hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 مبادرة أميركية وتحركات فرنسية.. هل تنجح هذه الجهود في إنقاذ لبنان؟

إسرائيل وسعت عملياتها في جنوب لبنان والضاحية رغم الجهود الدبلوماسية (رويترز)
إسرائيل وسعت عملياتها في جنوب لبنان والضاحية رغم الجهود الدبلوماسية (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • مسؤول: أميركا تدفع باتجاه خطة وقف إطلاق نار جديدة بين لبنان وإسرائيل.
  • فرنسا تطلب اجتماعا طارئا لمجلس الأمن الدولي بشأن لبنان.
  • عون: لا سبيل للبنان إلا التفاوض وإسرائيل لم تلتزم بالاتفاق.

تطرح التطوّرات العسكرية الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله" تساؤلات جدّية حول مستقبل الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، والرامية إلى منع انزلاق لبنان نحو مواجهة أوسع.

ففي حين اعتبر البعض أنّ إمكانية توصّل واشنطن وطهران إلى اتفاق قد ينعكس بخفض التصعيد أو حتى وقف الحرب برمّتها في لبنان، عادت إسرائيل لتؤكّد فصل المسارين عن بعضهما، حيث راحت توسّع عملياتها العسكرية في جنوب البلاد والضاحية.

هل ما زالت المبادرات الدولية قادرة على احتواء الحرب ومنع تمدّدها، أم أنّ الوقائع التي تُفرض على الأرض تجاوزت قدرة الدبلوماسية على ضبطها؟

إسرائيل توسّع عملياتها

وسعت إسرائيل في الأيام الماضية أهدافها وعملياتها العسكرية في عمق الجنوب اللبناني، فقد أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أنّ الجيش الإسرائيلي سيواصل السيطرة على مناطق يعتبرها ذات أهمّية إستراتيجية في مواجهة "حزب الله"، كما وهناك حديث متزايد عن خطط لإنشاء منطقة أمنية أوسع داخل الأراضي اللبنانية قد تمتدّ بين 30 و40 كيلومترًا شمال الحدود.

في هذا السياق، تقدّمت القوات الإسرائيلية في محيط دير سريان والقنطرة والطّيبة ووادي السلوكي، بالتوازي مع تكثيف الضغط على بلدات أرنون ويحمر الشقيف وزوطر، كما عبرت نهر الليطاني وتمركزت في نقاط تُعد من أعمق مواقع التوغّل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية منذ الانسحاب عام 2000.

بالإضافة إلى ذلك، شكّلت السيطرة على قلعة الشقيف محطّة بارزة ذات دلالة عسكرية ومعنوية، فالقلعة لا تمثّل مجرّد موقع تاريخي، بل تتمتّع بموقع جغرافي يتيح الإشراف على مساحات واسعة من جنوب لبنان، ما يمنح القوات الإسرائيلية أفضلية عملياتية واستخبارية هامّة.

وتُعدّ القلعة جزءًا من سلسلة تلال علي الطاهر، وهي شبكة من المرتفعات المشرفة على المداخل المؤدّية إلى مدينة النبطية.

أمّا التطوّر الأبرز، فكان إصدار كلّ من نتانياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس اليوم تعليمات إلى الجيش الإسرائيلي بضرب أهداف في الضاحية الجنوبية لبيروت، ما أدّى إلى موجة نزوح جديدة في العاصمة ومحيطها.

في حديث مع النائب السابق وهبه قاطيشا، قال إنّ "السيطرة على القلعة تمنح موطئ قدم إستراتيجي يتيح لإسرائيل توسيع نفوذها باتّجاه مرتفعات علي الطاهر والتلال المحيطة بها، بما يوفّر أفضلية ميدانية على مستوى الإشراف والتحكّم بالمنطقة".

