"حزب الله".. وبداية النهاية

آخر تحديث:

شاركنا:
"حزب الله" تعرض خلال الأعوام الأخيرة لسلسلة من الضربات غير المسبوقة في تاريخه (رويترز)

في السياسة كما في التاريخ، لا تموت القوى الكبرى دفعة واحدة. نادرًا ما يكون السقوط لحظة واحدة أو حدثًا واحدًا. تبدأ النهاية عادة عندما تفقد الحركة أو الحزب أو الإمبراطورية قدرتها على إنتاج المستقبل، وتتحول من قوة تصنع الأحداث إلى قوة تحاول فقط تأخير نتائجها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن النظر إلى المشهد الحالي لحزب الله بوصفه بداية نهاية مرحلة تاريخية امتدت منذ عام 1982.


 إسناد غزة وإسناد إيران

قبل أكثر من 4 عقود، وُلد "حزب الله" في ظروف استثنائية. كان لبنان غارقًا في الحرب، وكانت إسرائيل في ذروة اجتياحها للبنان. كانت إيران البادئة بتصدير ثورتها تبحث عن موطئ قدم إستراتيجي على شواطئ المتوسط. من تفاعل هذه العوامل وُلد الحزب، وتمكن خلال سنوات من التحول إلى ظاهرة سياسية وعسكرية وأمنية، تجاوزت في نفوذها الدولة اللبنانية نفسها.

لكنّ الحركات السياسية لا تعيش إلى الأبد على أمجاد التأسيس. فكما أنّ لكل قوة لحظة صعود، فإنّ لها أيضًا لحظة ذروة تسبق الانحدار. ويبدو أنّ "حزب الله" بلغ هذه المرحلة.

صحيح أنّ الحزب ما زال موجودًا تنظيميًا وعسكريًا، ويمتلك بنية حزبية وشبكات اجتماعية وإعلامية وأمنية، إلا أنّ السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بوجوده، بل بحجمه الفعلي مقارنة بما كان عليه قبل أعوام قليلة، وتحديدًا قبل الإسنادين اللذين تورط بهما: إسناد غزة وإسناد إيران، فالفرق كبير بين حزب يفرض المعادلات على خصومه، وحزب ينشغل بالدفاع عما تبقّى من تلك المعادلات.

لقد تعرّض الحزب خلال الأعوام الأخيرة لسلسلة من الضربات غير المسبوقة في تاريخه. فالمعادلة التي بناها منذ عام 2006، على أساس "توازن الردع"، تعرضت لتصدعات عميقة. والقدرة العسكرية التي طالما شكلت مصدر قوته الأساسية، لم تعد بمنأًى عن الاختراق والاستنزاف. أما البيئة الإقليمية التي كانت توفر له هامش حركة واسعًا، فقد تغيرت بصورة جذرية.

الأهم من ذلك، أنّ الحزب فقد عنصرًا أساسيًا من عناصر قوته: صورة المنتصر الدائم. فالحركات العقائدية لا تعيش فقط على السلاح، بل على الرواية التي تقدمها لجمهورها. وعندما تتعرض هذه الرواية للاهتزاز، تبدأ الأزمة الحقيقية.

خلال سنوات طويلة، نجح "حزب الله" في إقناع جمهوره بأنه قوة لا تُهزم. لكنّ التطورات الأخيرة فرضت واقعًا مختلفًا. فعدد كبير من القادة والكوادر سقطوا، والبنية العسكرية تعرضت لضربات قاسية، ومساحات النفوذ تقلصت، فيما بدا الحزب عاجزًا عن استعادة المبادرة أو فرض قواعد اشتباك جديدة، تعيد إليه صورة القوة التي لا تُمس.

وفي المقابل، لم يعد الحزب قادرًا على إنتاج مشهد شعبي واسع خارج المناسبات المرتبطة بالموت. فالمفارقة اللافتة أنّ أكبر الحشود التي يستطيع جمعها اليوم، هي حشود التشييع والجنازات.

لكنّ الخطأ الكبير يكمن في اعتبار هذه الحشود دليل قوة سياسية.

