وفي خطوة وُصفت بأنها تحمل دلالات سياسية وأمنية كبيرة، أعلنت الولايات المتحدة عن تصنيف "جماعة الإخوان المسلمين" في السودان، تنظيما إرهابيا عالميا، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 16 مارس.
"الإخوان" يعطلون السلام
ويأتي هذا التطور في ظل اتهامات متزايدة للجماعة بالضلوع في أعمال عنف ضد المدنيين، وبالارتباط بعلاقات مع "الحرس الثوري" الإيراني، بما يثير تساؤلات واسعة بشأن انعكاسات القرار على مسار الحرب السودانية وتوازنات القوى داخل البلاد.
وفي قراءة لهذه الخطوة، اعتبر مقرر لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة في السودان صلاح مناع في تصريحه لـ"المشهد" أن القرار يعكس "إدراكا أميركيا متأخرا" على حد قوله، لطبيعة الدور الذي تضطلع به الحركة الإسلامية في السودان.
واتهم مناع الحركة بالوقوف وراء تعطيل فرص السلام، والتسبب في أزمات ممتدة أرهقت البلاد لعقود.
وقال إن تعنت هذه الجماعة ورفضها للتسوية، كانا من بين الأسباب الرئيسية التي دفعت إلى صدور هذا التصنيف.
ورأى مناع أن القرار يمثل تحولا مهما في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية، موضحا في تصريحه لـ"المشهد" أن تصنيف الجماعة تنظيما إرهابيا من شأنه، بحسب تقديره، أن يفضي إلى تضييق الخناق على شبكات التمويل والدعم التي تستند إليها، سواء من رجال أعمال أو من أطراف إقليمية، وهو ما قد ينعكس مباشرة على مجريات الحرب ويُضعف القدرة على إطالة أمدها.
وفيما يتعلق بتأثير القرار على موازين القوى داخل السودان، قال مناع إن هذا التطور مرشح لإحداث اختلال واضح في مراكز النفوذ، خصوصا في ظل اتهامات متكررة للحركة الإسلامية بالتأثير في المؤسسة العسكرية وتوجيه مسار الصراع.
وأضاف أن أي استمرار في تقديم الدعم لهذه الجماعة من أطراف خارجية سيجعل تلك الجهات عرضة للمساءلة، معتبرا أن ذلك قد يدفع بعض الدوائر الداعمة إلى التراجع.
"سرطان" الجسم السوداني
وتطرق مناع إلى ما وصفه بتغلغل الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة منذ عام 1989، قائلا إن نفوذها لم يقتصر على المجال السياسي، بل امتد إلى الجهاز الإداري والمؤسستين العسكرية والأمنية.
وأشار إلى أن هذا النفوذ ظل قائما حتى خلال الفترة المدنية، وأن البنية المؤسسية في السودان ظلت، في جزء كبير منها، خاضعة لتأثير هذا التنظيم.
وفي تعليقه على مضمون فيديو مسرب نُسب إلى القيادي الإخواني عثمان محمد يوسف كبر، ويتحدث فيه عن دور التنظيم في قيادة المشهد العسكري ودعم عبد الفتاح البرهان، قال مناع إن ما ورد في التسجيل لا يخرج، بحسب رأيه، عن واقع كان معروفا لدى القوى المدنية خلال المرحلة الانتقالية.
واعتبر أن البرهان لم يكن، وفق هذا الطرح، فاعلا مستقلا، بل جزءا من شبكة أوسع مرتبطة بجماعة "الإخوان".
كما أعاد مناع التأكيد على أن نظام عمر البشير، وفق توصيفه، قام على هيمنة مدنية إسلامية على القرار العسكري والأمني.
وأشار إلى أن هذا النمط من السيطرة استمر بأشكال مختلفة حتى بعد سقوط النظام. وأكد أن الحرب الجارية تُدار، في أحد أوجهها، بما يخدم عودة الإسلاميين إلى واجهة السلطة.
إيران في الكواليس
وبخصوص أثر التصنيف الأميركي على خفض العنف، رأى مناع أن القرار قد لا يوقف التصعيد فورا، مرجحاً أن تلجأ "جماعة الإخوان" إلى مزيد من التشدد في المدى القريب، لكنه أشار في المقابل إلى أن تجفيف الموارد المالية وفرض عقوبات على الأفراد والجهات المرتبطة بها قد يسهمان في تقليص زمن الصراع وفتح نافذة أمام السلام.
وعلى مستوى البعد الإقليمي، قال مناع إن العلاقة بين الحركة الإسلامية السودانية وإيران تعود، إلى مطلع التسعينيات، وتطورت عبر تعاون عسكري وصناعي.
وأضاف أن هذه العلاقة شهدت انقطاعا ثم عادت في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى ما قال إنه دعم عسكري وتسليحي مرتبط بالحرب الدائرة منذ أبريل 2023.
وختم مناع بالقول إن القرار الأميركي يبعث برسالة واضحة إلى القوى السياسية السودانية، وخصوصا القوى المدنية، مفادها أن المرحلة المقبلة قد تتيح فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي على أسس جديدة.
ودعا في هذا السياق إلى توحيد صفوف القوى المدنية، من أجل الدفع نحو مسار مدني ديمقراطي، يعقب توقف الحرب واستعادة الاستقرار.