وأضاف أنّ المنطقة الواقعة بين نهري الليطاني والزهراني تعد أكثر ملاءمة للتحرّكات العسكرية مقارنة بجنوب الليطاني، حيث تفرض الطبيعة الجغرافية الوعرة تحدّيات كبيرة أمام القوات البرّية.

ومن خلال تمركزها في هذه المواقع، تكتسب إسرائيل قدرة أكبر على المناورة والمراقبة والتحكّم بمساحات واسعة من جنوب لبنان.

وفي حال استمرار التوسّع العسكري الإسرائيلي، رأى النائب قاطيشا أنّه قد يجد "حزب الله" نفسه مضطرًا إلى تركيز جزء أكبر من قواته وبناه التحتية في الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة البقاع، ما قد يحدّ من هامش حركته وانتشاره في جنوب لبنان.

مبادرة أميركية

في هذا الإطار، جاءت محاولة أميركية جديدة لاحتواء الأزمة، حيث أجرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اتّصالات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بهدف التوصّل إلى إطار أوّلي لوقف التصعيد.

فاقترحت واشنطن أن يوقف "حزب الله" جميع هجماته ضدّ إسرائيل كخطوة أولى، على أن تمتنع إسرائيل في المقابل عن توسيع عملياتها العسكرية، خصوصًا في بيروت وضاحيتها الجنوبية.

وترى الإدارة الأميركية أنّ هذه الخطوة يمكن أن تشكّل مدخلًا لوقف تدريجي للأعمال القتالية وتهيئة الأرضية لتفاهمات أوسع، لا سيّما في ظلّ المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، والمقرّر استمرارها يوم الثلاثاء في واشنطن.

غير أنّ المبادرة اصطدمت سريعًا بعقبات سياسية، فلم تلقَ المقترحات التجاوب المطلوب من رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شدّد على ضرورة وقف إسرائيل جميع عملياتها العسكرية أوّلًا لضمان التزام "حزب الله" بعدم الهجمات، وجاء الردّ الإسرائيلي لاحقًا عبر إنذار مباشر استهدف الضاحية الجنوبية (كما أشرنا سابقًا).

يعكس هذا الأمر جوهر الخلاف القائم بين الطرفين. فإسرائيل والولايات المتحدة تعتبران أنّ "حزب الله" هو من يجب أن يبادر إلى وقف الهجمات، في حين يرى الحزب وحلفاؤه أنّ أي تهدئة لا يمكن أن تبدأ ما لم توقف إسرائيل عملياتها العسكرية بشكل كامل.

التحرّك الفرنسي

مع تدهور الأوضاع الميدانية، برزت فرنسا كأحد أبرز الأطراف الدولية الساعية إلى احتواء التصعيد، فقد عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن رفضه للتوسّع العسكري الجاري في جنوب لبنان، مؤكّدًا أنّ لا مبرّر لاستمرار العمليات العسكرية بهذا الشكل.

وفي أعقاب سيطرة إسرائيل على قلعة الشقيف وتوسيع عملياتها البرّية، طلبت باريس عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطوّرات الأخيرة وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي.

فأكّد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو أنّ بلاده تعترف "بحق إسرائيل، مثل أي دولة، في الدفاع عن النفس ضدّ هجمات حزب الله، لكن لا شيء يبرر استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وتوغّلها المتزايد داخل الأراضي اللبنانية"، لذا، اعتبر بارو أنّ تلك العمليات تمثّل "خطأ كبيرًا"، لا سيّما كونها تتعارض مع التزامات إسرائيل في ما يخصّ وقف إطلاق النار الساري منذ 17 أبريل 2026 كما وقواعد القانون الدولي.

من هنا، يعكس التحرّك الفرنسي في مجلس الأمن تنامي المخاوف الدولية من تحوّل المواجهة الحالية إلى نزاع إقليمي أوسع.

لبنان بين ضغوط الحرب والدبلوماسية

في المقابل، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تحدّيات متزايدة ومعقّدة، فالرئيس جوزيف عون والحكومة، برئيسها نواف سلام، يتمسّكون بخيار التفاوض باعتباره السبيل الوحيد والأقلّ كلفة للخروج من الأزمة والتوصّل إلى وقف لإطلاق النار.

