يوميات المونديال 30.. مونديال السياسة!

آخر تحديث:

شاركنا:
الأحداث السياسية الدولية يمكنها إنهاء مشوار المنتخبات إدارياً (رويترز)

أشعل القرار الاستثنائي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بتعليق عقوبة الإيقاف الناتجة عن البطاقة الحمراء للمهاجم الأميركي فولارين بالوغون في مونديال 2026 جدلاً واسعاً، بعد "تدخل سياسي" من الرئيس دونالد ترامب.

"المؤامرة الإدارية"

اعتُبر القرار سابقة لكنه لم يكن كذلك. فقد عاش مونديال تشيلي 1962 الحدث ذاته، ما شكل، في حينه، واحدة من أكبر المفاجآت الإدارية والتحكيمية في تاريخ كأس العالم.

جرى إلغاء عقوبة طرد البرازيلي غارينشيا من مباراة نصف النهائي أمام تشيلي بقرار سياسي وإداري مثير للجدل.

وفي التفاصيل أن الدقائق الأخيرة من اللقاء وعندما كان "راقصو السامبا" متقدمين 4-2، بينها هدفان لغارينشيا نفسه، طُرد الأخير بعد ركله لاعباً تشيليانياً، رداً على تعرضه لضرب عنيف مستمر من الخصوم دون حماية من الحكم.

الفارق بين الحادثتين أن طرد تمّ شفوياً في 1962 لأن البطاقات الملونة لم تعتمد إلا ابتداءً من مونديال 1970، فيما أشهر الحكم البطاقة الحمراء في 2026 في وجه اللاعب الأميركي.

بموجب القوانين، كان يُفترض إيقاف غارينشيا عن النهائي ضد تشيكوسلوفاكيا، لكن الحادثة تسببت بحالة طوارئ قومية في البرازيل، لدرجة أن رئيسها، تانكريدو نيفيس، أرسل برقية رسمية إلى الاتحاد الدولي يطلب فيها استثناءً خاصاً يسمح للاعب بالمشاركة.

شكل "فيفا" لجنة تأديبية عاجلة للنظر في اللقطة. واعتمدت "المؤامرة الإدارية" على تغيير تقرير الحكم حيث ادعى أنه لم يرَ واقعة الركل بنفسه بل اعتمد على راية مساعده الذي غادر تشيلي فجأة واختفى قبل جلسة الاستماع. ووفقاً للشائعات، فقد تلقى رشوة ضخمة كي يعود إلى بلاده.

وفي غياب الشاهد الرئيسي وعدم وضوح لقطات الفيديو التلفزيونية، أصدر "فيفا" قراراً مفاجئاً بتوبيخ غارينشيا فقط وإلغاء عقوبة الإيقاف في سابقة لم تحدث من قبل.

في النهاية، خاض غارينشيا النهائي وهو يعاني من حمى شديدة وحرارة مرتفعة بلغت 39 درجة مئوية. ورغم إعيائه، ساهم وجوده في إرباك الخصم لتفوز البرازيل 3-1 وتتوج باللقب، فيما نال هو جائزتي أفضل لاعب وهداف البطولة.

لم تكونا الحادثتين الوحيدتين اللتين تتماهيان مع السياسة. ففي أول نسختين من المونديال، لعبت الصراعات السياسية والكبرياء الوطني دوراً حاسماً في رسم خريطة المشاركين. في 1930، قاطعت معظم الدول الأوروبية الكبرى مثل إيطاليا، ألمانيا، إسبانيا، وهولندا البطولة في الأوروغواي، احتجاجاً على مشقة السفر بحراً ولأن "فيفا" فضّل أميركا الجنوبية على أوروبا لاستضافة أول نسخة. وفي 1934، ردّت الأوروغواي، حاملة اللقب، عبر المقاطعة السياسية والرياضية لمونديال إيطاليا، لتصبح الدولة الوحيدة في التاريخ التي ترفض الدفاع عن لقبها في النسخة التالية لأسباب انتقامية ودبلوماسية.

"فريق العجائب"

واستغل الديكتاتور الفاشي بينيتو موسوليني استضافة إيطاليا لنسخة 1934 كأداة بروباغندا لنظامه. قبل النهائي أمام تشيكوسلوفاكيا، أرسل برقية رسمية لمدرب منتخب بلاده، فيتوريو بوتزو، واللاعبين كتب فيها: "الفوز أو الموت". ويبدو بأن عناصر المنتخب خافوا على حياتهم، فلعبوا بعنف شديد تحت ضغط التهديد بالقتل، وفازوا باللقب وسط اتهامات بتقديم رشاوى وتخويف للحكام.

