في ظل توسع رقعة التصعيد العسكري الإسرائيلي الإيراني، تعود قضية الملاجئ والغرف الآمنة إلى واجهة الأحداث، ولكن هذه المرة في خضم معارك ضارية وضربات صاروخية متبادلة، ليس كمجرد بنية تحتية دفاعية، بل كملف ساخن يكشف هشاشة الأمن المدني في قلب المعركة.
بصورة يومية، يهرع ملايين الإسرائيليين إلى هذه الملاجئ، بحثًا عن الأمان مع كل صفارة إنذار. وتكشف الأيام الأخيرة عن واقع معقّد ومثير للقلق بالنسبة للإسرائيليين، بشأن مدى جاهزيتها وفاعليتها في مواجهة الترسانة الصاروخية الإيرانية المتطورة.
ويتوزع واقع الملاجئ اليوم، بين قصص نجاتها وأخرى عن فشلها الذريع، وسط اتهامات بالإهمال والعنصرية، وفجوات تحصين تهدد حياة ثلث الإسرائيليين.
حادثة بيت شيمش
وتشكل حادثة اختراق الصاروخ الإيراني للملجأ العمومي في مستوطنة "بيت شيمش" غربي مدينة القدس يوم الأحد الماضي، نقطة تحوّل رئيسية في سير المعارك النفسية والميدانية، حيث إنّ قادة الجبهة الداخلية عبّروا عن قلقهم من "أن يصاب الجمهور بيأس الملاجئ، والتوقف عن التراكض نحوها عند سماع صفارات الإنذار"، وهذا لأنها لم تعد آمنة.
وتعقيبًا على ذلك، يفيد الأكاديمي والمحلل العسكري والسياسي روني شاكيد، خلال حديثه لمنصة "المشهد"، بأنّ "هناك إقرارًا واضحًا من قبل المسؤولين في إسرائيل، بأنّ الملاجىء غير مصمّمة لتحمّل الضربات المباشرة بالصواريخ الثقيلة، حيث إنّ الملاجىء العامة لا توفر سوى نسبة ضئيلة من الحماية المطلوبة، فيما تؤمن الملاجئ المشتركة داخل المباني، الحماية لقرابة 28% من الإسرائيليين".
ويضيف: "إحصائيات رسمية تؤكد بأنّ أكثر من 27% لا تتوافر لديهم وسيلة للاحتماء داخل بنية محصّنة، وقرابة 16% من الملاجئ العامة هي أصلًا غير صالحة للاستخدام الآدمي، وهذا يعني أنّ ثلثي الملاجئ غير جاهزة فعليًا لحالات الطوارئ".
ويؤكد شاكيد لـ"المشهد"، بأنّ الملاجىء والغرف المحصّنة غير مهيّأة لمثل هذه السيناريوهات، ولم تخطّط وتُبنى لتحمّل صاروخ يحمل مئات الكيلوغرامات من المتفجرات، ونعم يمكن أن نتوقع منها تقليل الخسائر، ولكن ليس منعها بالكامل". ويتابع:
- من الناحية العسكرية، كشفت عن قدرة الصواريخ الإيرانية على الالتفاف على منظومات الدفاع الجوي المتطورة واختراق الملاجئ المحصنة، وفجرت النقاش مجددًا في إسرائيل حول التمييز في توزيع وسائل الحماية بين الأحياء الغنية والفقيرة.
- من الناحية النفسية، فقد هزت ثقة الجمهور بمنظومة الملاجئ، ما دفع الجبهة الداخلية للقلق من يأس الملاجىء.
- من الناحية السياسية، وضعت الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط شعبي متزايد، تجلّى في رشق سيارة قائد الجبهة الداخلية بالحجارة.

