يُعد تخطيط العقل وسيلة فعالة لتدوين الملاحظات وطرح الأفكار في موضوعات معينة، والتفكير والتحليل واتخاذ القرارات المناسبة في القضايا المختلفة.
وتساعد الخرائط الذهنية بشكل كبير الأشخاص على فهم بيئة أو قضية معينة وتحديد واستكشاف العلاقات مع المحيط بشكل أوسع، نظرا لأنها تتيح بشكل مرئي الارتباطات بين النقاط والفكرة الرئيسية وترتيبها.
تعريف الخرائط الذهنية
تعود الخرائط الذهنية إلى فلاسفة اليونان القديمة وليوناردو دافنشي خلال عصر النهضة، إذ تعتبر رسما تخطيطيا يستهدف تمثيل المعلومات أو تحديدها بشكل مرئي لترجمة ما يدور في العقول إلى صور مرئية يمكن من خلالها التفكير في أمر محدد أو اتخاذ قرار ما.
وتمثل الخريطة الذهنية تصور الشخص لما يحيط به، إذ تقوم عقولنا بشكل لا شعوري بإنشاء خرائط ذهنية لمساعدتنا على فهم شكل بيئتنا وكيفية التفاعل مع العناصر والأشياء الموجودة بداخلها.
ويمتلك الأشخاص المختلفين خرائط ذهنية مختلفة، وذلك نظرا للاختلافات التي تنبع من تجاربهم وتحيزاتهم وافتراضاتهم.
ويمكن لأي شخص أن يقوم بإعداد خريطة ذهنية لمكان لم يزره من قبل، بالرغم من أنها قد لا تكون دقيقة تماما من منظور جغرافي أو مكاني، لكنه سيكشف عن رؤى حول معلوماته الأساسية وافتراضاته حول المساحة.
ووفق جامعة أديلايد، في أستراليا، تتضمن الخريطة الذهنية تدوين موضوع رئيسي أو مركزي، والتفكير في الأفكار الجديدة وذات الصلة التي تنطلق من الموضوع، من خلال التركيز على الأفكار والنقاط المكتوبة والبحث عن روابط فيما بينها، إذ يمكن تعيين المعرفة بطريقة تساعدك على فهم المعلومات والاحتفاظ بها بشكل أفضل.
وتساعد الخرائط الذهنية في وصف تصور الشخص لمنطقة أو قضية أو بيئة معينة، حيث يكون هناك العديد من الحالات التي يتم الاستعانة بالخرائط الذهنية للمساعدة في تحديد واستكشاف علاقة الشخص بمحيطه، لتساعد على فهم كيف ينظر الشخص إلى نفسه.
وتعتبر الخريطة الذهنية أداة فعالة للغاية يستخدمها المبدعون والمسوقون ومديرو المشاريع لإلهام فرقهم، فضلا عن إثارة الأفكار الإبداعية لدى الموظفين من خلال تنظيم الجداول الزمنية والمسؤوليات.
قد يبدو الأمر وكأنه أداة عمل صعبة، ولكن من المحتمل أن الجميع استخدم الخرائط الذهنية من قبل، سواء كان ما يسمى بـ "مخطط العنكبوت" في المدرسة، أو التخطيط لكتابة بحث أكاديمي.
وبينما نتعلم جميعا بشكل وطرق مختلفة، فإن الكثير ينسجم مع التعلم المرئي، لذا تستخدم الخرائط الذهنية لمساعدتنا في الاحتفاظ بالمعلومات بشكل أكثر فعالية.
ما شكل الخرائط الذهنية؟
الخريطة الذهنية عبارة عن رسم توضيحي بكلمة رئيسية أو عبارة في المنتصف، وخطوط تتصل من المنتصف بفكرة رئيسية، وحتى المزيد من الخطوط التي تربط بين الأفكار الرئيسية والتفاصيل.
وتنشئ الارتباطات عند تدوينها أداة مرئية تُعرف باسم الخريطة الذهنية، وهي أداة اتصال وإبداع قوية. وغالبا ما يُقال إن الخرائط الذهنية تبدو وكأنها شبكات عنكبوتية، نظرا لأنها يمكن أن تحتوي على أكثر من ثلاثة مستويات (الوسط والأفكار الرئيسة والتفاصيل).
