الاستمطار الصناعي.. هل ينهي أزمة المياه في العالم؟

شاركنا:
نصف سكان العالم سيواجهون نقصا كبيرا في المياه بحلول عام 2030 (أ ف ب)
هايلايت
  • الاستمطار الصناعي يعني تلقيح السحب من خلال استخدام مواد كيميائية أو شحنات كهربائية لزيادة الأمطار.
  • الاستمطار يستخدم كوسيلة لمواجهة الاحتباس الحراري وابتكر لأول مرة بعد الحرب العالمية الثانية.
  • الصين استخدمت الاستمطار للحفاظ على درجة حرارة لا تتجاوز 30 درجة مئوية خلال أولمبياد بكين 2008.

تلعب السحب دورا محوريا في التنبؤات والإنذارات الجوية التي تساعد في دفع دورة الحياة ونظام المناخ بأكمله.

ولطالما كانت المستوطنات البشرية تتمحور حول مصادر المياه، لكن العالم اليوم يواجه موجات جفاف غير مسبوقة بسبب التغير المناخي، لذا تعتمد بعض دول العالم على تقنية الاستمطار الصناعي لمكافحة أزمة شح المياه.

حسب تقرير للأمم المتحدة، ازدادت نسبة الجفاف في العقدين الأخيرين بنسبة 29%.

وحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فالاستمطار الصناعي يساعد الدول التي تشهد نقصا في المياه على تحسين وضعها، من خلال رفع مخزون المياه المستخدمة في الأنشطة الزراعية، إضافة إلى تعديل الطقس.

فما هو الاستمطار الصناعي؟ ما الفرق بينه وبين المطر الطبيعي؟ ما هي فوائده؟ وهل يمكن لأي دول القيام بالاستمطار الصناعي؟

ما هو الاستمطار الصناعي؟

تتكون السحب عندما يرتفع الهواء المحتوي على بخار الماء إلى الغلاف الجوي، ويبرد ويشكل جزئيات جليدية، بمجرد تجمع ما يكفي من هذه الجسيمات، تتشكل سحابة، داخل السحابة تتحد الجسيمات الجليدية.

عندما تنمو القطرات المجمعة بشكل كبير وثقيل بدرجة كافية، فإنها تسقط على الأرض كشكل من أشكال هطول الأمطار: المطر أو الثلج أو البرد، اعتمادا على درجة الحرارة والظروف الجوية الأخرى.

مع استمطار السحب، تضاف إلى السحب جزيئات صغيرة من يوديد الفضة، وهو ملح ذو بنية بلورية مماثلة لتلك الموجودة في الجليد.

يمكن إجراء هذه العملية إما من خلال طائرة أو طائرة من دون طيار، أو يمكن إطلاق الجزيئات من الأرض، ولنجاح العملية هناك حاجة لوجود بعض السحب القادرة على الاستمطار.

ويعتبر استمطار السحب تقنية لتعديل الطقس تعمل على تحسين قدرة السحابة على إنتاج المطر أو الثلج عن طريق إدخال نوى جليدية صغيرة في أنواع معينة من السحب تحت التجميد.

الاستمطار الصناعي Cloud seeding، هو تقنية تهدف إلى تساقط الأمطار بشكل صناعي في منطقة تعاني من موجات الجفاف.

تعود أولى محاولات الاستمطار الصناعي إلى القائد الفرنسي نابوليون بونابارت في القرن 17، حيث حاول إطلاق قذائف نحو الغيوم، لكن محاولته فشلت في هطول الأمطار.

وعام 1946 اكتشف الكيميائي الأميركي فينسينت شايفر، الاستمطار الصناعي عقب الحرب العالمية الثانية، كان الغرض منه مكافحة الجفاف والجوع في المناطق التي يندر فيها هطول الأمطار، ونفذت أستراليا أول تجربة ناجحة للاستمطار الصناعي عام 1947.

عوامل الاستمطار الصناعي

في كل عملية استمطار صناعي تؤثر العوامل التالية على نجاح العملية أو فشلها:

  • دراسة الغيوم: التحدي الكبير لتعديل الطقس الاصطناعي هو تحديد الغيوم الأكثر الملاءمة، هذه التقنيات، من دون سحابة، تصبح عديمة الفائدة، وليس كل نوع من السحب يمكن أن ينتج زخات مطرية. يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار طبيعة السحابة قبل بدء التجربة المادية.
  • تقنيات التوصيل: يجب استخدام خالط المروحية المناسب للحصول على تشتت دقيق للسحب، ويمكن استخدام يوديد الفضة مع الكريستال السداسي لتحريك نواة السحب.
  • مراقبة السحب بعد عملية الاستمطار: يوصى بمراقبة مسار السحب باستخدام تقنيات الرادار المتقدمة.

