إذا أسفرت الانتخابات الإسرائيلية المقبلة عن تشكيل حكومة أقل تشددا، فقد تُفتح صفحة جديدة في العلاقات الإسرائيلية السورية، إذّ ستكون لدى إسرائيل دوافع لتعزيز الاستقرار على حدودها الشمالية مع سوريا، ومواءمة سياساتها بشكل أوثق مع الأولويات الإقليمية لواشنطن، واستكشاف آفاق التعاون مع دمشق في مواجهة إيران، بحسب تحليل لصحيفة "المونيتور".
يتوجه نحو 7.3 مليون إسرائيلي إلى صناديق الاقتراع يوم الثلاثاء، 27 أكتوبر، في انتخابات قد تعيد تشكيل المشهد السياسي لواحدة من أقوى دول الشرق الأوسط، وهي انتخابات تتابع القيادة السورية نتائجها عن كثب.
ويواجه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتانياهو تحديا صعبا من قِبل رئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت، الذي يتصدر حزبه الوسطي "ياشار" استطلاعات الرأي في صفوف المعارضة.
وتبنى نتانياهو وشركاؤه في الائتلاف الحكومي من اليمين المتطرف مواقف متشددة تجاه حكومة دمشق في مرحلة ما بعد الأسد، إذّ دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في العام الماضي، إلى اغتيال الرئيس أحمد الشرع.
الانفتاح على الحوار
ورغم ذلك، يبدو الشرع منفتحا على الانخراط في حوار مع إسرائيل، حيث قد يساعد حدوث انفراجة دبلوماسية في تعزيز سيطرته على الأراضي السورية.
ويرى المحلل السياسي آرون لوند، أنه على الرغم من أن أي خطوة تتخذها الحكومة السورية نحو إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل قد تواجه معارضة داخلية وخارجية، إلا أن "وجود رابط مباشر وثنائي بين البلدين قد يكون مفيدا" لدمشق.
وأوضح لوند أن سوريا "تسعى إلى منع التصعيد وردع التوغلات الإسرائيلية، وتجنب الصراعات غير الضرورية وسوء الفهم".
وإذا أفرزت الانتخابات الإسرائيلية حكومة جديدة، أو أتاحت لنتانياهو تشكيل ائتلاف لا يضم حلفاءه الحاليين من اليمين المتطرف، فقد يجد الشرع في إسرائيل طرفا أكثر استعداداً للحوار.
ووفقا للباحث الألماني غابرييل ميتشل، فبينما يرى بعض المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الشرع لا يحظى بالثقة، يعتقد آخرون أن "فتح مسار دبلوماسي مع سوريا قد يكون أكثر جدوى".
مخاوف مشتركة
ومن بين المكاسب المحتملة، فرصة للحكومة الإسرائيلية المقبلة لتحقيق انتصار دبلوماسي، بسهولة نسبية، من خلال تحسين العلاقات مع جارتها الشمالية، في وقت لا تزال فيه إسرائيل غارقة في صراعات عبر المنطقة.
ورعت واشنطن، التي تدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق أمني إسرائيلي-سوري، 5 جولات من المحادثات بين البلدين في الفترة ما بين يوليو 2025 ويناير من العام الجاري.
ورغم أن هذه المفاوضات فتحت قناة اتصال بين الطرفين، إلا أنها فشلت في تسوية مسألة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية الجنوبية التي سيطرت عليها منذ الإطاحة بالأسد.
وإلى جانب الاعتبارات الدبلوماسية، قد يتيح التوصل إلى تفاهم مع دمشق لإسرائيل فرصة لتخفيف التوترات على حدودها الشمالية، في وقت لا يزال فيه جيشها منخرطاً في مواجهات على جبهات أخرى.
من جانبه، قال السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن إيتمار رابينوفيتش: "إذا نظرت إلى خيارات إسرائيل في المنطقة -حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، وإيران، وما إلى ذلك- ستجد أن سوريا تمثل فرصة لفتح مسار جديد في المنطقة".