وتهدف الخريطة الذهنية بشكل رئيس إلى تنظيم الأفكار، خاصة أن تنظم الأدمغة البشرية لا تنظم كل المعلومات في شجرة هرمية واحدة، إذ يساعد الارتباطات التي تنطلق من نقاط اتصال مختلفة، العقول على التنقل بين مجموعة كبيرة من المعلومات لاتخاذ القرارات بسرعة.
من يمتلك خرائط ذهنية؟
كل شخص لديه خرائط ذهنية يستخدمها عند الحاجة. فكل شخص لديه خريطة واضحة في ذهنه للمكان الذي يعيش فيه، وتسمح له بالانتقال إلى أقرب مقهى، أو منزل صديقك، ومكان العمل دون مساعدة التكنولوجيا أو الخرائط المادية. لذا فالجميع يستخدم خرائطه الذهنية لتخطيط جميع الأنشطة وطرق السفر تقريبا.
وفي أي وقت قد تتخيل فيه كيفية الوصول إلى مكان ما أو كيف يبدو مكان ما، فإنك تستخدم خريطة ذهنية، دون حتى التفكير في الأمر. ويتم دراسة هذا النوع من رسم الخرائط من قبل الجغرافيين السلوكيين لمساعدتهم على فهم كيفية تحرك البشر.
العناصر الأساسية للخريطة الذهنية
تتناسب دراسة الخرائط الذهنية وتصورات الناس للعالم من حولهم مع العديد من التخصصات الاجتماعية والعلمية، إذ اكتشفت بعض حالات الاستخدام المتنوعة للخرائط الذهنية في مجالات الدراسة المختلفة.
ونظرا لأن الخرائط الذهنية يتم إنشاؤها في عقل شخص ما، فلا توجد قواعد صارمة حول ما يجب أن يكون موجودا فيها، لذلك تختلف العناصر الموجودة في الخريطة الذهنية اختلافا كبيرا اعتمادا على حجم المساحة.
وتحتاج الخرائط الذهنية إلى احتواء الميزات التي قد تستخدمها لتوجيه نفسك داخل المساحة، حيث إنه من المحتمل أن تتضمن الخريطة الذهنية للمكتب على سبيل المثال أشياء مثل الطاولات والكراسي والخزائن والممرات والسلالم. لذا فإن أي شيء تستخدمه لتوجيه نفسك أو التنقل عبر مساحة معينة يمكن أن يتم وضعه على خريطتك الذهنية لتلك المساحة.
فوائد الخرائط الذهنية
يساعد الاستعانة بالخرائط الذهنية، في تحقيق مستويات أعلى من التركيز والإبداع، إلى جانب تنظيم أكبر وتواصل أكثر إيجازا، إذ قد يمثل رسم الخرائط الذهنية استراتيجية فعالة في العديد من الموضوعات والأفكار التي تحتاج إلى الكثير من الاتجاهات.
وتتضمن بعض فوائد رسم الخرائط الذهنية ما يلي:
تقييم المعرفة: تُظهر الخريطة الذهنية مقدار ما يعرفه الشخص -أو يعتقد أنه يعرفه- عن شيء ما، حيث يمكن من خلالها رؤية الفجوات المعرفية بشكل أكثر وضوحا.
الكشف عن الأفكار المسبقة والتحيزات: نظرا لأن الخرائط الذهنية تستند إلى تصورات الشخص، فإن العديد من الخرائط الذهنية تحتوي على معلومات غير واقعية. فقد يرى الناس أن بعض الأحياء غير آمنة، عندما تكون معدلات الجريمة هناك مماثلة أو أقل من المناطق الأخرى التي يُنظر إليها على أنها آمنة.
فهم التجارب المختلفة: يمكن أن يكون لدى الأشخاص المختلفين تجارب مختلفة إلى حد كبير في نفس المكان. حيث إن إنشاء مجموعة من الأشخاص خرائط ذهنية لنفس المنطقة ستمنح نظرة أكثر شمولا للمنطقة، بما في ذلك ما يجري هناك وكيف يشعر الناس حيالها.
تسهيل عملية التطوير: تساعد الخرائط الذهنية على فهم تصورات الأشخاص عن قضية معينة، بما يتيح الفرصة لإيجاد طرق لتحسين الأعمال.
نماذج الاستعانة بالخرائط الذهنية
الجغرافيا والدراسات الثقافية
يساعد البحث في رسم الخرائط الذهنية، الجغرافيين وعلماء الأنثروبولوجيا الثقافية على فهم كيفية تفاعل الناس في منطقة معينة مع العالم ووصف محيطهم، إذ تكشف عن شعور الناس تجاه المنطقة، ما يؤدي إلى مزيد من الأفكار حول تاريخها وتنوعها، إلى جانب بيانات أخرى.