وقبل أشهر قليلة من انطلاق مونديال 1938، قام النظام النازي بقيادة أدولف هتلر بضم النمسا إلى ألمانيا فيما عُرف تاريخياً بالـ"أنشلوس". كانت النمسا تمتلك وقتها منتخباً مرعباً يُعرف بـ"فريق العجائب" وقد تأهلت بالفعل إلى كأس العالم. ألغى هتلر وجود النمسا كدولة مستقلة في البطولة، وأصدر أمراً سياسياً بدمج أفضل لاعبيها قسراً ليلعبوا تحت علم ألمانيا النازية بهدف إظهار تفوق العرق الآري، لكن الخطة فشلت رياضياً وخرجت ألمانيا من الدور الأول.

من جهته، فجّر منتخب كوريا الشمالية "مفاجأة القرن" بإقصاء إيطاليا وبلوغ ربع نهائي نسخة 1966 في إنجلترا. وفيه، تقدم على البرتغال بثلاثية نظيفة قبل أن يخسر 3-5. لدى عودة المنتخب إلى البلاد، اعتبر النظام الحاكم الخسارة "خيانة عظمى"، وأصدر الديكتاتور كيم إيل سونغ قراراً بإرسال معظم اللاعبين والطاقم الفني إلى معسكرات الأشغال الشاقة والسجن، وترددت أنباء عن إعدام عدد منهم بتهمة قضاء سهرة احتفالية في حانة إنكليزية قبل المباراة.

وشهد مونديال 1966 في إنجلترا قراراً سياسياً جماعياً من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بمقاطعة التصفيات احتجاجاً على القرار الظالم لـ"فيفا" بمنح قارات إفريقيا وآسيا وأوقيانيا مقعداً واحداً مشتركاً في النهائيات، بالإضافة إلى الاعتراض على استمرار عضوية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. أجبرت هذه المقاطعة السياسية "فيفا" على منح إفريقيا مقعداً كاملاً مستقلاً بدءاً من مونديال 1970.

وفي أواخر العام 1973، شهدت تشيلي انقلاباً عسكرياً دموياً قاده الجنرال الديكتاتوري أوغستو بينوشيه، وتحول الاستاد الوطني في العاصمة سانتياغو إلى معتقل سياسي ومركز للتعذيب والإعدام. كان من المقرّر أن تلتقي تشيلي مع الاتحاد السوفياتي في إياب الملحق المؤهل لمونديال 1974 على الملعب ذاته. رفض الاتحاد السوفياتي اللعب على ملعب تلطخ بدماء المعتقلين السياسيين بسبب موقفه السياسي الشيوعي المناهض للانقلاب، وطالب بنقل اللقاء إلى مكان آخر. رفض "فيفا" والملحق العسكري التشيلياني، فأقيمت مباراة هزلية نزل فيها لاعبو تشيلي وحدهم وسجلوا هدفاً في شباك فارغة، ليُعلن الاتحاد الدولي انسحاب السوفيات وتأهل تشيلي بقرار إداري وسياسي.

وفي مونديال 1978، كانت الأرجنتين المضيفة تحت حكم نظام عسكري ديكتاتوري بقيادة خورخي فيديلا. لبلوغ النهائي، كان عليها الفوز على البيرو بفارق 4 أهداف على الأقل. تدخل فيديلا شخصياً، وزار غرف ملابس لاعبي البيرو قبل المباراة لإيصال رسالة تهديد مبطنة. انتهى اللقاء بفوز مشبوه للأرجنتين 6-صفر، وكشفت تقارير لاحقة عن صفقة سياسية شملت شحنات حبوب مجانية وإطلاق سراح سجناء بيروفيين مقابل تفويت المباراة.

وفي مطلع التسعينيات، كانت يوغوسلافيا تمتلك جيلاً ذهبياً. لكن مع اندلاع الحروب الأهلية وحرب البوسنة، أصدرت "الأمم المتحدة" القرار رقم 757 بفرض عقوبات رياضية وسياسية عليها. استجاب "فيفا" والاتحاد الأوروبي للعبة للضغط السياسي، وطُرد منتخب يوغوسلافيا ومُنع من المشاركة في "يورو 1992". استمر الحظر ليتم استبعادها من تصفيات كأس العالم 1994.

وفي خطوة سياسية حديثة حاسمة، أعلن الاتحاد الدولي بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي عن تعليق مشاركة المنتخبات والأندية الروسية كافة في المسابقات الدولية حتى إشعار آخر، عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022. أدى القرار إلى إقصاء روسيا من الملحق الأوروبي المؤهل لمونديال 2022 في تأكيد واضح على أن الأحداث السياسية الدولية يمكنها إنهاء مشوار المنتخبات إدارياً.