في ظل الوضع المتأزم والانسدادي الذي تقع تحت وطأته الحرب في السودان، فإن ثمّة مخاوف عديدة تبعث بها جملة مؤشرات متفاوتة، تتمثل في صعود أو بالأحرى إعادة تموضع الإسلاميين على متن المؤسسة العسكرية التي يقودها عبد الفتاح البرهان.
معادلة معقدة
وبحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز"، فإن هناك مخاوف متزايدة في دوائر إقليمية وغربية من عودة تنظيمات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة "الإخوان"، إلى مجال التأثير المباشر داخل بنية المؤسسة العسكرية، خصوصًا أن قائد الجيش السوداني البرهان يحيط نفسه بمعادلة معقدة، إذ يعتمد ميدانيًا على تشكيلات مسلحة تنتمي للطيف الإسلاموي، مثل "كتيبة البراء بن مالك"، الذراع العسكرية لـ"الإخوان"، والمصنفين على قوائم الإرهاب، وهي التي لعبت دورًا مركزيًا في عدد من العمليات العسكرية، بما في ذلك السيطرة على أجزاء من العاصمة الخرطوم، بينما يسعى، في الوقت ذاته، على المستويين السياسي والدبلوماسي إلى الحفاظ على علاقات خارجية ودعم إقليمي ودولي متوازن.
كما يلفت التقرير البريطاني إلى أن محاولات إعادة ضبط العلاقة بين الجيش وهذه المجموعات الإسلاموية، تصطدم بواقع ميداني معقد فرضته الحرب، بما يحدّ من قدرة البرهان على إجراء تغييرات هيكلية جذرية في التوقيت الراهن، بل إن هناك مخاوف تتصل باحتمالية الانقلاب على قائد الجيش للانفراد بالحكم أو السيطرة التامة على القرار العسكري الميداني وحتى السياسي.
المؤسسة العسكرية و"الإخوان"
ويضاف لذلك، أن استمرار هذا التشابك المعقد بين المؤسسة العسكرية والمجموعات الإسلامية المسلحة، قد يعيد إنتاج نفوذ النظام السابق، مع الأخذ في الاعتبار حسابات الوضع الإقليمي، الذي يشهد توترات متزايدة تتعلق بأمن البحر الأحمر والنفوذ الإيراني. وتتضاعف المخاطر، والحال كذلك، مع الأهمية القصوى للموقع الجيوإستراتيجي للسودان في هذا السياق، وتبعية الجماعة الأم للإسلام السياسي بتحالفاتها في الجيش مع "الحرس الثوري".
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"االمشهد"، فإن الحركة الإسلامية بالسودان ما تزال تمتلك نفوذًا متراكمًا داخل بنية المؤسسة العسكرية السودانية، تعزّز تاريخياً منذ ما قبل انقلاب 1989 ثم تعمّق بعده، عبر شبكات ممتدة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، مع دور محوري لجهاز الأمن والمخابرات في ربط هذه البنى التنظيمية، موضحين أن هذا النفوذ يحدّ من هامش استقلالية قيادة الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي يواجه تعقيدات بخصوص محاولة إعادة تشكيل موازين القوى أو التحرر التدريجي من هذا التأثير.
وتقول المصادر ذاتها، إن تقديرات سياسية عديدة تؤشر إلى أن قيادة الجيش السوداني تواجه تحديات معقدة، لجهة أيّ محاولة تتصل بإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل المؤسسة العسكرية، أو الحدّ من تأثير التيار الإسلامي المتغلغل في مفاصلها، خصوصًا مع ترسخ هذا النفوذ، على مدى سنوات طويلة، عبر شبكات تنظيمية وأمنية واسعة، وارتباطه مؤخرًا بعوامل أكثر تعقيدًا منها اقتصاديات الحرب، وعلاقات إقليمية تحديدًا التبعية لإيران، والحصول على تدريب ودعم لوجيستي وتسليح من خلال هذا التخادم السياسي والعسكري بين قوى الإسلام السياسي بجناحيها السني والشيعي.
وترجح المصادر أن يظل المشهد السوداني مفتوحًا على مختلف السيناريوهات، بما في ذلك احتمالات تصاعد الصراع داخل مراكز القوى أو حدوث تحولات مفاجئة في بنية السلطة، إذا ما شعرت الأطراف النافذة بتهديد لنفوذها أو لتوازناتها داخل المؤسسة العسكرية.