أنواع الاستمطار الصناعي

تنفذ عملية الاستمطار الصناعي عبر استخدام الطائرات من دون طيار أو الصواريخ لتحقن المواد الكيميائية في السحب، يجب أن تكون درجة برودة السحب مناسبة ليكون حقنها فعالا.

هناك طريقتان رئيسيتان لاستمطار السحب:

  • الطريقة الأولى هي استمطار السحب بالرطوبة. وتهدف إلى تسريع اندماج القطيرات في السحب السائلة، مما يؤدي إلى إنتاج قطيرات كبيرة تبدأ في الترسب بشكل يمكنها من الهطول كأمطار.
  • الطريقة الثانية في إنتاج الجليد في السحب فائقة التبريد خلال المواسم الدافئة، مما يؤدي إلى هطول الأمطار. عادة ما يتم استمطار السحب الجليدية عن طريق تشتيت نوى جليدية فعالة، مثل جزيئات يوديد الفضة أو الجليد الجاف مثل ثاني أكسيد الكربون الصلب في السحابة، ما يتسبب في تنوي الجليد غير المتجانس.

أو يمكن استخدام ثاني أكسيد الكربون السائل الذي يبرد السحابة بشكل كاف، بحيث تتجمد قطرات الماء فائقة التبريد بشكل متجانس.

تكنولوجيا الاستمطار الصناعي

هناك 3 أنواع من تكنولوجيا الاستمطار الصناعي:

  • تكنولوجيا نانو: تقنية تهدف إلى زيادة كميات المطر من خلال صناعة جسيمات معالجة بتقنية نانو. هذه الجسيمات تعد مواد محدثة لتلقيح السحب لها فعالية أكبر في امتصاص البخار وتحويله لمياه. نتائج استخدام هذه التقنية كشفت أن الجسيمات المحدثة تنتج قطرات ماء أكبر من التقنية التقليدية بنسبة 300%.
  • رادارات الاستشعار عن بعد: هذه التقنية المتقدمة تدرس وتتنبأ مناطق تلاقي الرياح التي تعد عاملا أساسيا في هطول الأمطار. لتنجح عملية البذر السحابي يجب مرصد حركة الرياح التي تحمل السحب وتوجه اتجاهها.
  • الشحنات الكهربائية: كُشف عن آخر تحديث لهذه التقنية في إكسبو دبي 2020. تلقيح السحب عبر توجيه شحنات كهربائية يهدف إلى إحداث خلل في التوازن بين الموجات الكهربائية الموجبة والسلبية التي تتضمنها قطيرات المياه في الغيوم. هذا الخلل يحفز الموجات ويدفعها للتجمع بدل التنافر، ما يزيد من حجمها لتتساقط في نهاية المطاف.

تكلفة الاستمطار الصناعي

تعتبر عملية الاستمطار الصناعي مكلفة، حيث يتراوح سعرها ما بين 50 إلى 450 دولارا لقدم واحد من المياه، لأن المواد الكيميائية مثل يوديد الفضة باهظة الثمن.

فوائد الاستمطار الصناعي

  • يستخدم الاستمطار الصناعي لتعديل الطقس وتقليل عواصف البرد في مواسم الصيف، هذه العواصف مسؤولة عن أضرار جسيمة للزراعة.
  • يفيد المناطق الحارة والجافة.
  • يسمح بتوفير مخزون مياه للأراضي الزراعية وتوليد الطاقة.
  • يساعد في الحد من الفقر من خلال تعزيز الأمن الغذائي.
  • يعزز من كمية المحاصيل الزراعية وبالتالي يدعم الاقتصاد.
  • يعتبر الطقس أحد العوامل الرئيسية للترويج للسياحة. عام 2008 خلال أولمبياد بكين، استخدمت الصين هذه الطريقة للحفاظ على درجة حرارة لا تتجاوز 30 درجة مئوية.
  • تستخدم تقنيات الاستمطار الصناعي أيضا لتفرقة الغيوم وتقليل خطورة حدوث فيضانات.

تحديات الاستمطار الصناعي

يزيد الاستمطار الصناعي من كمية الأمطار بنسبة 10-15%، لكن بعض الناس يجادلون بأن هذه الميزة لا تفوق المخاطر على السلامة العامة والبيئة، قد تخفض المواد المستخدمة في تلقيح السحب، مثل يوديد الفضة، من نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون.  

