تبعث أعمال الشغب والاحتجاجات في فرنسا النقاش الأوروبي المحتدم والاستقطابات السياسية بخصوص ارتباطات ذلك الأمر، أو بالأحرى تداعياته المحتملة على سياسات الهجرة وتحديات الاندماج الاجتماعي، وسط مخاوف من توظيف الاضطرابات سياسيًا لتعزيز الخطاب المناهض للمهاجرين وتشديد قوانين اللجوء، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
احتجاجات فرنسا
إذ إنّ التهميش وصعوبات الاندماج وأزمة الهوية، قد تدفع بعض الفئات إلى الشعور بالاغتراب عن مجتمعاتها، وفق المصادر ذاتها، فضلًا عن استغلال هذه الأحداث لتغذية الاستقطاب السياسي.
وقد اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب واليمين المتطرف في أوروبا، أنّ الاحتجاجات في فرنسا تؤشر إلى تداعيات الهجرة وتراجع "الحضارة الغربية".
وكانت باريس ومدن فرنسية أخرى قد شهدت، السبت، احتجاجات تخللتها أعمال نهب وتخريب استمرت حتى الأحد. وكتب ترامب على منصته "تروث سوشيال"، الأحد: "فرنسا تحترق!".
كما عزا ترامب غضب الفرنسيين إلى "أشخاص ينتمون إلى عالم مختلف تمامًا"، واصفًا إياهم بـ"أناس يحملون الكراهية في قلوبهم"، ويسعون إلى تدمير "ذلك البلد الذي كان عظيمًا ذات يوم".
واختتم ترامب موقفه بالدعوة إلى تشديد الرقابة على الحدود، قائلًا: "أغلقوا حدودكم واستعيدوا السيطرة، قبل فوات الأوان!"، في خطاب يتقاطع مع مواقف أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية التي تصوّر الهجرة باعتبارها تهديدًا لدول التكتل.
سياسات الهجرة
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال أستاذ القانون الدولي بجامعة السوربون الدكتور مارك مرقص، إنّ أعمال الشغب في فرنسا وأوروبا تثير تساؤلات بشأن سياسات الهجرة ومدى نجاح الدول الأوروبية في دمج المهاجرين في مجتمعاتها، مشيرًا إلى أنّ بعض الفئات التي تشارك في هذه الأعمال لا تشعر بالانتماء الكامل إلى المجتمع الفرنسي، لأسباب تتعلق بظروفها المعيشية والاجتماعية وشعورها بالتهميش.
وأوضح مرقص أنّ هذه الظاهرة ترتبط، في بعض الحالات، بأفراد من أصول أجنبية أو مهاجرين يواجهون صعوبات في الاندماج، نتيجة ظروف حياتية واقتصادية لا تساعدهم على الانخراط في المجتمعات المضيفة والتفاعل مع الفئات الأقدم استقرارًا فيها. وقد شدد على أنّ هذا التوصيف لا ينطبق على جميع المهاجرين، بل يتعلق بفئات محددة تعاني أوضاعًا صعبة وشعورًا بالتهميش وعدم تلبية احتياجاتها.
وأضاف، أنّ كثيرًا من المهاجرين يتوجهون إلى الدول الأوروبية بحثًا عن حياة أفضل، لكنّ شعور بعضهم بأنّ الدولة لا تستجيب لمطالبهم ولا توفر لهم الظروف اللازمة لتحسين أوضاعهم، قد يدفعهم إلى التمسك بهويات بديلة، سواء ارتبطت ببلدانهم الأصلية أو تشكلت داخل المجتمعات الجديدة، بدلًا من تبني الهوية الفرنسية أو الأوروبية والشعور بالانتماء إليها.
مسألة الهوية
وأشار أستاذ القانون الدولي بجامعة السوربون، إلى أنّ هذه الأزمة تتجاوز الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لتشمل مسألة الهوية والمواطنة، موضحًا أنّ الفئات التي تعاني الفقر والتهميش والإرهاق الاجتماعي، قد تجد صعوبة في تبنّي الهوية الوطنية للمجتمع المضيف، خصوصًا عندما لا تتوافر لها الظروف التي تساعدها على الاندماج والشعور بالمواطنة.
ولفت إلى أنّ التصورات السياسية والفلسفية السائدة في أوروبا، تفترض ضرورة اندماج المهاجرين في المجتمعات المضيفة، غير أنّ تحقيق هذا الهدف يصبح أكثر تعقيدًا في ظل استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين سنويًا، من دون توفير سياسات وبرامج كافية لإدارة التنوع والاختلاف وتعزيز الاندماج المجتمعي.
وأكد أنّ مسؤولية إدارة هذا التنوع لا يمكن أن تقتصر على المدارس والجامعات الحكومية، بل تتطلب جهودًا أوسع من جانب الدولة لتهيئة الظروف التي تتيح للمهاجرين الانخراط في المجتمعات المحلية. وقد ألمح إلى فرنسا كمثال حيوي، وهي "التي تستقبل أعدادًا كبيرة من المهاجرين سنويًا، لكنّ غياب الجهود الكافية لدعم اندماجهم يحدّ من فرص بناء شعور مشترك بالانتماء والمواطنة".
وخلص مرقص إلى أنّ إخفاق الدولة في إدارة ملف الاندماج يسهم في تغذية ردود الفعل الرافضة للهجرة لدى بعض فئات المجتمع الأوروبي، خصوصًا تلك التي تمنح أصواتها للأحزاب اليمينية، وبوجه خاص المتطرفة منها.