لكن العمليات العسكرية الإسرائيلية تؤدّي إلى تعميق الأضرار الاقتصادية والإنسانية وحتى مؤخّرًا الثقافية كما وفرض وقائع جديدة على الأرض، ممّا يحدّ من فرص أي اختراق دبلوماسي وتحقيق الأهداف المرجوّة.

ومن جهّة أخرى، يحدّ استمرار "حزب الله" في المواجهة العسكرية من قدرة الدولة على المناورة السياسية والدبلوماسية، خصوصا في ما يخصّ بسط سيادتها على كافّة أراضيها وتنفيذ التزامتها الداخلية والدولية.

لذلك، تكشف هذه المعادلة المأزق الذي يواجهه لبنان حاليًا، فهو يحتاج إلى الوساطة الأميركية للضغط على إسرائيل ووقف عملياتها، لكنّه في الوقت نفسه يواجه واقعًا ميدانيًا تصعيديًا متبادلًا يعرقل فرص الدبلوماسية.

بالرغم من ذلك، يرى النائب وهبي قاطيشا أنّه لا يُعدّ استمرار المفاوضات خلال الحروب أمرًا استثنائيًا، إذ غالبًا ما تتواصل الاتصالات السياسية بالتوازي مع العمليات العسكرية.

إلّا أنّ موازين القوى على الأرض تبقى عاملًا أساسيًا في تحديد قدرة كل طرف على فرض شروطه أو تحسين موقعه التفاوضي.

من جهّته، أكّد مدير الأخبار والبرامج السياسية في إذاعة لبنان الحرّ جان الفغالي، أنّ التصعيد الحالي في جنوب لبنان ليس فقط يعيق فرص الدبلوماسية بين لبنان وإسرائيل بل يقضي على فرص الدبلوماسية، على الاقلّ في الوقت الراهن.

هذا التصعيد تريد منه إسرائيل فرض أمر واقع، ويرجّح أن تبقى في المناطق التي سيطرت عليها إلى حين قبول لبنان بتوقيع اتفاق سلام بضمانة دولية على رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

هل ما زالت التهدئة ممكنة؟

يرتبط مصير الدبلوماسية لخفض التصعيد إلى حدّ كبير بالتطوّرات الميدانية خلال الأسابيع المقبلة، وحتى الآن، لا تبدو أي من الجهّتين مستعدّة لتقديم التنازلات المطلوبة للوصول إلى وقف مستدام لإطلاق النار.

فإسرائيل ترى أنّها تحقّق مكاسب ميدانية بارزة، وتسعى إلى تعزيز مواقعها قبل القبول بأي تسوية؛ هذا الأمر يزداد حساسية في ظلّ الإعتبرات الانتخابية وحاجة نتانياهو لتقديم إنجازات هامّة للمجتمع الإسرائيلي بغية الحفاظ على موقعه.

أمّا "حزب الله"، فيواصل الرهان على معادلات إقليمية أوسع وعلى قدرة طهران على التأثير في مسار الأحداث، في ظلّ استمرار الجهود للتوصّل إلى اتفاق أميركي-إيراني.

في ظلّ هذا الواقع، تبدو فرص التوصّل إلى اختراق دبلوماسي محدودًا في المدى القريب، رغم استمرار المفاوضات والوساطات الدولية، فالفجوة بين مطالب الطرفين لا تزال واسعة، ولا مؤشرّات عن وجود إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة.

إذًا، في المرحلة الراهنة، يبدو أنّ منطق القوّة العسكرية لا يزال يتقدّم على منطق التسويات السياسية، ما يضع لبنان أمام مرحلة شديدة الخطورة قد تطول قبل أن تلوح في الأفق فرصة حقيقية لوقف الحرب وإعادة الاستقرار.