 نهاية "حزب الله"

في تاريخ الحركات العقائدية والعسكرية، غالبًا ما تكون الجنازات الضخمة مؤشرًا على حجم الخسائر، أكثر مما هي دليل على حجم الانتصارات. فالناس يخرجون لتوديع القتلى وللتعبير عن الحزن والوفاء، وليس بالضرورة لتجديد التفويض السياسي أو العسكري للمشروع الذي سقط هؤلاء في سبيله.

الفرق كبير بين حشود تأتي للاحتفال بإنجاز أو مشروع مستقبلي، وحشود تأتي لتوديع مرحلة آخذة في الأفول.

الأكثر خطورة بالنسبة للحزب، أنّ جمهوره نفسه يعيش حالة إنهاك عميقة. فبعد عقود من التعبئة الدائمة والحروب المتكررة والأزمات الاقتصادية والانهيار المالي والعزلة العربية والدولية، لم يعد الخطاب التقليدي قادرًا على إنتاج الحماسة نفسها التي كان ينتجها في التسعينيات أو حتى في العقد الأول من القرن الحالي.

لقد تغير لبنان وتغير الإقليم وتغيرت الأجيال أيضًا.

جيل الثمانينيات والتسعينيات كان يعيش في ظل شعارات التحرير والمقاومة. أما جيل اليوم فيعيش تحت وطأة البطالة والهجرة وانهيار الخدمات وغياب الفرص. ولذلك فإنّ أولويات الشباب اللبناني أصبحت مختلفة جذريًا عن أولويات مرحلة التأسيس.

وهنا تكمن إحدى أكبر أزمات "حزب الله". فهو ما زال يتحدث بلغة الماضي، في وقت يتحرك فيه المجتمع نحو أسئلة المستقبل. وما زال يستحضر انتصارات الأمس في وقت يطالب فيه اللبنانيون بإجابات عن أزمات الحاضر.

أما على المستوى السياسي، فقد خسر الحزب تدريجيًا قدرة المبادرة التي امتلكها لأعوام طويلة. ففي مراحل سابقة كان اللاعب الأقوى على الساحة اللبنانية والقادر على فرض الشروط ورسم الخطوط الحمراء. أما اليوم، فإنه يجد نفسه في موقع الدفاع عن مكتسبات تتآكل تباعًا، فيما تزداد الضغوط الداخلية والخارجية المطالبة بإعادة حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية.

ولا يقل أهمية عن ذلك التحول الإقليمي الكبير. فالمشروع الذي شكّل الإطار الإستراتيجي للحزب طوال عقود، يواجه تحديات غير مسبوقة. وما كان ممكنًا في المنطقة عام 2000 أو 2006، لم يعد ممكنًا بالسهولة نفسها في عام 2026. فموازين القوى تغيرت، والأولويات الدولية تبدلت، ومساحات المناورة أصبحت أضيق بكثير.

كل ذلك لا يعني أنّ "حزب الله" انتهى أو أنه سيختفي غدًا من المشهد اللبناني. فالتنظيمات الكبيرة لا تسقط بهذه البساطة. لكنها تدخل أحيانًا مرحلة طويلة من التراجع التدريجي، قبل أن تصل إلى شكل مختلف تمامًا عما كانت عليه.

ولهذا، فإنّ الحديث اليوم ليس عن نهاية "حزب الله"، بل عن بداية النهاية. نهاية المرحلة التي كان فيها الحزب القوة المهيمنة بلا منازع. نهاية الحقبة التي كان فيها يمتلك القدرة على فرض الوقائع بقوة السلاح وحده. ونهاية الصورة التي رسمها لنفسه باعتباره قوة صاعدة بلا حدود.

لقد بلغ الحزب، بعد أكثر من 4 عقود على تأسيسه، مرحلة الشيخوخة السياسية والعسكرية. وما نشهده اليوم ليس سقوطًا كاملًا، بل أعراض تقدّم في العمر الإستراتيجي. وحين تصل الحركات إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال ليس كيف تحافظ على توسعها، بل كيف تدير انكماشها بأقل الخسائر الممكنة.

وهذا تحديدًا هو التحدي الأكبر الذي يواجه "حزب الله" في السنوات المقبلة: ليس كيفية تحقيق انتصار جديد، بل كيفية التعايش مع واقع لم يعد يشبه زمن الصعود الذي صنع أسطورته الأولى.