خلال مراسم التوقيع على وثيقة تأسيس مجلس السلام في دافوس بسويسرا يوم الخميس، ظهر وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليكون أول الموقعين.
وجاء في بلاغ وزارة الخارجية المغربية أن الملك محمد السادس توصل بدعوة من دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، لينضم، كعضو مؤسس لمجلس السلام، الذي يعتزم الرئيس الأميركي إطلاقه كمبادرة تروم "المساهمة في جهود السلام بالشرق الأوسط واعتماد مقاربة جديدة لتسوية النزاعات في العالم".
وينطلق قبول الرباط الانضمام إلى هذا المجلس، حسب لحسن أقرطيط الأستاذ الجامعي في العلاقات الدولية، من منطلق براغماتي، يقوم على "استقراء المصلحة العليا للمملكة، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة حول العالم".
المغرب في مجلس السلام
وأطلق الرئيس ترامب مجلس السلام، الذي يهدف في الأصل إلى المساعدة في إنهاء حرب غزة، لكنه يرى الآن أن له دورًا أوسع نطاقًا، وتخشى أوروبا وبعض الدول الأخرى أن ينافس الأمم المتحدة أو يقوض دورها.
ويعتقد الباحث لحسن أقرطيط في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن ما عجزت الأمم المتحدة عن تحقيقه في العديد من القضايا، سيكون بإمكان هذا المجلس "الحسم فيه".
ويرد أقرطيط ذلك إلى طبيعة تركيبة وأعضاء المجلس، وإلى الجهود التي ستسخرها القوى الكبرى لإنجاح عمله.
كما سيلعب المجلس، حسب الباحث، دورًا حاسمًا في حلحلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وفي خفض التصعيد على مستوى الشرق الأوسط، بالنظر إلى "الدول العربية الوازنة التي التحقت به".
وبدوره، يعتبر الخبير في الشؤون الأمنية والإستراتيجية عبد الحق الصنايبي أن لقبول المغرب دعوة ترامب دلالات قوية من الجانبين.
فالمغرب يعتبر الولايات المتحدة حليفًا قويًا على المستوى الإستراتيجي، خصوصًا في ولايتي ترامب التي توجت باستصدار "قرار أممي حاسم يعترف بالسيادة المغربية على الصحراء".
ويضيف الصنايبي أن الكل يعرف الدور الذي لعبته إدارة ترامب ولا تزال تلعبه، في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لصالح القضية المغربية، باعتباره البلد حامل القلم في ملف الصحراء.
وبالتالي لا يمكن فصل الانضمام، عن مسار دبلوماسي انتهجه المغرب خلال السنوات الأخيرة، يقوم على الانخراط البراغماتي في مبادرات دولية تتيح له هامش حركة أوسع، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي والاستقرار الدولي.
ويُقدَّم مجلس السلام كمبادرة سياسية - دبلوماسية أطلقها ترامب خارج إطار الأمم المتحدة، وتهدف إلى إدارة النزاعات الدولية وتعزيز الاستقرار العالمي عبر آليات أكثر مرونة وأقل بيروقراطية.
ويعكس ذلك رؤية الرئيس الأميركي التي لطالما انتقدت المنظمات الدولية، واعتبرتها عاجزة عن فرض حلول فعّالة للأزمات في عالم تتزايد فيه بؤر التوتر.
ويشير أستاذ العلاقات الدولية نور الدين بلحداد في تصريحه لـ"المشهد"، لنقطة أخرى تتعلق بما راكمه المغرب من خبرات أمنية، وما قدمه من مساعدات ومعلومات للشركاء الدوليين في مجال محاربة الإرهاب وتفكيك التنظيمات المتطرفة.
ترامب "الصديق"
وجاء في بلاغ وزارة الخارجية المغربية كذلك، أن دعوة الملك محمد السادس تشكل "اعترافاً بالقيادة المستنيرة للملك، وبمكانته كفاعل في مجال السلام"، كما تشهد على "الثقة التي يحظى بها لدى رئيس الولايات المتحدة والمجتمع الدولي".