وختم حديثه قائلًا إنّ هذا الرفض يتزايد عندما يشعر بعض المواطنين بأنّ المهاجرين لا يندمجون في المجتمع القائم، محذرا من أنّ استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين في مجتمعات منفتحة وعلمانية وإنسانية، من دون توفير فرص حقيقية لاندماجهم، قد يعمق الانقسامات الاجتماعية ويزيد حدة الاستقطاب السياسي.
تغيير جذري
من جهته، رأى الباحث بمركز لندن للدراسات السياسية والإستراتيجية مايكل مورغان، أنّ الأزمات التي تشهدها أوروبا، بما فيها الاحتجاجات وأعمال العنف والاضطرابات الاجتماعية، لا تعني بالضرورة أنّ القارة تتجه إلى تغيير جذري في سياسات الهجرة واللجوء، لكنه ألمح إلى احتمال توظيفها من قبل اليمين المتطرف لجهة تبرير مزيد من التشدد تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء.
وأوضح مورغان لـ"المشهد"، أنّ ما تشهده فرنسا وأوروبا يعكس واقعا مؤلما وتحولات عميقة في المجتمعات الأوروبية، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين الأسباب الفعلية للاحتجاجات وأعمال الشغب، وبين التفسيرات السياسية التي قد تسعى إلى ربطها بصورة مباشرة بأزمة الهجرة، من دون النظر إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أسهمت في اندلاعها.
وأضاف، أنّ هذه التطورات تتيح للرئيس الأميركي والتيارات اليمينية، خصوصًا اليمين المتطرف في أوروبا، فرصة لتوظيف مشاهد العنف والاضطراب في تعزيز خطابها المناهض للهجرة، وتصويرها باعتبارها دليلا على إخفاق السياسات الأوروبية في إدارة الحدود والاندماج. ومن شأن هذا التوظيف أن يضغط على الحكومات الأوروبية لتبنّي إجراءات أكثر تشددًا في التعامل مع المهاجرين، وأن ينعكس على التشريعات المنظمة للجوء والإقامة وسياسات استقبال الوافدين.
حالات الطوارئ
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتجه فيه أوروبا بالفعل نحو إعادة ضبط سياسات الهجرة واللجوء، وفق الباحث بمركز لندن للدراسات السياسية والإستراتيجية، إذ دخل الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو العام الحالي، فيما دفعت المفوضية الأوروبية باتجاه تعزيز مراقبة الحدود الخارجية وتسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين لا يملكون حق الإقامة. كما شهدت اجتماعات أوروبية في أكتوبر تجدد الخلافات بشأن التعامل مع تدفقات الهجرة غير النظامية وإمكانية تعليق طلبات اللجوء في حالات الطوارئ.
وفي ما يبدو أنّ ترامب والتيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا، سيسعون إلى تحميل المهاجرين مسؤولية الاضطرابات الاجتماعية، بغضّ النظر عن الأسباب الحقيقية وراء اندلاعها، حسبما ذكر المحلل السياسي الأميركي رائد جرار، في تصريحات لمنصة "المشهد"، معتبرًا أنّ ربط الاحتجاجات بأزمة الهجرة، يمثل توظيفًا سياسيًا يفتقر إلى أساس واقعي.
وتابع: "الاحتجاجات الحالية في فرنسا يقودها طلاب فرنسيون، وتشارك فيها نقابات محلية"، وأشار إلى أنّ حركة "السترات الصفراء" التي اندلعت عام 2018 كانت فرنسية المنشأ أيضًا، وأنّ السلطات الفرنسية نفسها توجه اتهامات إلى اليسار المتطرف، وليس إلى المهاجرين، في سياق التعامل مع بعض الاضطرابات.
كما رأى جرار أنّ الحكومة الفرنسية لا ينبغي أن تهدر وقتها في الرد على الخطابات التي تحاول تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات الداخلية، بل عليها التركيز على معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي.
الفرصة الحقيقية
كما أنّ الفرصة الحقيقية أمام باريس تكمن في التعامل مع جذور الغضب الشعبي، والحديث للمصدر ذاته، لافتًا إلى أنّ فرنسا شهدت موجات متتالية من الاحتجاجات الواسعة خلال الأعوام الأخيرة، بدءًا من حركة "السترات الصفراء" عام 2018، مرورًا بالاحتجاجات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة عام 2022، واضطرابات الضواحي عام 2023، وصولًا إلى التحركات الطلابية والاحتجاجات المرتبطة بغلاء المعيشة.
وأشار جرار إلى أنّ هذه الاحتجاجات، رغم اختلاف دوافعها المباشرة، تعكس استمرار ضغوط اجتماعية واقتصادية تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع جودة الخدمات التعليمية، وتهميش بعض الضواحي، إلى جانب أعباء الطاقة التي تفاقمت بفعل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. وحذر من أنّ الاقتصار على الاعتقالات والإجراءات الأمنية، من دون معالجة هذه المشكلات البنيوية، لن يؤدي إلى احتواء الغضب الشعبي بصورة مستدامة، وقد يمهد لاندلاع موجات جديدة من الاحتجاجات خلال السنوات المقبلة.
وأكد المحلل السياسي الأميركي، أنّ تشديد قوانين اللجوء لن يعالج أسباب الاحتجاجات الحالية، لأنّ المهاجرين ليسوا الطرف الذي يقف وراء التحركات في الشوارع، مشددًا على أنّ المعالجة الفعلية للأزمة تتطلب تخفيف الأعباء المعيشية، وتحسين أوضاع المدارس، ومعالجة مشكلات الضواحي المهمشة، حيث إنّ هذه الخطوات تمثل المدخل الأكثر فاعلية لاحتواء الاحتقان الاجتماعي ومنع تجدد الاضطرابات.