الخلايا الأمنية
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول مدير مركز "مرصد الساحل الإفريقي" والخبير في الشـأن السوداني محمد علي الكيلاني، إن هناك معلومات باتت معلنة ومتداولة بخصوص الحركة الإسلامية السودانية التي أصدرت في فبراير الماضي توجيهًا يقضي بإضفاء غطاء قانوني على ما يُعرف بـ"الخلايا الأمنية المشتركة"، وذلك بعد فترة طويلة من عملها بصورة غير معلنة وفي إطار موازٍ للأجهزة الرسمية.
وبحسب هذه المعلومات، يهدف التوجيه إلى توفير حماية قانونية لعناصر هذه الخلايا ذات الطابع الإسلامي الأمني والعسكري، عبر تحويلها إلى ذراع تنفيذية تعمل داخل الولايات السودانية، ودمجها ضمن واجهات أمنية رسمية تتبع للجيش أو الأجهزة الأمنية الأخرى، بما يحدّ من احتمالات ملاحقتها مستقبلًا في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بالتصنيف الأميركي للإخوان والذراع العسكرية "كتيبة البراء بن مالك" على قوائم الإرهاب، وفق ما يوضح مدير مركز "مرصد الساحل الإفريقي" والخبير في الشـأن السوداني.
ويردف: "استندت الخطوة إلى لائحة تنظيمية أصدرها مدير جهاز المخابرات العامة في 5 فبراير الماضي، لتنظيم عمل هذه الخلايا. ومنحت اللائحة عناصرها صلاحيات واسعة شملت التفتيش والقبض ومصادرة الأموال من دون إذن قضائي، كما اشترطت الحصول على موافقة مدير الجهاز قبل اتخاذ أي إجراءات قانونية بحق أفرادها".
وعليه، فإن هذه الترتيبات تعكس مساعي التنظيم الإسلامي للحفاظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وتأسيس آليّة تضمن استمراره في المشهد السياسي والأمني، كما يشير علي الكيلاني، وذلك في مواجهة الضغوط الدولية والتفاهمات المحتملة المرتبطة بترتيبات المرحلة المقبلة في السودان.
نفوذ متراكم
ومن جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي السوداني فايز السليك إن هناك نفوذًا متراكمًا للحركة الإسلامية داخل بنية المؤسسة العسكرية السودانية، وهو نفوذ تعود جذوره إلى ما قبل انقلاب عام 1989، قبل أن يتعزّز بصورة أكبر عقب استيلاء الإسلاميين على السلطة في ذلك العام، وما تبعه من إعادة تشكيل لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش.
من ثم، فإن طبيعة توازنات القوة داخل المؤسسة العسكرية قد تجعل من قيادة الفريق عبد الفتاح البرهان رهينة لمجموعة من العوامل الداخلية، من بينها استمرار تأثير شبكات سياسية وأمنية مرتبطة بالتنظيم الإسلامي، تعمل عبر قنوات غير مباشرة داخل الجيش، كما يشير الكاتب والمحلل السياسي السوداني.
ويلفت السليك إلى أن جهاز الأمن والمخابرات يلعب كل منهما دورًا مركزيًا في الربط بين تلك الشبكات داخل المؤسسة العسكرية وبين البنية التنظيمية السياسية، بما يتيح قدرًا من التأثير على مسارات القرار العسكري.
لذلك، ألمح الكاتب والمحلل السياسي السوداني إلى أن البرهان يواجه تحديات معقدة في محاولة تقليص هذا النفوذ الإسلاموي أو إعادة تشكيله، موضحًا أنه "ليس من السهل على البرهان التحرر من القبضة الاسلامية، لكن يمكن حدوث هذا عبر مدى زمني طويل، ويتم بدعم إقليمي ودولي له، وفي الوقت ذاته بضغوط على التنظيم الإسلامي بعد تصنيفه دوليًا بأنه إرهابي. كما يبحث قائد الجيش في ظل هذا السيناريو ومع وجود إرادة سياسية عن حاضنة سياسية بديلة توفر له الأمان السياسي والشخصي".
رؤوس الأفاعي
وتابع: "البرهان يرقص فوق رؤوس الأفاعي. فيما تبقى كل السيناريوهات مفتوحة حول مستقبله بما في ذلك احتمالات الانقلاب العسكري من قبل الإسلاميين حال شعورهم بانفلاته من قبضتهم، وتحرره من سيطرتهم على قرار الجيش".
وخلص السليك إلى أن مستقبل التوازن داخل السلطة في السودان لا يزال مفتوحًا على عدّة سيناريوهات، في ظل صراع نفوذ مستمر بين مراكز قوى مختلفة، مع احتمالات استمرار التوترات أو حدوث تحولات مفاجئة في بنية الحكم خلال المرحلة المقبلة.