ويوضح الخبير الأمني والإستراتيجي عبد الحق الصنايبي في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن صداقة ترامب مع المملكة ليست "وليدة اليوم"، بل تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي خلال زيارته للمغرب ولقائه مع الملك الراحل الحسن الثاني.
وأشاد البلاغ الملكي بما وصفه بالتزام ورؤية الرئيس دونالد ترامب من أجل النهوض بالسلام.
ويؤكد الصنايبي قائلًا إنّ "ترامب نجح مرارًا في إسكات صوت البنادق والمدافع في مجموعة من النقاط الحامية دوليًا". ويضيف أن المغرب أصبح مقتنعًا بمحدودية الأمم المتحدة لحلحلة مجموعة من القضايا على المستوى الدولي، كقضيتي فلسطين والصحراء المغربية كذلك.
وجدد بلاغ وزارة الخارجية حسب الباحث، موقف المملكة المبدئي من القضية المركزية التي انطلق منها مجلس ترامب، وهي القضية الفلسطينية، من حيث تأكيده على إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، وذلك في إطار حل الدولتين.
وفيما يخص قضية الصحراء يعتبر الخبير الإستراتيجي، أن الصراع يشهد لحظاته الأخيرة، مع التقارير التي تفيد بتنظيم لقاءات قريبا في الولايات المتحدة، وربما في ولاية فلوريدا ما بين أطراف النزاع.
ويكشف الصنايبي في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن المجلس ورئيسه ترامب يمكن أن يقوم كذلك بالوساطة بين المغرب والجزائر لطي الصراع بين البلدين، الذي "عمر أكثر من نصف قرن".
شيك على بياض؟
ودعا ترامب الذي سيرأس المجلس، العشرات من قادة العالم الآخرين للانضمام إليه، وقال إنه يرى أن هذا المجلس سيعالج تحديات عالمية أخرى غير وقف إطلاق النار "الهش" في غزة، وفي الوقت نفسه "لا ينوي أن يكون بديلا للأمم المتحدة".
وامتنع بعض حلفاء الولايات المتحدة التقليديين عن الانضمام إلى المجلس، الذي يقول ترامب إن على الأعضاء الدائمين فيه أن يساعدوا في تمويله بدفع مليار دولار لكل منهم، إما بالاستجابة بحذر أو رفض الدعوة كما هو الحال بالنسبة لفرنسا الحليف التاريخي للمغرب.
وعن تداعيات انضمام المغرب، يعلق الخبير الأمني عبد الحق الصنايبي بأن توقيع المغرب، كعضو مؤسس لمجلس السلام الذي يترأسه ترامب، لا يعتبر "شيكًا على بياض".
إعادة إعمار غزة
وهو الأمر نفسه الذي يؤكده الباحث لحسن أقرطيط بالقول إن المغرب شريك استثنائي وإستراتيجي للولايات المتحدة صحيح، لكن هذه الشراكة تترجم في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها وقف الحرب في غزة وإعادة إعمارها.
وقال ترامب في مراسم التوقيع على مجلس السلام: "ملتزمون بضمان نزع السلاح من غزة، وإعادة بنائها بشكل جميل".
ويطرح دبلوماسيون غربيون علامات استفهام كثيرة حول مبادرة ترامب، بما في ذلك المكان الذي سيُتخذ كمقر، والوضع القانوني الذي سيتمتع به مجلس السلام.
ويبدو أن تساؤلات الغربيين هذه ليست ضمن أجندة الرباط في الوقت الراهن، إذ يشرح الصنايبي في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن المغرب وقع 1,200 اتفاقية اقتصادية مع 50 دولة إفريقية.
ويضيف أن لدى المملكة شراكات دينية وعسكرية وإدارية مختلفة في القارة السمراء، "تتطلع لحمايتها وتحصينها من خلال تحالفها الإستراتيجي مع ساكن البيت الأبيض الحالي".