح يعيد إلى الذاكرة مشاهد ظنّ البعض أنها أصبحت من الماضي. مرة أخرى، يدفع اللبنانيون ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها.
الأكثر إيلاماً ليس فقط في حجم الخسائر، بل في تكرار النمط نفسه. دولة تُستدعى عند الحاجة -لوقف الحرب، للتهدئة، لتحمّل الأعباء-ثم تُهمَّش حين يتعلق الأمر بقرار السلم والحرب. سلاح خارج إطارها يجرّها إلى الحرب، ثم يُطلب منها إدارة وقف الحرب.
ورغم كل ذلك، ثمة بارقة مختلفة اليوم. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يبدو أن هناك محاولة جدية لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة. حديث عن حصر السلاح بيدها، عن بسط سيادتها، عن الدخول في مفاوضات بهدف حماية ما تبقى. هذه الخطوات، رغم الجدل الذي تثيره، تعكس واقعاً لا يمكن تجاهله: لا يمكن للبنان أن يستمر بهذا الشكل.
تخوين كل محاولة إنقاذ لن يغيّر شيئاً. بل ربما يؤخر الانهيار فقط.
لبنان لا يحتاج إلى شعارات كبرى بقدر ما يحتاج إلى قرارات شجاعة. لا يحتاج إلى معارك جديدة، بل إلى إعادة تعريف أولوياته: كرامة المواطن، استقرار الدولة، وسيادة القرار.
في النهاية، القضية ليست مع أو ضد طرف بعينه، بل مع فكرة أساسية: هل نريد دولة حقيقية، أم سنبقى ندور في حلقة "الدويلات" داخل الدولة؟
لبنان يستحق يوماً هادئاً. يستحق أن يعيش أبناؤه بلا خوف من حرب تُفرض عليهم، أو انهيار يُسرق منهم. يستحق أن يكون وطناً… لا ساحة أو ورقة!