لتفادي الآثار السلبية على البيئة، جرب العلماء بدائل غير مضرة مثل كلوريد الكالسيوم. ويبحث خبراء الطقس إمكانية استخدام الأيونات السالبة الشحنة لاستمطار السحب بدل الجسيمات الشبيهة بالبلورات الجليدية.

تأثير يوديد الفضة على هطول الأمطار

منذ العصور القديمة، عُرف معدن الفضة بخصائصه المضادة للبكتيريا، إذ كان يستخدم في تقنية المياه، كما استعمل في المراهم لتنظيف الجروح، لكن في المقابل ليوديد الفضة المادة المستخدمة في استمطار السحب، آثارا سلبية وهذه أبرزها:

  • غالبية يوديد الفضة المستخدم في الاستمطار الصناعي تبقى في الترب قرب مكان الانبعاث.
  • بالنسبة للنباتات، فجذورها تمتص يوديد الفضة 3 مرات أكثر من النباتات نفسها.
  • أما الحيوانات فتمتص 10% من يوديد الفضة وتتمركز في الرئتين والجهاز الهضمي.
  • بالنسبة للمياه فيوديد الفضة شديد السمية في البحار وقد يضر بالأسماك والبرمائيات.
  • بالنسبة للإنسان فيمتص يوديد الفضة من خلال التنفس ومن خلال الجلد. وقد يتسبب التعرض له إلى حدوث التهاب في الكلى والرئة والجلد.

من التحديات الأخرى للاستمطار الصناعي هو أن زيادة هطول الأمطار في منطقة قد ينقص هطول الأمطار في منطقة أخرى، كما أن استقطاب السحب المناسبة لعلمية الاستمطار قد يجذب سحب دولة مجاورة، ما قد يؤجج الخلافات.

أحيانا، قد تتسبب عمليات الاستمطار الصناعي في فيضانات، في عام 1972، شهدت مدينة سيتي في ولاية ساوث داكوتا الأميركية فيضانا مفاجئا بعد عملية للاستمطار الصناعي.

قد تستخدم تقنيات تعديل الطقس لأغراض عسكرية أيضا، كما كان الحالة أثناء عملية "باباي" التي قادتها الولايات المتحدة في حرب فيتنام.

كان الهدف منها هو إطالة الرياح الموسمية والأمطار لقطع الطريق على العدو. وعام 1977، اعتمدت معاهدة دولية تهدف إلى حظر استخدام تقنيات التعديل البيئي للأغراض العسكرية.

عملية الاستمطار في العالم

ما يقرب من 40 دولة حول العالم لديها برامج للاستمطار الصناعي، من أكثر هذه الدول تطورا في المجال الصين وتايلاند وروسيا.

ساهم البحث العلمي والتطوير التكنولوجي من استخدام الاستمطار الصناعي في مناطق عربية تشهد شحا في الأمطار مثل الإمارات، السعودية، المغرب، والأردن.

دولة الإمارات

وعام 2003، أطلق مؤسس دولة الإمارات الشيخ زايد آل نهيان جائزة عالمية للاستمطار تكريما وتشجيعا للخبراء في المجال، آمن الشيخ زايد بأهمية تطوير علوم الاستمطار في الإمارات، وفي عام 2007 تأسس المركز الوطني للأرصاد الجوية والزلازل.

تلقيح السحب

وعام 2010، كانت أول عملية استمطار صناعي ناجحة في الإمارات، ثم في عام 2015، أسس المركز الوطني للأرصاد الإماراتي برنامج الإمارات لبحوث علوم الاستمطار.

وخلال النصف الأول من عام 2019، نفّذت الدولة أكثر من 200 طلعة جوية لتلقيح الغيوم شملت مختلف مناطق الإمارات، معتمدة على رادارات متطورة وطيارين وفنيين يتجاوبون بشكل سريع مع السحب المناسبة لعملية الاستمطار.

بعد 10 سنوات، استخدمت الإمارات تكنولوجيا حديث توظف الشحنات الكهربائية بدلا من المواد الكيميائية في تلقيح السحب.

وتعتمد الإمارات أيضا على تقنية "النانو" الحاصلة على براءة اختراع في جامعة خليفة في أبو ظبي، وهي تقنية حديثة تتكيف مع الظروف الجوية في الخليج العربي.

وتعتبر تجارب التلقيح الصناعي في الإمارات ناجحة، خصوصا إذا أخذنا في عين الاعتبار مناخ الدولة الجاف، حيث تقل نسبة هطول الأمطار عن 100 ملم في السنة، كما أن نسبة التبخر السطحي مرتفعة.

السعودية

وتستثمر السعودية في الاستمطار الصناعي لكونها من أكثر دول العالم جفافا، إضافة إلى عدم احتوائها على مسطحات مائية دائمة مثل الأنهار والبحيرات.