علم النفس وعلم الاجتماع
تعتبر الخرائط الذهنية عملية نفسية تتضمن تسجيل وترميز وتخزين واستدعاء وفك تشفير المعلومات المتعلقة بالبيئة المكانية. فعند تخيل أي مكان معين، فإن التجارب الشخصية السابقة والتصورات ستؤثر دائما على الرأي - سواء كان يعرف ذلك بوعي أم لا.
وتساعد دراسة الخرائط الذهنية علماء النفس وعلماء الاجتماع على فهم أفضل لما يفكر فيه الناس حول الأماكن المختلفة وكيف يمكن أن تؤثر هذه الأفكار على سلوكهم.
السياسة الخارجية
تساعد الخريطة الذهنية الباحثين السياسيين على فهم تصورات الناس للحدود الوطنية، والتي يمكن أن تشكل السياسة الخارجية والحوكمة والتجارة. إذ إنه من الصعب حل نزاع مستمر بين دولتين إذا كان لدى المواطنين من كلا الجانبين آراء مختلفة حول الحدود المشتركة.
كيفية رسم الخرائط الذهنية؟
نظرا لأن التخطيط الذهني يعتمد على نظرة الشخص المتفردة، فإن إنشاء خريطة ذهنية لمنطقة مألوفة، مثل المنزل أو المكتب أو المنطقة، يجب أن يكون أمرا سهلا، على عكس إنشاء خريطة ذهنية لمنطقة لم يتم زيارتها من قبل أو مكان غير مألوف، إذ يجب الاعتماد على الخيال والمعلومات المتاحة قدر الإمكان.
يمكن اتباع الخطوات التالية لإنشاء خريطة ذهنية:
1- ضع الفكرة الرئيسية أو نقطة التحكم في وسط صفحتك.
2- استخدم الخطوط والأسهم وفقاعات الكلام والفروع والألوان المختلفة كطرق لإظهار الصلة بين الفكرة المركزية/الفكرة الرئيسية وأفكارك التي تنبع من ذلك التركيز.
3-تجنب إنشاء رسومات فنية، يجب أن ترسم بسرعة دون التوقف كثيرا أو التحرير. فمن المحتمل أن تكون فكرتك الأولى جيدة.
4-تجميع المعلومات المتشابهة معا وتشكيل فروع فرعية.
5-اختر ألوانا مختلفة لترمز إلى أشياء مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار اللون الأزرق لشيء يجب عليك تضمينه في ورقتك، والأسود للأفكار الجيدة الأخرى، والأحمر لـ الأشياء التي تحتاج إلى البحث عنها أو التحقق منها. وحاول أن تظل متسقا حتى تتمكن من التفكير بشكل أفضل في خريطتك الذهنية في وقت لاحق.
6-إخلاء بعض المساحة على الصفحة، حيث يمكنك الاستمرار في إضافة الأفكار والنقاط إلى الرسم التخطيطي.
كيف تحول خريطتك الذهنية إلى مقال؟
من الجيد دائما التفكير في القضايا التي تحيط ببعض الموضوعات ورسم خرائط ذهنية باعتبارها شكلا ممتازا من أشكال العصف الذهني. لكن حين يتم تحويلها إلى مقال يجب أن يكون للمعلومات التي تتكون منها فقراتك علاقة بالنقاط الرئيسية.
حيث يبدأ القرار بشأن ما يجب تضمينه في فقرات المقال بالأفكار، ومن الناحية المثالية، يجب أن تحتوي كل فقرة في المقالة على فكرة واحدة أو تغطي جانبا واحدا ذي صلة بالقضية أو الفكرة الرئيسية في خريطتك الذهنية.
بناء خرائط ذهنية قوية
لا تعتبر الخرائط الذهنية مجرد طريقة للتفكير فقط، بل إنها طريقة للاستكشاف، إذ تشكل الخرائط المترابطة نظاما ديناميكيا ومتطورا باستمرار حيث تنتشر المعلومات الجديدة والأسئلة الجديدة عبر شبكة الأفكار الداخلية لإعادة تشكيل المعتقدات.
وبنفس الطريقة التي يمكن بها الرجوع بسهولة إلى الخريطة التقليدي، يجب أن تكون الخرائط الذهني كذلك.
