في المغرب، ولدى العديد من الخبراء في الشأن الكروي عبر العالم، لم يكن فوز المغرب على هولندا قبل أيام مفاجأة ولا أمرا غير متوقع، لم يُفاجئ أسود الأطلس أحدا كما كان عليه الأمر في قطر 2022، بل فقط أكدوا مكانتهم الجديدة، أنهم فريق ضمن الـ5 الكبار في العالم، فريق مُرشّح للفوز، وقوة تُرهب المنتخبات الكبرى، مكونة من لاعبين قادرين على قلب موازين المباريات الحاسمة.
"القوة الناعمة" المغربية
لكن كيف وصل الفريق المغربي إلى هذه المرتبة عالميًا؟ من المؤكد أنه ليس ضربة حظ أو صدفة من الصدف، بل هو نتيجة سياسة محكمة، بذلت فيها الدولة المغربية منذ 15 سنة، خصوصًا منذ بداية العقد الثاني من القرن الـ21، الكثير من الجهود والإمكانيات، وهي سياسة كانت مرشحة لتحقيق نتائج باهرة، بالنظر إلى أنها كانت تحت إشراف مباشر للملك محمد السادس، وتدخل في إطار مخطط عام للدولة، يهدف إلى جعل المغرب قوة إقليمية، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا ورياضيا.
ويمكن اعتبار أن هذه السياسة الكروية قد تم اعتمادها لكونها جزء من "القوة الناعمة" التي تمنح المغرب حضورا على المستوى الدولي، وقد قامت أساسا على استثمار كبير في البنيات التحتية، من خلال بناء وتجديد ملاعب حديثة ومراكز تدريب في مختلف جهات المملكة، بما يتوافق مع معايير الجودة الدولية. ولأن البنيات التحتية غير ذات أهمية في حد ذاتها إذا لم تكن مرفقة بتكوين وتأطير وصناعة مهارات وتفريخ مواهب، فقد تمّ إنشاء "أكاديمية محمد السادس لكرة القدم" التي افتتحت رسميا سنة 2010، والتي شكلت نقطة تحول في تكوين لاعبين محترفين ذوي مواهب ومهارات عالية بمستوى عالمي.
ولكي تنجح البنيات التحتية الجيدة والتكوين الأكاديمي كان لابد من إصلاح إداري يمسّ عمل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، حيث تم إرساء أسس حكامة مبنية على الصرامة والاحترافية، من أجل ضمان استقرار إداري ومالي. وبالإضافة إلى هذه العناصر مجتمعة كان لابد من وضع رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، تعمل اعتمادا على مواهب مغربية من أجل جعل الكرة المغربية مدرسة مميزة عالميا.
هذه الأسس لم تغفل أهمية بل ضرورة الاستفادة من أبناء الجالية المغربية في أوروبا، حيث عمدت الجامعة المغربية لكرة القدم إلى تطوير سياسة فعالة لاستقطاب أجود اللاعبين المغاربة المولودين في أوروبا وإقناعهم بحمل القميص الوطني، وهي سياسة ما كانت لتؤتي ثمارها لولا ما لاحظه هؤلاء اللاعبون من أهمية الإمكانيات التي رصدها المغرب لمجال كرة القدم، والسياسة الجدية التي خصّه بها.
ولأن الاستمرارية والتطور هو الهدف الرئيسي من هذه السياسة، فقد تم إعطاء أهمية وأولوية كبرى للشباب، فتمت العناية بمنتخبات الشباب والناشئين والفريق الأولمبي، الذين حققوا جميعا نتائج إيجابية جدا، كان أهمها فوز الفريق الوطني للشباب (20 سنة) ببطولة كأس العالم وإلحاق الهزيمة بالأرجنتين وفرنسا وإسبانيا وكل الفرق الكبرى، مما خلق استمرارية في إنتاج المواهب.
ولم تغفل السلطات الرياضية تطوير كرة القدم النسوية، ما جعلها تطلق برامج احترافية للبطولات النسوية والمنتخب النسوي الوطني، وهو ما انعكس في النتائج القارية والعالمية بشكل إيجابي جدا.
الانتماء للمغرب
وثمة عامل آخر من عوامل النجاح هو تقوية الشعور الوطني بالانتماء للمغرب واعتماد كفاءات مغربية من مدربين وإدارة تقنية ومنحهم الوقت الكافي للعمل وفق مشروع واضح، وكان لهذا العامل أثر كبير في نجاح السياسة الكروية وبلوغها أهدافا ملموسة، إضافة إلى الدعم السياسي والمؤسساتي الذي حظيت به كرة القدم ومن أعلى مستويات الدولة.
ويمكن أن نضيف لهذه العوامل المشار إليها ما بذله المغرب من جهود كبرى في تنظيم التظاهرات القارية والدولة واستضافة بطولات كثيرة ما عزّز الخبرة التنظيمية للمغرب، ومهد لاستضافة كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
لهذا فإن الإنجازات التي حققها المغرب، من بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022 وربع نهائي المنافسات الحالية حتى الآن، إلى بروز منتخبات الفئات الشابة والكرة النسوية، تبدو أقرب إلى نتاج مشروع دولة طويل الأمد أكثر منها نتيجة ظرفية أو إنجازًا مرتبطًا بجيل واحد من اللاعبين.
ويمكن القول انطلاقا مما ذُكر إن كرة القدم في المغرب لم تعد مجرد نشاط رياضي معزول، بل أصبحت رافعة إستراتيجية تخدم صورة البلد وجاذبيته ونفوذه، إلى جانب مشاريع التنمية الاقتصادية والنجاحات الدبلوماسية، غير أن نجاح هذا المشروع على المدى الطويل سيظل مرتبطًا أيضًا بمدى تقدم الإصلاحات في مجالات التعليم والبحث العلمي والصحة والحكامة، لأن القوة الإقليمية المستدامة تقوم على تكامل هذه العناصر جميعًا فيما بينها، ما يفسر العناية الفائقة التي أًصبح المغرب يوليها مؤخرا لقطاع الخدمات وخاصة الصّحة بتجهيز المراكز الاستشفائية وتكوين الأطباء، خصوصا وأن المعارضة الراديكالية تعتبر أن النجاح الكروي إنما يتم استعماله للتغطية على أزمات المجالات الأخرى الاجتماعية منها على الخصوص.