بعد عامين على اغتيال الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصرالله في الضاحية الجنوبية لبيروت في 27 سبتمبر 2024، تكشف رواية إسرائيلية تفاصيل جديدة عن المسار الذي سبق الضربة، بدءا من استهداف عدد من أبرز قادة الحزب، مرورا باختراقات طالت بنيته واتصالاته، وصولا إلى العملية التي أنهت حياة نصرالله داخل مجمّع تحت الأرض.
وبحسب الرواية التي أوردتها صحيفة "جيروزاليم بوست"، فإنّ "حزب الله" لا يزال بعد عامين يحاول إعادة بناء هيكله القيادي وقدراته العسكرية وموقعه الإستراتيجي، بعدما فقد نصرالله وعددا كبيرا من قادته، وتضررت أجزاء من منظومته العسكرية والقيادية.
القرار الأخير
في 27 سبتمبر 2024، اتجه نصر الله إلى مجمّع تحت الأرض في الضاحية الجنوبية لبيروت، أسفل مبنى سكني متعدد الطوابق، رغم أنّ مصادر مطلعة على تحركاته وترتيبات حمايته قالت إنّ خيارات أكثر أمنا كانت متاحة أمامه في ذلك اليوم.
وبعد وصوله بفترة قصيرة، بدأت العملية الجوية الإسرائيلية التي استهدفت الموقع.
وكشف ضابط احتياط إسرائيلي، عرّفت عنه الصحيفة بالحرف "س"، وكان مسؤولا عن تدريب القوات على تحديد الأهداف في وحدة تابعة لسلاح الجو، أنّ عشرات القنابل استُخدمت لضرب الموقع.
وكانت مديرية الاستخبارات الإسرائيلية قد أعلنت سابقا أنّ الضربة على المخبأ نُفذت باستخدام 83 قنبلة بصورة متزامنة.
لكنّ الرواية الإسرائيلية تعتبر أنّ الوصول إلى نصر الله كان نهاية لمسار بدأ قبل يوم اغتياله بفترة طويلة.
ونقل التقرير أنّ استهداف قادة ميدانيين بارزين في "حزب الله"، أدى تدريجيا إلى خسارة شبكات من المعلومات والخبرات والعلاقات العملياتية التي راكمها هؤلاء على مدى سنوات.
ومن بين الأسماء التي أشار إليها التقرير، سامي طالب عبد الله، وإبراهيم عقيل، ووسام الطويل، معتبرا أنّ خسارة كل قائد لم تكن مرتبطة بشخصه فقط، بل بالمعلومات التي كان يمتلكها بشأن مخازن الأسلحة وأساليب العمل والتحركات والخطط والعلاقات داخل التنظيم.
وبحسب المصادر التي استند إليها التقرير، تحوّل نظام توزيع المعلومات بين مستويات الحزب، الذي صُمم أساسا لتقليل مخاطر الاختراق، إلى مشكلة عند مقتل القادة، إذ لم يكن خلفاؤهم يحصلون بالضرورة على كامل المعلومات والشبكات التي كانت بحوزة من سبقهم.
غرف العمليات
ومع تتابع عمليات الاغتيال، تحدثت المصادر التي استند إليها التقرير، عن اضطراب داخل غرف عمليات "حزب الله"، وقرارات اتُخذت بصورة مرتجلة، بالتزامن مع تصاعد الشكوك بشأن حجم الاختراق الإسرائيلي.
ورغم ذلك، تقول الرواية إنّ نصر الله ظل يعتقد أنّ قدرات "حزب الله" وقوة الردع التي راكمها التنظيم، ستمنع إسرائيل من التوجه نحو حرب واسعة.
ويشير التقرير إلى أنّ شكوك نصر الله بشأن عمق الاختراق الإسرائيلي، بدأت تتزايد بعد اغتيال صالح العاروري في يناير 2024، ثم مقتل وسام الطويل.
وبحسب الروايات اللبنانية الواردة فيه، لم يكن نصر الله يتوقع العمليتين، ما دفع "حزب الله" إلى مراجعة شبكات اتصالاته والبحث عن ثغرات أمنية محتملة.
ومع استمرار الاغتيالات، تصاعدت حالة الحذر والشك داخل الحزب، بالتزامن مع محاولات تحديد الطرق التي مكّنت إسرائيل من الوصول إلى عدد من قادته.
هجوم البيجر
ثم جاءت عملية تفجير أجهزة النداء "البيجر"، التي شكلت، بحسب وفيق صفا، أحد المقربين من نصر الله، نقطة تحوّل كبيرة في حالته خلال أيامه الأخيرة.
ونقل التقرير عن صفا قوله، إنّ نصر الله بدا بعد العملية "شخصا مختلفا"، بعدما شاهد صور المصابين وتلقى المعلومات المتعلقة بأعداد الضحايا وحجم الاختراق.
ووصف صفا العملية بأنها اختراق استخباراتي إسرائيلي، وقال إنّ نصر الله تأثر بشدة بما حدث، إلى درجة أنه توقّف تقريبا عن تناول الطعام لفترة واكتفى بصورة أساسية بالماء.
