في عالمٍ لم تعد فيه الحروب تُرى بالعين المجردة، ولا تُقاس فقط بعدد الجيوش أو حجم الترسانات، تتشكل جبهات جديدة أكثر تعقيدًا وخطورة. جبهات صامتة، لا يُسمع فيها دويّ الانفجارات، لكنها تترك أثرًا عميقًا في العقول قبل الأرض. في هذا العالم، لم تعد المعركة على الحدود، بل في الوعي؛ حيث تتحوّل المعلومة إلى سلاح، والشائعة إلى أداة نفوذ، والسردية إلى ميدان صراع مفتوح.
في هذا السياق المتغير، وجدت دولة الإمارات العربية المتحدة نفسها، بطبيعتها المنفتحة ومسارها التنموي اللافت في مواجهة حرب من نوع مختلف؛ حرب خفية لا تستهدف فقط السياسات، بل الصورة والنموذج، ولا تراهن على القوة، بل على التشكيك، وتسعى بصمت إلى إعادة تشكيل الإدراك العام، وزعزعة الثقة بالنجاحات المتحققة.
تشابك الجبهات: أمن وسياسة وسرديات غير مرئية
غير أن أخطر ما في المشهد أن هذه الحرب الخفية لا تدور بمعزل عن غيرها، بل تتقاطع بعمق مع مسارين آخرين لا يقلان أهمية. فقد وجدت دولة الإمارات، خلال الأشهر الماضية، نفسها أمام ثلاث حروب متوازيّة تتداخل فيما بينها وتتشابك:
حرب أمنيّة وعسكرية في بيئة إقليمية مضطربة ونتيجة الاعتداءات الإيرانية المتكررة وغير المبررة،
وحرب سياسية ودبلوماسية تتسم بالتعقيد والتشابك في المنابر الدولية،
إلى جانب حرب ثالثة، وهي الأخطر، حرب الشائعات والتأثير، حيث لا تأتي التهديدات دائمًا من خصوم تقليديين، بل أحيانًا من فاعلين غير واضحين، أو من دوائر تبدو في ظاهرها محايدة أو حتى صديقة.
عمليًا، لا تكمن خطورة هذه الحروب في تعددها فحسب، بل في تداخلها العميق وتغذّي كل منها على الأخرى. فالتحديات الأمنية قد تُستَخدم كمدخل لتضخيم روايات سلبية، والضغوط السياسية قد تتحول إلى مادة خام لإعادة إنتاج سرديات مشككة، فيما تعمل حرب الشائعات كقوة مضاعفة تسعى إلى توظيف كل حدث، أياً كان حجمه، لإعادة صياغته ضمن سياق يخدم أهدافًا محددة وموجهة.
معركة الإدراك: من يملك رواية الواقع؟
بهذا المعنى، لا تُخاض هذه الحروب على جبهات منفصلة، بل ضمن منظومة واحدة متشابكة، حيث تصبح المعلومة امتدادًا للسياسة، والصورة انعكاسًا للأمن، والسردية أداة لإعادة تشكيل التوازنات. وهنا تحديدًا تتعقد المواجهة، لأنها لم تعد تقتصر على إدارة الأزمات فحسب، بل باتت تتطلب إدارة الإدراك بوعي عالٍ، وبناء رواية متماسكة قادرة على الصمود في وجه محاولات التشكيك والتشويه.
وفي هذا الإطار، تطرح علامات استفهام كبيرة حول تعرض دولة الإمارات وحدها لأكثر من 50% من الاعتداءات الإيرانية الغاشمة من صواريخ بالستية وطائرات مسيرة، هدفت لتقويض الأمن في هذا البلد الذي يشكل نموذجًا مثاليًا للاستقرار والحياة والمستقبل في المنطقة والعالم. كما تطرح علامات استفهام أكبر بكثير عن سيل الأخبار الكاذبة والصور المفبركة التي رافقت هذه الاعتداءات، بالإضافة إلى موجات متلاحقة من الشائعات والروايات المفبركة غير البريئة التي حاولت أن تطال النموذج الإماراتي وتشوه حضوره.
