قالت تقارير إيرانية إن القرار النهائي بتبادل السفراء بين مصر وإيران تم اتخاذه ولم يتبق سوى الإعلان الرسمي فقط، في الوقت الذي نفت فيه القاهرة صحة هذه الأنباء.
وقال رئيس مكتب المصالح الإيراني في مصر، مجتبى فردوسي بور، إن القرار النهائي بتبادل السفراء بين القاهرة وطهران قد اتُّخذ ولم يتبق سوى الإعلان الرسمي فقط، لافتًا إلى أن العلاقات بين القاهرة وطهران دخلت مرحلة متقدمة، منوّهًا بأن هناك مكالمات هاتفية شبه أسبوعية بين وزيري خارجية مصر وإيران للتشاور والتنسيق، وفي المجمل تقاربت حوالي 70% من وجهات نظر البلدين بشأن القضايا الإقليمية.
على الجانب الآخر، أوردت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية (أ ش أ) على لسان مسؤول مصري نفيه صحة هذه الأنباء.
ويأتي الحديث عن عودة التمثيل الدبلوماسي بين القاهرة وطهران بعد أن شهدت الأعوام القليلة الماضية سلسلة من اللقاءات والمحادثات التي جمعت بين كبار المسؤولين في كلا البلدين، والتي كان أبرزها زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى مصر في ديسمبر 2024 أثناء قمة الدول الـ8 النامية للتعاون الاقتصادي، في زيارة تعد الأولى من نوعها منذ 11 عامًا، حينما قام الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد بزيارة مماثلة أثناء تولي "الإخوان" الحكم في مصر.
العلاقات تقترب من مرحلة "مفصلية"
تعليقًا على ذلك، قال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق جمال بيومي، إن التصريحات الإيرانية في هذا التوقيت تحمل في طياتها قدرًا كبيرًا من الجدية، وتؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن العلاقات بين القاهرة وطهران تقترب من مرحلة مفصلية، مشيرًا إلى أن تحقيق خطوة تبادل السفراء بشكل رسمي سيكون لها انعكاسات إيجابية، ولعل أبرزها إنهاء حقبة طويلة من الفتور الدبلوماسي بين البلدين، والشروع في بداية مرحلة جديدة تعتمد على تبادل المصالح واحترام الشؤون الداخلية بينهم.
وكشف في حديث لمنصة "المشهد" أنه في العُرف الدبلوماسي فإن رفع مستوى التمثيل إلى درجة السفير يشير إلى إعادة بناء قنوات اتصال مستقرة، وليس مجرد انفتاح تكتيكي عابر، مضيفا أن الأوضاع التي تمر بها المنطقة في هذه المرحلة، والتي تشهد تحديات جسام وتهديدات غير مسبوقة، لم تعد تحتمل أي قطيعة أو خلافات، بقدر ما تطلب إدارة حكيمة للتباينات السياسية بين مصر وإيران باعتبارهما قوتين كبيرتين داخل المنطقة.
تقارب مشروط
ولفت الدبلوماسي المصري إلى أن أي تقارب لبلاده مع إيران سيظل مشروطًا بعدم تهديد الأمن القومي العربي، موضحًا أن مصر لديها تحفظات تتعلق بأذرع إيران المسلحة والمدعومة منها داخل المنطقة، لأنها ترى أن تلك الفصائل المسلحة، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن، تعمل على تهديد مفهوم الدولة الوطنية، وهو الأمر الذي ترفضه مصر شكلاً وموضوعًا، كما أن ذلك يمثل خطًا أحمر في العقيدة السياسية المصرية.
وأكد أن الفترة القصيرة الماضية شهدت نقلة نوعية في التنسيق العالي المستوى بين القاهرة وطهران في عدد من الملفات الهامة داخل المنطقة، وهو ما ساهم في خفض التصعيد وتحقيق قدر من الاستقرار النسبي.
لكن العديد من التساؤلات بدأت تتصاعد على ألسنة الكثيرين في مصر حول مستوى التحول الذي يمكن أن تشهده العلاقات الثنائية بين القاهرة وطهران وحدود تطوره في ظل الأوضاع الإقليمية الحالية.
ومن هنا استبعدت المختصة في شؤون الشرق الأوسط والدراسات الإيرانية الدكتورة هدى رؤوف اتخاذ خطوة عودة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين القاهرة وطهران في الوقت الحالي، والذي يشهد توترات متصاعدة داخل المنطقة، إضافة إلى التصعيد العسكري القائم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، مؤكدة في الوقت نفسه أن السياق الإقليمي الحالي يشير إلى وجود أولويات أخرى، أهمها العمل على خفض التصعيد.
