أيسعى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) دائما إلى إحقاق الحق؟ هذا ما يبدو عليه الحال، ربما.
في أصغر الشركات حول العالم، تُعقد جلسات "عصف فكري" بين أفراد فريق العمل، بغية توليد أكبر عدد ممكن من الأفكار المبتكرة والحلول. ويتمثل الهدف الأساسي في التركيز على كمية الأفكار أولا، ثم تصفيتها للوصول إلى الحل الأمثل.
"فضيحة خيخون"
الاتحاد الدولي أكبر من مجرد شركة. يصفه البعض بـ"جمهورية كرة القدم". يكفي القول إنه يضم 211 اتحادا وطنيا مقابل 193 دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة.
كأس العالم تمثل الحدث الأهم في روزنامة الـ"فيفا"، فهي، خصوصا، الرافد الرئيسي لموارده. لذا، يجدر به الحرص على إيجاد آلية منطقية لمنافساتها.
يشهد تاريخ الاتحاد الدولي على أنّ التطوير في الآليات لم يُعتبر يوما حلّا ولم يكن دليلا على رغبة جامحة في التحسين النهائي. هو أشبه بترقيع ثغرات كانت واضحة لسنوات، واستلزم الأمر سنوات أخرى لرأب صدعها نسبيا، إلى درجة فرضت معها نوعا من البيروقراطية السلبية.
في مونديال إسبانيا 1982، وقعت "فضيحة خيخون". هي واحدة من أشهر وصمات العار في تاريخ كأس العالم. فقد تواطأ منتخبا ألمانيا الغربية والنمسا لتثبيت نتيجة مباراة بينهما بنتيجة 1-صفر لصالح الأول، بهدف التأهل معا وإقصاء الجزائر عمدا.
كان الاتحاد الدولي في حينها "صافي النية". لم يتنبّه إلى أنّ المباراة بين الجزائر وتشيلي ستقام قبل المواجهة بين ألمانيا الغربية والنمسا، ما يعني بأنه سيكون بمقدور الأخيرتين الاتفاق على سيناريو معيّن يضمن لهما التقدم في البطولة سويّا على حساب "محاربي الصحراء".
بعد خراب مالطا، استفاق الـ"فيفا" وقرر، متأخرا كالعادة، اعتماد آلية جديدة في النسخة التالية، 1986 في المكسيك، لإحقاق الحق، تمثلت في إقامة المباراتين الأخيرتين من منافسات كل مجموعة في التوقيت نفسه بهدف تحاشي التلاعب.
البطولة انطلقت في 1930، وبغضّ النظر عن النظام المتبع منذ ذلك الحين وحتى 1982، يُطرح سؤال: ألم يفكر رجالات "فيفا" في عقد جلسة "عصف فكري" لتفادي فضيحة مثل تلك التي كان بطلاها ألمانيا الغربية والنمسا؟ لا يمكن القبول بأيّ عذر على هذا المستوى من المناسبات العالمية المُتابعة على نطاق واسع.
حتى "حَلّ 1986" جاء فضفاضا ولا يكفل "تكافؤ الفرص" بين المنتخبات.
في كل كأس عالم، توزَّع الفرق على مجموعات لتخوض في ما بين مباريات تحدد نتائجها ترتيبَ كل منها.
ثمة مجموعات تنتهي المنافسة فيها ويُعرف ترتيب فرقها قبل غيرها. هنا، تظهر "الثغرة". ففي المجموعات التي لم ينتهِ فيها الصراع، تحصل منتخباتٌ على فرصة لتحديد خصومها في الدور الإقصائي الأول وفقا لترتيب الفرق التي فرغت من المنافسة.
على سبيل المثال، أنهت البرازيل منافسات المجموعة الثالثة في مونديال 2026، في المركز الأول أمام المغرب. وبموجب الجدول الموضوع مسبّقا، يلعب ثاني المجموعة السادسة (هولندا واليابان والسويد وتونس) مع بطل المجموعة الثالثة (البرازيل). هذا يعني بأنّ فرق "السادسة" ستخوض الجولة الثالثة الأخيرة بهدف تحاشي مواجهة البرازيل القوية في دور الـ 32. هولندا الأولى راهنا (4 نقاط) تلتقي تونس الرابعة الأخيرة (صفر)، واليابان الثانية (4) تواجه السويد الثالثة (3).