قد يمتد التعاون بين سوريا وإسرائيل ليشمل معالجة المخاوف الأمنية المشتركة، خصوصا فيما يتعلق بإيران. فالعلاقات بين دمشق وطهران تشهد جموداً منذ الإطاحة بالأسد.
ويرى رابينوفيتش أن تقارباً كهذا قد يفتح الباب أمام تعاون إقليمي أوسع لمواجهة المصالح الإيرانية. ففي لبنان، تجري جهود لنزع سلاح "حزب الله" ووضع كافة الأسلحة تحت سيطرة الدولة.
القيود والتحديات
من المرجح أن يظل أي تقدم محتمل في العلاقات السورية-الإسرائيلية محدوداً؛ إذ يتفق المحللون عموما على أن المصالح الأمنية الجوهرية لإسرائيل في سوريا ستظل ثابتة، بغض النظر عن الجهة التي ستشكل الحكومة المقبلة.
ومن بين الخطوط الحمراء الرئيسية لإسرائيل في سوريا: الحفاظ على حرية تنفيذ العمليات العسكرية في الأجواء السورية، ومنع نشر أنظمة رادار ودفاع جوي متطورة قد تُقيّد العمليات الجوية الإسرائيلية.
ويؤكد ميتشل: "من غير المرجح أن تتنازل إسرائيل، بأي شكل من الأشكال، عن حرية حركتها في الأجواء السورية".
كما تُعد التوترات بين إسرائيل وتركيا عاملا آخر يزيد من تعقيد أي تقارب محتمل بين دمشق وتل أبيب. فقد بدأت العلاقات بين القوتين المتوسطيتين في التدهور عقب اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023.
ومع انهيار نظام الأسد، انتقلت هذه التوترات إلى الساحة السورية، حيث برزت أنقرة كحليف رئيسي للحكومة الجديدة، بعد أن كانت في السابق تدعم فصائل المعارضة السورية المسلحة.
ويقول ميتشل: "أي نوع من التواصل بين إسرائيل وسوريا سيشمل تركيا حتما، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر".
ومع ذلك، لدى أنقرة أسبابها الخاصة لدعم حدوث تقارب بين إسرائيل وسوريا؛ فترسيخ سيطرة الحكومة الجديدة سيساعد تركيا في الحفاظ على نفوذها داخل سوريا، كما أن تعزيز الاستقرار قد يشجع المزيد من اللاجئين السوريين على العودة إلى ديارهم.
كيف يبدو مسار الانفراج؟
يرى ميتشل أن قيادة إسرائيلية جديدة قد تكون مستعدة للانسحاب من بعض الأراضي التي سيطرت عليها خارج المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، وذلك مقابل الحصول على ضمانات أمنية.
وفي معرض تبريرها لوجودها العسكري في جنوب سوريا، تشير إسرائيل إلى ضرورة إقامة منطقة عازلة للحماية من التهديدات المحتملة من جانب جماعات إسلامية، وكذلك لحماية الأقلية الدرزية في سوريا، التي تربطها علاقات دينية وعائلية وثيقة بالطائفة الدرزية في إسرائيل.
ويقول رابينوفيتش: "إذا أسفرت الانتخابات عن تشكيل حكومة إسرائيلية مختلفة، فقد تتبنى هذه الحكومة نهجا مغايرا، مما يجعل قيام علاقة جديدة بين إسرائيل وسوريا أمرا ممكنا وعمليا".
ويرى محللون أنه حتى في حال بقاء نتانياهو في السلطة وتشكيله ائتلافا جديدا يخلو من شركائه الحاليين من اليمين المتطرف، فإن الفوائد المحتملة لتحسين العلاقات مع سوريا قد تدفع نحو حدوث انفراجة مع دمشق.
ويضيف ميتشل: "لقد أظهر نتانياهو تاريخيا مرونة كبيرة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمواءمة سياساته مع المصالح الأميركية".



