تراقب الفصائل الفلسطينية بمسمّياتها المتعددة، التطورات المتسارعة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بعين القلق والترقب، فطهران التي لطالما كانت ملاذًا أمنًا لقيادات تلك الفصائل، بل وداعمًا ماديًا ولوجستيًا لها، تقف اليوم أمام مفترق طرق مصيري في تاريخها.
وعلى ما يبدو فإنّ مستقبل تلك الفصائل وخصوصًا تلك المرتبطة منها بعلاقات وطيدة مع طهران، مثل "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، بات مرتبطًا بشكلٍ وثيق بنتائج الحرب الدائرة رحاها في هذه الأثناء.
وبحسب مراقبين، فإنّ هناك توجسًا عميقًا يسيطر على تلك الفصائل، التي ترى أنّ انهيار النظام الإيراني يمثل تهديدًا وجوديًا لعمقها الإستراتيجي.
ولا شك فإنّ من أبرز وأهم الأهداف التي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيقها في حربهما الدائرة في هذه الأثناء، هو قطع الدعم الذي يقدمه النظام الإيراني الحالي لأذرعه داخل المنطقة، والتي من بينها الفصائل الفلسطينية بجانب "حزب الله" اللبناني و"الحوثيين" في اليمن.
تأثير وقع الحرب الإيرانية على الفصائل الفلسطينية
الضربات العسكرية التي يتعرض لها النظام الإيراني في الوقت الحالي من قبل واشنطن وتل أبيب، والمستمرة منذ ما يزيد عن أسبوع، رافقها تساؤلات عديدة حول مستقبل الفصائل الفلسطينية خصوصًا حركتَي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" اللتين تتلقيان دعمًا ماليًا وعسكريًا مباشرًا وعلنيًا من طهران.
وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني الدكتور نزار نزال، في تصريحات لمنصة "المشهد"، أنّ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ستكون لها تداعيات كارثية للغاية على الفصائل الفلسطينية، كون إيران ستفقد قدرتها على تمويل تلك الفصائل بسبب الانهيار الاقتصادي والضعف الذي سيصيب النظام الإيراني، ما يترك "حماس" و"الجهاد" من دون غطاء لوجستي أو مالي.
وأشار إلى أنه في ما لو نجحت الحرب الدائرة في إسقاط النظام الإيراني الحالي، فإنّ الجبهات كافة التابعة لإيران ووكلائها في المنطقة، ستتضرر بشكل كبير للغاية، ولن يقف هذا الضرر عند حدّ التمويلات المادية فقط، بل سيمدد ليشمل ضعف القدرات العسكرية لتلك الجبهات المرتبطة بالنظام الإيراني، حيث من المتوقع أن تدفع ثمنًا باهظًا خلال الفترة المقبلة، بسبب ما يحدث في الداخل الإيراني.
تحديات وجودية
ولفت نزار إلى أنه في حال انقطع الدعم الإيراني عن الفصائل الفلسطينية، فستواجه تحديات تتعلق بوجودها، ومن الممكن أن يصل الأمر إلى اختفاء وتلاشي تلك الفصائل إلى حد كبير، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنّ حركة "الجهاد الإسلامي" على وجه التخصيص، ستكون هي المتضرر الأكبر وستذوب كليًا، نظرًا لاعتمادها الكامل على التمويل الذي يأتيها من طهران نتيجة للعلاقات الراسخة والثابتة بينهم.
وعزا أسباب التأثير المحدود على حركة "حماس" من وقف الدعم الإيراني، إلى وجود مصادر تمويل متعددة للحركة غير الإيرانيين، كما أنها تتلقى تمويلًا من بعض القوى داخل المنطقة التي تدعمها، فضلًا عن أنه بحكم سيطرتها على غزة لسنوات، مكّنتها من خلق مشاريع استثمارية داخل وخارج القطاع، ومن ثم تمتلك من الإمكانيات التي تضمن لها البقاء، وبالتالي فإنّ التأثير على "حماس" سيكون محدودًا.
رأس حربة لمشروع إيران الإقليمي
وفي المقابل، أوضح رئيس قسم الشؤون الدولية بجريدة الأهرام المصرية أسامة الدليل، في حديثه مع "المشهد"، أنّ النظام الإيراني كان حاضرًا وبقوة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، من خلال التقارب الوثيق بعدد من الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتهم "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وذلك عبر تقديم أشكال الدعم المادي والعسكري كافة، في خطوة وفرت له ورقة جديدة يستخدمها لمصالحه وفي علاقاته مع دول العالم المختلفة، ولكي تكون رأس حربة لها في مشروعها الإقليمي.
وأوضح أنه على الرغم من الحصار الاقتصادي الخانق الذي كانت تعاني منه إيران لفترات طويلة، إلا أنها لم تتوقف عن دعم الجماعات التابعة لها داخل المنطقة، والتي من بينها الفصائل الفلسطينية، وذلك من خلال مصادر تمويلية متعددة كتجارة المخدرات وغسيل الأموال وشبكات التهريب المعقدة.
غير أنّ الدليل اختلف مع المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال، في ما يتعلق بحدوث انعكاسات سلبية قوية على الفصائل الفلسطينية التي ترتبط بشكل وثيق، على إيران، خصوصًا في ما يتعلق بالدعم المادي لها، لكنه في الوقت ذاته، لم ينفِ بشكلٍ كلي عدم حدوث ارتدادات عكسية على تلك الفصائل، ولكن توقّع أن تكون تلك الارتدادات ذات تأثير محدود فقط، نظرًا لوجود هذه الحركات والفصائل في بيئات حاضنة لها، بمعني أنه من الممكن أن تقوم هذه الفصائل بفرض ضرائب على المواطنين، أو تحصيل ما يطلق عليه الإتاوة، بجانب الإشراف على تجارة أمور معينة كالتهريب على سبيل المثال.
وأكد أنّ النظام الإيراني استفاد من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" بشكل كبير، باعتبارهما أذرعًا عسكرية له، بغضّ النظر عن اختلاف صورة العلاقة معهما، مبيّنًا أنّ التمويل يعدّ وبلا شك، من أهم الإشكاليات التي تواجه أيّ ميليشيا أو فصيل عسكري.
ما تأثير غياب إيران؟
وفي ما يتعلق بأنّ إضعاف النظام الإيراني الحالي قد يصب في مصلحة وحدة القرار الوطني الفلسطيني، أكد المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور نزار نزال، أنّ غياب الدور الإيراني عن المنطقة، سينعكس بشكل إيجابي على ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وسيشجع هذا الغياب الفصائل الفلسطينية، على الجلوس مع بعضها البعض، وستكون هناك مفاوضات بنّاءة ما بين السلطة الفلسطينية ومختلف الحركات والفصائل، ومن ثم الذهاب إلى وحدة وطنية فلسطينية.
ولفت إلى أنّ تراجع النفوذ الإيراني سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف الفصائل التي استقوت بطهران طوال الأعوام الماضية، وهو ما يعزز من مكانة السلطة الفلسطينية كمرجعية وحيدة وشرعية للشعب الفلسطيني.