ففي الساعات الماضية فقط، ومن خلال نظرة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت، تعرضت أبوظبي إلى وابل غير مسبوق من الشائعات والأخبار المزيفة الممنهجة، التي سعت إلى النيل من الصورة العامة للدولة، وإعادة إنتاج روايات غير دقيقة ومفبركة، ضمن حملات منظمة هدفها التشكيك، وإرباك المتلقي، والتأثير في الإدراك العام المتعلق بإنجازات الدولة ومسارها التنموي.
ما وراء الضجيج: قوة النموذج في مواجهة التشكيك
والحقيقة أن حجم هذه الهجمات والحملات الممنهجة من المحتوى السلبي، التي تحاول بسذاجة أن تصطاد في الماء العكر وتنال من نجاحات دولة الإمارات، يدفعنا إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
من هي الأيادي السوداء التي تقف وتدعم وتنفق على هذه الحرب غير المرئية على دولة الإمارات؟
الأكيد أن من يقف خلف هذا الأمر هو كيان أو كيانات غيورة لا تشبه دولة الإمارات بشيء؛ لا في الطموح، ولا في العمل، ولا حتى في ثقتها بنفسها. هي كيانات نقيضة للنموذج الإماراتي في كل شيء، وأهمها غياب الإيمان بالحياة والمستقبل، مقابل الإصرار على استنزاف نجاحات الآخرين. وهي لا تدرك أن طريق الشر لا يلتقي مع طريق الخير، وأن طريق الهدم لا يلتقي مع طريق البناء، وأن من يعيش في الماضي لا يمكن أن يسير نحو المستقبل. والأكيد أن من يقف خلف هذه الحملات لا يدرك جيدًا ماهية النموذج الإماراتي ولا عمق تحصينه المؤسسي والمجتمعي.
فما يغيب عن هؤلاء أن دولة الإمارات لم تعد دولة عادية، وأن قوتها لم تعد مجرد إنجازات ظرفية أو نجاحات متفرقة، بل أصبحت نموذجًا متماسكًا يقوم على رؤية واضحة واستقرار مؤسسي وقدرة عالية على التكيف مع التحولات. وأن هذا النموذج قد بُنيّ على أسس مترابطة ومتينة جدًا، ولذلك فإن محاولات التشكيك، مهما اشتدت، تصطدم بواقع أكثر رسوخًا من أن يُختزل في روايات عابرة أو حملات آنية.
وكما نجحت دولة الإمارات في كسب الرهان في الحرب العسكرية والسياسية بجدارة وتميز، فإنها نجحت أيضًا في مواجهة الحرب التي لا تُرى، بصمتٍ لا ضجيج فيه، وبثباتٍ يقوم على رؤية واضحة أكثر من كونه ردّ فعل على التشويش. فقد استطاعت، عبر قيادة حكيمة قريبة من مجتمعها، ومواطنة مسؤولة واعية، وجاليات متعددة مندمجة في نموذجها، أن تحوّل التحدي إلى عنصر تعزيز لا عنصر إرباك.
نعم لقد كسبت الإمارات الرهان على أرض الواقع. ففي عالمٍ تتداخل فيه السرديات كما تتداخل الرياح في فضاء مفتوح، لم تعد القوة تُقاس بقدرة الدول على الرد، بل بقدرتها على الاستمرار في البناء دون أن تفقد توازنها أمام العاصفة. فثمة دول تستنزفها محاولات التشويش، وثمة دول تتجاوزها بهدوء يشبه اليقين.
وكما قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ونستون تشرشل: "النجاح ليس نهائيًا، والفشل ليس قاتلًا: إنما الشجاعة في الاستمرار هي التي تصنع الفارق".
ولعل ما تكشفه تجربة الإمارات اليوم ليس فقط نجاح دولة، بل حقيقة أوسع: أن الدول التي تعرف طريقها لا تحتاج إلى تبرير حضورها، بل إلى مواصلة السير فيه، حتى يصبح هو نفسه الردّ الأقوى.
وهذا هو ببساطة سر دولة الإمارات..