يمكن القول إن زيارة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الثانية إلى سوريا تعد محطة جديدة في مسار إعادة ترتيب العلاقات الثنائية بين البلدين، ما يعني الانتقال من مرحلة التفاهم على الملفات إلى البدء بمعالجتها وإيجاد الحلول الناجعة لها.
البعض يرى أن تغير الظروف الدولية والإقليمية بعد سقوط النظام السوري السابق في 8 ديسمبر 2024 والتخلص من هيمنة المحور الإيراني أدى لاستعادة البلدين سيادتهما وقرارهما السياسي المستقل، كما أن القيادتين اللبنانية والسورية تحظيان بدعم دولي وإقليمي واحد ما يُسهل عليهما حل معظم القضايا العالقة بينهما؛ كموضوعات السجناء والمفقودين ومستقبل اللاجئين السوريين في لبنان، والانتقال إلى ترسيم الحدود البرية والبحرية مع ضرورة التشدد في ضبط الحدود ومنع التهريب بكل أشكاله، إلى جانب معالجة المسائل المتعلقة بالأنفاق والمعابر غير الشرعية، إضافة إلى تسهيل حركة العابرين والبضائع، لا بل يسعى البلدان لمراجعة كل الاتفاقيات الموقعة مسبقاً بينهما بما يضمن حق كل بلد في هذه الاتفاقيات وما يتمخض عنها من نتائج.
بالطبع الظروف تغيرت كما القيادات، فالرئيس أحمد الشرع ومنذ وصوله إلى سدة الحكم أعلن أن لا نية لسوريا التدخل في الشأن الداخلي اللبناني، مؤكداً أن لدى القيادة السورية ما يكفي للعمل في بلدها، مشدداً على ضرورة بناء علاقات جيدة والوقوف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، وهو ما أكده في تصريح صحفي في 20 ديسمبر 2024 بالقول: "ثمة قلق كبير وصلنا من الأخوة اللبنانيين بسبب وصولنا إلى دمشق، وإن ذلك قد يقوي طرفاً ضد آخر في لبنان، في الحقيقة لا نسعى لأي علاقة تسلطية مع الجار اللبناني، بل ستكون علاقة احترام متبادل"، وهو ما أكده رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون من أن لبنان يسعى لإقامة علاقات جيدة مع سوريا، تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ابتعاد سوريا ولبنان عن سياسة المحاور
التنسيق المتواصل والمستمر بين البلدين جعل كل فريق يشعر بالندية والتشاركية وحرية اتخاذ القرارات بعد عقود من التعقيد والتوتر والتداخل الأمني والسياسي، فلا وجود لجيش سوري في لبنان ولا وجود لأطراف لبنانية في سوريا، ما يمهد لحل القضايا العالقة بالحوار والتفاهم وتبادل الزيارات وإذكاء فكرة الشراكة الاقتصادية بين الجانبين عبر مسارات الاستثمار والاتفاقيات المتكافئة، كما أن الرئيس سلام أعلن عن تشكيل لجنة وزارية عليا تعمل على تقوية العلاقات بين البلدين كما هو قائم بين لبنان ودول عربية أخرى.
أعتقد أن ما سمعناه من تصريحات متتالية من قيادتي البلدين يؤسس لمرحلة جديدة تكون منطلقاً لتعاون اقتصادي متسارع كالربط الكهربائي واستجرار الغاز من مصر والأردن، إضافة إلى استفادة البلدين من المشاريع الاقتصادية الضخمة المطروحة لتنمية المنطقة كمشروع الحزام والطريق الصيني والممر الهندي ومشروع ربط البحار الأربعة، كذلك تسهيل مرور التجارة اللبنانية إلى دول أخرى بالمنطقة عبر الأراضي السورية، فكل ما تستفيد منه سوريا سيستفيد منه لبنان والعكس صحيح، ما يؤكد عملية التوأمة الجغرافية بين البلدين الشقيقين.
يرى مراقبون أن ابتعاد سوريا ولبنان عن سياسة المحاور يؤسس لعلاقات جديدة تعود بالفائدة والخير على شعبي البلدين، وهو ما أكده رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في ختام زيارته إلى دمشق بعد لقائه الرئيس أحمد الشرع بالقول: إن الجانبين أحرزا تقدّماً كبيراً في معالجة القضايا العالقة، وإن النتائج ستظهر قريباً، وإن لبنان لن يسمح بإعادة استخدام لبنان منصّة لإيذاء الأشقاء العرب وخصوصاً سوريا.
لا شك أن تجاوز الماضي هو السبيل الوحيد لبناء علاقات مستقبلية قائمة على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، والانطلاق من النقطة صفر مع اعتماد الحوار والدبلوماسية وسيلة لحل أي خلاف ينشأ بين الطرفين، بما في ذلك النأي عن الصراعات الإقليمية والتحالفات الدولية، والسعي لبناء علاقات تقوم على التفاهم والاحترام المتبادل.
ما يمكن استخلاصه أن التنسيق السوري اللبناني ضروري في كل وقت؛ لأنه لا يمكن فصل المصالح المشتركة والمتداخلة بين البلدين، إضافة إلى حاجة كل منهما للتنسيق مع الآخر في أي مفاوضات قادمة مع إسرائيل، وهي التي تخطط لاحتلال وقضم المزيد من أراضي الدولتين.