"عصف فكري"
هولندا متعادلة مع اليابان نقاطا وبفارق الأهداف (+4). وبالتالي، لن يلعب "المنتخب البرتقالي" فقط كي ينهي المنافسة متصدرا ويرضي جمهوره، بل كي يتفادى البرازيل. الأمر نفسه ستسعى إليه اليابان. هو سيناريو مشابه نوعا ما لـ"فضيحة خيخون" وإن اختلفت النوايا ظاهريا. هذا تلاعب مصلحيّ يُمارَس تحت القانون من من دون علم أحد وبعلم الجميع. هي ثغرة غير مسموح بها في النسخة 23 مما يُعرف بـ"العرس العالمي" للرياضة الأكثر شعبية.
ما يحصل في مونديال 2026 لا يقتصر على تحديد المنافس في دور الـ32، بل يمتد إلى منح البعض فرصة لاختيار مسارهم في الأداور الإقصائية وصولا إلى المباراة النهائية، وفق جدول فرضه الاتحاد الدولي فرضاً.
في كأس العالم 1986، خاضت ألمانيا الغربية آخر مباريات دور المجموعات أمام الدنمارك وخسرت بهدفين. خسارة؟ على الورق فقط. إذ على إثر هذه النتيجة، حل الألمان في المركز الثاني في مجموعتهم هربا من المسار الصعب. "اختاروا" المغرب خصماً لهم في دور الـ16 وفازوا عليه بهدف. كانوا يدركون أيضا بأنّ المكسيك أو بلغاريا ستنتظرهم في ربع النهائي. هذا ما كان. فازوا على المكسيك بركلات الترجيح، وبلغوا دور الأربعة من دون عناء.
استفادت ألمانيا من كون مباراتها الأخيرة في دور المجموعات تسمح لها باختيار النتيجة التي تناسبها لتحديد المسار. ألم تكن تلك "مؤامرة مصلحة" أيضاً؟
أين الاتحاد الدولي من كل ما يحصل اليوم؟ لم ذاك الإصرار على تحديد من يلعب ضد مَن في الأداور الإقصائية؟
في جلسة "عصف فكري" مُفترَض في "جمهورية كرة القدم" وبحضور "ملوكها ورؤسائها"، كانت ورقة عمل جاثمة على طاولة البحث تشمل آلية مثالية: ننتهي من دور المجموعات الذي تفرز منافساته 32 فريقاً متأهلا. نأتي بلائحة التصنيف الشهري للمنتخبات والصادرة عن الاتحاد الدولي. نضع أعلى 16 منتخبا مصنفا من المتأهلين في وعاء، والـ 16 الأخرى في وعاء ثانٍ. ثم نجري القرعة، اسم من هنا واسم من هناك لتحديد مباريات دور الـ 32. وفي دور الـ16 نوزعها 8 في وعاء بحسب التصنيف أيضا و8 في وعاء آخر. وهكذا دواليك.
هنا، لا يمكن لأحد، وبأيّ حال من الأحوال، التذاكي باعتماد "تلاعب قانوني".
لنرجع إلى الواقع. الاتحاد الدولي، الغارق بتعقيدات لوجستية، لن تروق له هذه الآلية، فجمهور هذا المنتخب أو ذاك قام بحجوزات فندقية وابتاع تذاكر سفر بناءً على جدول مباريات معدّ سلفا. لا يريد "فيفا" إنهاك كاهل الجمهور ولا يريد إرباك فرقه العاملة. يريد خطة عمل واضحة وبطولة معلّبة، و"لتذهب المنتخبات إلى الجحيم".
الآلية المطبقة راهنا تنافي مبدأ "تكافؤ الفرص" وتغضّ الطرف عن إحقاق الحق. لا يهم. أيّ نوع من أنواع "العصف الفكري" ممنوع، وإن لمرة واحدة نهائية.
نَعم لـ "العصف" بالمنطق. نَعم لـ"قتل" أيّ فكرة منطقية.
عاش الـ"فيفا"، فلتحيا العدالة.