وفي سبيل تقليل العبء المعرفي، قد تكون أدوات التفكير المرئي مثل الخرائط الذهنية وخرائط المفاهيم مفيدة بدرجة كبيرة، حيث إن بناء رسم بياني معرفي سيجعل من السهل إنشاء وإعادة اكتشاف الروابط بين الأفكار والمفاهيم.
ويعد بناء خريطة ذهنية قوية مسعى شخصيا جيدا للغاية. وكما يقول الكاتب الأميركي بيتر تورتشي في كتاب "الخرائط الخيالية": "نعتقد أننا نرسم خرائط لمعرفتنا، لكننا في الواقع نرسم خرائط لما نريد وما نريد للآخرين، أن يؤمنوا به".
ولا توجد وصفة لمعرفة كيفية تنظيم خرائط التفكير الخاصة بنا وربطها معا بحيث يسهل الوصول إليها واستكشافها. ومع ذلك، فإن بعض الأدوات التي تقدم ربطا ثنائي الاتجاه قد تجعل الأمر أكثر سهولة، للتمكن من اتخاذ خيارات واعية.
الصراع الذي تسببه الخرائط الذهنية
من الممكن أن تكون الخرائط الذهنية لشخصين متناقضة مع بعضها البعض، هذا لأن الخرائط الذهنية ليست مجرد تصورات للمساحات والأفكار، بل هي أيضا تصوراتك للأماكن التي لم ترها أو رأيتها من قبل والمناطق التي غالبا ما تكون غير مألوفة.
ويمكن للخرائط العقلية المبنية على الافتراضات أو التخمين أن تؤثر بشكل كبير على التفاعل البشري، حيث لا يمكن أن يتم حل المشكلات المتعلقة بالحدود والنزاعات الحدودية بين الشعوب نظرا لأن الصورة النمطية بشأن المساحة مختلفة ولا توجد خريطتان ذهنيتان متماثلتان.
وسائل الإعلام ورسم الخرائط الذهنية
لقد أصبح من الممكن إنشاء الخرائط الذهنية للأماكن التي لم يتم زيارتها من قبل، بشكل يسير عن السابق، بفضل وسائل الإعلام الاجتماعي والتقارير الإخبارية والأفلام، حيث إنه يمكن تصور مناطق وأحياء بعيدة بشكل واضح بما يكفي لشخص ما لإنشاء خرائط ذهنية خاصة بهم.
في الغالب تستخدم الصور الفوتوغرافية وما تم تداوله كأساس للخرائط الذهنية، خاصة للمعالم الشهيرة، وهذا ما يجعل من السهل التعرف على أفق المدن الشهيرة حتى لو لم يتم زياراتها. لكن لسوء الحظ لا تقدم وسائل الإعلام دائما تمثيلات دقيقة للأماكن، بل ويمكن أن تؤدي إلى تكوين خرائط ذهنية مليئة بالأخطاء، إذ بالنظر إلى دولة ما على الخرائط بمقياس غير لائق، يُمكن أن يجعل التصور الأولى بأن هذه الدولة تبدو أكبر أو أصغر مما هي عليه في الواقع.
على سبيل المثال، أربك إسقاط مركاتور سيئ السمعة، الناس فيما يتعلق بحجم قارة إفريقيا لعدة قرون. لذلك غالبا ما تتبع المفاهيم الخاطئة حول الدولة ككل -من السيادة إلى السكان- صورا غير دقيقة.
كذلك الأمر مع الإحصاءات والمعلومات المتواصلة التي تتدفق بشأن معدلات الجريمة إلى جانب التقارير الإخبارية المتحيزة، والتي قد تتسبب في بناء خرائط ذهنية عن مدن بعينها مثل "شيكاغو" على أنها مدينة لا تضمن أي معايير الأمان والسلامة الشخصية، حيث تدفع وسائل الإعلام سواء التقليدية أو الجديدة، الناس إلى تجنب الأحياء والمدن التي يكون معدل الجريمة فيها مرتفعا.
غالبا ما يعلق البشر عواطفهم على خرائطهم الذهنية والمعلومات التي يعرفونها، سواء كانت دقيقة أم لا، لذا يمكن تغيير المفاهيم بشكل كبير، من خلال تبني النظرة النقدية دائما لكل ما يتداول عبر الوسائط، في سبيل الحصول على الخرائط الذهنية الأكثر دقة.
(المشهد)