وتضيف رؤوف لـ"المشهد" أن العامين الماضيين شهدا نوعًا من التحسن في العلاقات بين البلدين، وهو الأمر الذي شجع مصر على لعب دور الوساطة لدى واشنطن في عدم التسرع باستخدام الخيار العسكري ضد إيران، كما توسطت بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقريب وجهات النظر والتهدئة بينهم، مشيرة إلى أن كل هذه الأمور تؤكد على وجود تحسن في العلاقات بين القاهرة وطهران، لكن خطوة تبادل السفراء بين البلدين غير واردة في هذه الفترة العصيبة التي تشهدها المنطقة، موضحة أن مصر تنتهج دائمًا سياسة التأني والحذر في مجمل علاقاتها مع الدول.
ووصفت الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط التحسن الذي حصل في العلاقات المصرية-الإيرانية مؤخرًا بالهام، لأن كلا البلدين قوتان إقليميتان كبيرتان، مشيرة إلى أن مصر تتبع سياسة الانفتاح على جميع الأطراف داخل المنطقة، وتقوم بدور الوساطة وتهدئة التوترات.
وأكدت أن فتح قنوات للتواصل بين القاهرة وطهران مهم لكافة الأطراف الإقليمية داخل المنطقة، وبالتالي فإن هذا الأمر سيكون له دور في المساهمة في تهدئة بعض التوترات كالتي حدثت في البحر الأحمر، ومجمل الملفات المشتركة التي تهم كلا البلدين.
ترقب في إسرائيل
من جهتها، سلطت وسائل إعلام إسرائيلية الضوء على الأحاديث التي تشير إلى عودة العلاقات بين مصر وإيران إلى سابق عهدها وإعادة فتح السفارات بينهما، حيث وصفت قناة "آي نيوز24" الإخبارية الإسرائيلية عودة العلاقات بين القاهرة وطهران بالتطور المفاجئ، مشيرة إلى أن إعادة علاقات كاملة بين إيران ومصر ستكون قريبًا وسط أجواء التوتر الإقليمي.
بينما قالت منصة "JDN" الإخبارية الإسرائيلية إن قرار مصر وإيران بإعادة فتح سفارتيهما في القاهرة وطهران سيكون له نتائج غير متوقعة في المنطقة، مصيفة أن هذا التطور يأتي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، مشيرة إلى تقارب مصري-إيراني خلال الفترة الأخيرة.
من جهته، أوضح الباحث في الشأن الإيراني أسامة حمدي أن خطوة إعادة العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل بين القاهرة وطهران اقتربت بشكل كبير، كاشفًا أنه تم اتخاذ جميع الترتيبات اللازمة لذلك ولم يتبق سوى الإعلان الرسمي فقط، مبينًا أن الذي يشغل منصب القائم بالأعمال الحالي لطهران في القاهرة هو بدرجة سفير، وكان قد شغل منصب سفير إيران لدى الأردن.
وكشف حمدي لـ"المشهد" عن وجود ضغوطات أميركية وإقليمية كبيرة لعدم استعادة العلاقات الدبلوماسية كاملة بين مصر وإيران، لافتًا إلى أن التوتر الحاصل بين طهران وواشنطن سيعقد الأمور نحو عودة تلك العلاقات، ولا سيما أن المنطقة ذاهبة نحو حرب شاملة إذا ما أقدم ترامب على ضرب إيران.
مخاوف على القاهرة
وفي ظل تنامي الحديث عن عودة كامل العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران، حذر الباحث في الشأن الإيراني من أن القاهرة ستواجه تحديات عديدة إذا ما أقدمت على هذه الخطوة، وذكر أن من أبرز هذه التحديات الآتي:
- ممارسة ضغوطات اقتصادية على مصر من قبل ترامب.
- تجميد أجزاء من المعونة العسكرية الأميركية للقاهرة.
- تحريك ملف حقوق الإنسان ضد مصر من قبل الولايات المتحدة.
- سيتحول السلام بين مصر وإسرائيل إلى سلام بارد.
ووفقًا لحمدي فإن العلاقات بين الدولتين بدأت تأخذ مسارًا أكثر انفتاحًا بعد أحداث 7 أكتوبر، لأن مصر أدركت أهمية الدور الإيراني كقائدة وداعمة لعدد من الفصائل المسلحة داخل المنطقة، وخصوصا أن مصر لا تتعامل مع مثل هذه الميليشيات، ومن ثم كان من المهم التواصل مع النظام الإيراني من أجل التهدئة في الإقليم ومنع انزلاق المنطقة نحو سيناريو حرب شاملة.
ومن المتوقع أن تتخذ خطوة عودة كامل العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإيران تطورًا هامًا في العلاقات بين البلدين، خصوصا بعد قطيعة دبلوماسية بدأت منذ عام 1979، لأسباب أبرزها توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، واستضافة القاهرة للشاه محمد رضا بهلوي، إلى جانب الخلافات الأيديولوجية وتدخل إيران في المنطقة، ودعم مصر للعراق في حربها مع إيران.