على الرغم من أن النظام الإيراني خرج من الحرب الأخيرة محتفظا ببقائه، فإن التحدي الأكبر الذي يواجهه اليوم لا يتمثل في خصومه الخارجيين، بل في قدرته على ترميم علاقته مع المجتمع الإيراني الذي أنهكته سنوات من الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية.
إرث الحرب والأزمة الاقتصادية
وبحسب تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، خلفت الحرب أضرارا واسعة في البنية التحتية والاقتصاد، فيما تشير التقديرات الرسمية إلى فقدان نحو مليوني شخص وظائفهم.
وتزامن ذلك مع ارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية بلغت 77% ما فاقم معاناة الإيرانيين الذين تراجعت مستويات معيشتهم بشكل حاد خلال العقد الماضي بفعل العقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية.
وعلى الرغم من أن إسقاط النظام كان من بين الأهداف التي طُرحت في بداية الحرب من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، فإن الأحداث أظهرت قدرة طهران على الصمود حتى بعد مقتل عدد من كبار القادة والمسؤولين.
ومع انتهاء المواجهة العسكرية، تجد القيادة الجديدة نفسها أمام ضغوط متناقضة بين تيار محافظ يتمسك بمبادئ الثورة ومجتمع يتطلع إلى تحسين أوضاعه المعيشية وتخفيف القيود السياسية.
تحولات سياسية
أدت الهجمات على إيران واستهداف مناطق مدنية إلى موجة من التضامن الوطني في بلد يعاني انقسامات داخلية عميقة.
ويرى محللون أن الشعور السائد بين الإيرانيين هو أن بلادهم خرجت من الحرب منتصرة، وهو ما عزز التماسك الداخلي بصورة غير مسبوقة.
ويؤكد أكاديميون ومراقبون أن الحرب دفعت كثيرا من الإيرانيين إلى إعادة النظر في مواقفهم من الغرب، خصوصا بعد سنوات من الرهان على تدخل خارجي لإحداث تغيير سياسي.
وبرزت دعوات داخلية لتبني مسارات إصلاح تدريجية تنطلق من المجتمع نفسه بدلا من الرهانات على تغيير جذري قد يقود إلى الفوضى أو التدخلات الأجنبية.
في المقابل، أحدثت مفاوضات السلام الأخيرة مع الولايات المتحدة إعادة تموضع داخل المشهد السياسي الإيراني، حيث تولى شخصيات محسوبة على التيار المحافظ إدارة المباحثات، بينما حظي الاتفاق بدعم علني من الحرس الثوري.
ويعكس ذلك تراجع الحدود التقليدية بين المحافظين والإصلاحيين في ظل أولوية التعافي الاقتصادي.
فرصة للإصلاح أم عودة للأزمة؟
يحمل الاتفاق الإطاري المبرم بين طهران وواشنطن آمالا بتحسين الوضع الاقتصادي عبر تخفيف الضغوط المالية وفتح الباب أمام تدفقات استثمارية وأموال مخصصة لإعادة الإعمار، إلا أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تبقى مرتبطة بمفاوضات أكثر تعقيدا حول البرنامج النووي الإيراني.
وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي أعقبت الحرب، يشكك كثيرون في استعداد النظام لاستثمار لحظة الوحدة الوطنية لإجراء إصلاحات حقيقية.
ويرى خبراء أن استمرار التضامن الذي ولدته الحرب مرهون بتحسن الأوضاع الاقتصادية، محذرين من أن عودة الأزمات المعيشية قد تعيد التوتر التقليدي بين الدولة والمجتمع.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأهم أمام طهران: هل تستطيع تحويل التماسك المؤقت الذي فرضته الحرب إلى عقد اجتماعي أكثر استقرارا مع مواطنيها؟