بدأت السعودية برنامج الاستمطار الصناعي عام 1976 بشراكة مع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، حين قامت بأول تجربة في عسير والرياض والقصيم.

وتمتلك السعودية برنامج البذر السحابي وهو من مخرجات قمة الشرق الأوسط الأخضر التي أعلن عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان العام الماضي، تماشيا مع رؤية المملكة لعام 2030.

وتعمل المملكة من خلال البرنامج على تحسين مناخها والمساهمة فيه من خلال زيادة هطول الأمطار التي لا تتعدى معدل 100 ملم سنويا.

المغرب

ومنذ عام 1984، أطلق المغرب برنامج "الغيث" بشراكة مع الولايات المتحدة، ويهدف إلى رفع نسبة الأمطار والثلوج من خلال الاستمطار الصناعي.

وخلال السنوات الأخيرة، لجأ المغرب من جديد إلى تلقيح السحب في ظل استمرار انحباس الأمطار وتداعياته السلبية على المردود الزراعي للبلاد.

ويستخدم المغرب مواد كيميائية مثل "يوديد الفضة" للسحب الباردة، و"ملح كلوريد الصوديوم" للسحب الدافئة.

حسب معطيات رسمية، فإن الاستمطار الصناعي يساهم في زيادة التساقطات بنسبة تتراوح بين 14% و17%.

الأردن

وعام 2016، أجرى الأردن أول عملية استمطار صناعي في البلاد، واستغرقت التجربة ساعتين ونفذت فوق سد الملك طلال شمالي الأردن.

ويُعتبر الأردن ثالث أفقر دولة في العالم من حيث حصة الأفراد من الماء، لذا تعد عملية الاستمطار الصناعي من الحلول التي قد تكون ناجعة لمواجهة شح المياه في البلاد.

مصر

وعام 2021، وقعت مصر اتفاقا مع ألمانيا للتعاون في مجال الاستمطار الصناعي لتعزيز مواردها المائية، من خلال الاعتماد على التكنولوجيا الألمانية.

وتتوقع هيئة الأرصاد الجوية المصرية نجاح التجربة لأن طقس البلاد يتميز برطوبة عالية.

تايلاند

وتُعد تايلاند من الدول التي تعتمد على الاستمطار الصناعي في كل عام لمحاربة تلوث الهواء.

وتعرف بانكوك بغلاف جوي ملوث بسبب غياب الرياح وشح الأمطار وارتفاع درجات الرطوبة، وتستخدم طائرات من دون طيار لتلقيح الغيوم بكميات كبيرة من المواد الكيميائية للتكون بلورات جليدية تتساقط كشتاء.

الصين

وفي صيف عام 2022، بدأت الصين في تلقيح الغيوم المطيرة، عبر استخدام طائرات من دون طيار، في مقاطعة سيتشوان جنوب غربي البلاد، حيث تعاني المنطقة من جفاف غير مسبوق، ما أدى إلى ضعف إنتاج الطاقة وتعطيل سلاسل التوريد.

وتعتبر الصين من الدول التي تمتلك أكثر برامج الاستمطار الصناعي قوة، حيث لجأت ما لا يقل عن 10 مناطق على مستوى المقاطعات في وسط وجنوب الصين إلى تحسين هطول الأمطار للحث على هطول الأمطار في المعركة ضد أقوى موجة حرارة مستمرة، منذ 6 عقود.

وعام 2018، قامت الصين بأكثر من عملية استمطار الصناعي فوق مساحة تقدر بـ 3 أضعاف مساحة إسبانيا، حيث تنتج البلاد أكثر من 55 مليار طن سنويا من الأمطار الصناعية، وتستخدم طائرات عسكرية وتكنولوجيا متطورة لإنجاح عمليات تلقيح السحب.

وأكدت إدارات الأرصاد الجوية الصينية تأثير هذه العملية في التخفيف من حدة الجفاف وخفضه.

ويحذر بعض الخبراء من أضرار عملية الاستمطار الصناعي، إذ قد تؤدي إلى حدوث فيضانات، لكن الأكثر ضررا هو تهديد الأمن المائي الذي يشكل أولوية لكل بلد، فمن دون ماء لا زراعة ولا حياة ولا بلد.

حسب تقارير الأمم المتحدة، سيواجه ما يقرب من نصف سكان العالم نقصا كبيرا في المياه بحلول عام 2030، لكن هذا لا يعني أن الاستمطار الصناعي قد يكون حلا وحيدا أو نهائيا لأزمة المياه حول العالم، بل قد يكون جزءا بسيطا من الحل.

(المشهد)