حصون من ورق تحت النيران الإيرانية
وحذّر مهندسون وخبراء إسرائيليون، من أنّ "الملاجئ العامة والغرف المحصّنة داخل المنازل، غير مصمّمة لتحمّل إصابات صاروخية مباشرة"، وكشفت معطيات رسمية عن فجوات كبيرة في منظومة التحصين المدني، فقرابة 3 آلاف ملجأ من أصل 12 ألفًا، لم تعد صالحة للاستخدام، بسبب الإهمال من قبل البلديات المسؤولة عن صيانتها، وما يقارب ثلث السكان الإسرائيليين لا يملكون وصولًا إلى ملجأ أو غرفة محصّنة مطابقة للمعايير، خصوصًا في المدن والأحياء القديمة.
وفي هذا الشأن، يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات لمنصة "المشهد"، إنّ "منظومة الملاجىء في إسرائيل كبقية الدول، هي منظومة مستحدثة بهدف تقليل الخطر المباشر وليس منع حدوثه، وجزء منها مرتبط بحالة التهويل النفسي للمجتمعات، وجزء لدعم وتعزيز الجبهة الداخلية في إسرائيل، لأنها تقوم على مبدأ النزاع، وتحاول توفير بيئة نفسية في مفهوم الحماية من خلال بناء الملاجىء والغرف والأماكن المحصّنة، وهي بطبيعتها ضمن مواصفات اعتيادية".
ويضيف: "اليوم القدرات العسكرية لخصوم إسرائيل تفوق هذه المواصفات وتغلبت عليها، بالتالي البنية الهندسية وطبيعة هذه الملاجىء، لا تستطيع أن توفر الحماية وهي تحاول تقليل نسبة الضرر المباشر".
ويلخص الخبير بالشؤون الإسرائيلية بشارات لـ"المشهد"، التحديات التي تواجه الملاجىء وغرف التحصين في إسرائيل تحت القصف الإيراني:
- أولًا، عدم القدرة على تحمّل الضربات المباشرة، بفعل ضعف التصميم وتحمّل الصواريخ البالستية.
- ثانيًا، الإهمال المتراكم، والملاجىء غير الصالحة التي تفتقر للصيانة والنظافة.
- ثالثًا، الفجوة الطبقية والتمييز الاجتماعي، فالفقراء يركضون لملاجىء مغلقة ومتهالكة، والأغنياء يمتلكون ملاجىء فاخرة داخل منازلهم.
- رابعًا، البنية التحتية غير المجهزة، والتي تعاني نقصًا حادًا في التهوية والإضاءة والعديد من المستلزمات.
- خامسًا، عدم الجهوزية لتهديدات متعددة، حيث إنّ الصواريخ البالستية الإيرانية متطورة من حيث الدقة والقدرة على المناورة والالتفاف على الدفاعات الجوية.

التحصين الطبقي في ملاجىء إسرائيل
وفي مشهد يعكس الوجه الآخر للمجتمع الإسرائيلي، كشفت الحرب الحالية مع إيران عن فجوة صارخة في توزيع وسائل الحماية بين الأغنياء والفقراء، فبينما يتمتع سكان الأحياء الراقية بغرف محصّنة داخل شققهم الفاخرة، يجد سكان الأحياء الفقيرة والبلدات المهمّشة أنفسهم أمام ملاجئ عمومية مهملة، بعضها مغلق وبعضها الآخر تحوّل إلى "مكبات نفايات".
وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي يسرائيل حسون، لمنصة "المشهد"، إنّ "الانتقادات التي تطال ملف الملاجىء، لم تقتصر على الجوانب الهندسية فحسب، بل امتدت لتطال البعد الاجتماعي، حيث فجرت أزمة الملاجئ النقاش مجددًا حول التمييز العنصري في المجتمع الإسرائيلي، ففي الأحياء القديمة والمهملة في مدن مثل عسقلان وأسدود ويافا، تعاني الملاجئ من الإغلاق والإهمال والتخريب على مدار العام، وخلال الحرب تتفاقم هذه المشكلات لتتحول إلى معاناة شديدة، فنحن لدينا، تمييز طبقي، وعرقي وجغرافي، وهذا فشل تخطيطي وإداري".