تحركات نصرالله
وعلى خلاف الصورة التي ترسخت لسنوات عن إقامة نصر الله الدائمة داخل الملاجئ، قال الضابط الإسرائيلي إنّ تحركاته كانت أكثر تعقيدا.
ووفق روايته، تابعت إسرائيل نصر الله لفترة طويلة، وكان لديها معلومات عن شقق يستخدمها ومنزل زوجته، والمواقع التي يمكن أن ينتقل إليها في حالات الطوارئ.
وأضاف أنّ نصر الله لم يكن يمضي كل وقته تحت الأرض، مشيرا إلى أنه أقام في بعض الفترات داخل شقة في مبنى سكني بالضاحية، مع إمكانية الوصول سريعا إلى موقع محصن.
وزعم الضابط أنّ إسرائيل أعدت خططا لاستهداف نصر الله في المواقع المختلفة التي يمكن أن يلجأ إليها، قائلا إنّ لكل مبنى وملجأ خطة هجوم مناسبة.
خطة لما بعد الضربة
ولم يقتصر التخطيط، وفق رواية الضابط، على إصابة الموقع، بل شمل أيضا ما يمكن أن يحدث في الساعات التالية للغارة.
وقال إنه استفسر مسبّقا عن الوقت الذي يمكن أن يحتاجه فريق إنقاذ محترف للوصول إلى أشخاص عالقين تحت دمار بهذا الحجم، وتلقى تقديرا بنحو 6 ساعات.
وأضاف، أنّ التخطيط الإسرائيلي استهدف منع عمليات الإنقاذ في الموقع لمدة أطول، لضمان عدم نجاة نصر الله في حال لم تؤدّ الضربة المباشرة إلى مقتله.
وبحسب روايته، رصد الجيش الإسرائيلي بعد القصف، دراجة نارية تصل إلى المكان وأشخاصا يحاولون الاقتراب عبر نفق، قبل وصول جرافة لإزالة الأنقاض، قال إنها تعرضت لضربة.
وأضاف، أنّ جرافة ثانية وصلت لاحقا ودُمرت أيضا، ولم تصل ثالثة.
فراغ في القيادة
وبعد اغتيال نصر الله، دخل "حزب الله" مرحلة جديدة في إعادة ترتيب قيادته.
وقُتل هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز المرشحين لخلافة نصر الله، بعد أيام، قبل أن يتولى نعيم قاسم قيادة الحزب لاحقا.
وتقول تقديرات لمسؤولين دفاعيين إسرائيليين نقلها التقرير، إنّ قاسم لم يتمكن من إعادة "حزب الله" إلى مستوى القوة الذي كان عليه قبل الحملة الإسرائيلية، وهي قراءة إسرائيلية لحالة التنظيم وليست تقييما مستقلا.
كما خسر الحزب خلال الحرب عددا من أبرز قياداته الأمنية والعسكرية، بينهم فؤاد شكر وهيثم علي طباطبائي، فيما تضررت، بحسب التقديرات الإسرائيلية، منظومات القيادة والسيطرة على مستويات مختلفة.
ويشير التقرير إلى أنّ الضربات لم تتوقف عند استهداف القيادات، بل طالت مواقع وبنية تحتية عسكرية راكمها "حزب الله" على مدى سنوات.
ومن بين المواقع التي أشار إليها، مجمّع إستراتيجي في تلة علي طاهر، قال التقرير إنه شُيد على مدى نحو عقدين، وتضمن شبكة أنفاق صُممت لأغراض دفاعية وهجومية.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، سيطر الجيش الإسرائيلي على شبكة الأنفاق في الموقع قبل أن تدمرها قوات الهندسة، في ضربة جديدة لبنية عسكرية كانت تُعد جزءا من العمق العملياتي للحزب.
ضغوط سياسية وإقليمية
ويرى التقرير أنّ التحديات التي يواجهها "حزب الله" بعد عامين من اغتيال نصر الله، لم تعد عسكرية فقط، بل امتدت إلى البيئة السياسية والإقليمية المحيطة به.
ويورد في هذا السياق تقييمات إسرائيلية بشأن علاقته بإيران، والتطورات السياسية داخل لبنان، إلى جانب التحولات التي شهدتها سوريا بعد وصول السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
وفي ضوء هذه المتغيرات، يرى مسؤولون إسرائيليون، أنّ "حزب الله" لا يرغب حاليا في خوض مواجهة شاملة، بينما يواصل العمل على إعادة بناء ما خسره من قيادة وقدرات وبنية عسكرية.
وبعد عامين على الضربة التي أنهت قيادة نصر الله الممتدة لأكثر من 3 عقود، يقدم التقرير الإسرائيلي صورة لحزب فقَد إلى جانب أمينه العام، جيلا من القادة وأجزاء من بنيته العسكرية، ولا يزال يعمل على إعادة تشكيل نفسه في مرحلة مختلفة عن تلك التي سبقت 27 سبتمبر 2024.


