لا تزال الوقائع الميدانية والسياسية في غزة تتسارع كما تبدو مرشحة لتطورات متفاوتة، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، خصوصًا في ظل توسع السيطرة الإسرائيلية على القطاع، من جهة، واستمرار حركة "حماس" إعادة التموضع عسكريًا وتنظيم صفوفها فضلًا عن رغبتها في البقاء ضمن الهيكل الإدارة والأمني لغزة، من جهة أخرى.
معضلات ما بعد اتفاق غزة
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر العام الماضي الذي تم تدشينه في مدينة شرم الشيخ المصرية برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعادت إسرائيل انتشار قواتها عند حدود المنطقة التي تُعرف بـ"الخط الأصفر"، مع احتفاظها بالسيطرة على نحو 53% من مساحة القطاع. إلا أن الجيش الإسرائيلي وسّع نطاق انتشاره، مؤخرًا، وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو امتداد سيطرته لقرابة 60% من القطاع، مع سعيه إلى رفع هذه النسبة إلى 70%.
وفي ما يبدو أن بنود اتفاق وقف إطلاق النار تواجه معضلات جمّة، حيث إن إسرائيل ترفض استكمال الانسحاب قبل نزع سلاح "حماس".

%70 من غزة تحت السيطرة
ومن اللافت أن هناك تقديرات أمنية في إسرائيل، تؤشر إلى سيطرة عملياتية للجيش الإسرائيلي على 70% من غزة، موضحة أن نطاق التوسع الإسرائيلي يبدو مرشحًا للزيادة في الفترة المقبلة بفعل استمرار العمليات التي تباشر في تنفيذها القوات الإسرائيلية في عدة مناطق بالقطاع.
فيما حذرت التقديرات ذاتها من مواجهات محتملة عسكريا بين إسرائيل وحركة "حماس" في ظل نشاط الأخيرة المتزايد لتقوية صفوفها وتعبئة عناصر جديدة، وقد تكبدت خسائر فادحة خلال الحرب سواء على مستوى مقتل عناصرها وقادتها، أو فقدان مساحات كانت تقع تحت نفوذها وسيطرتها.

التهديدات الإسرائيلية
وفي حديثه لمنصة "المشهد" قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس جهاد الحرازين، إن التهديدات الإسرائيلية المتواصلة بتوسيع نطاق السيطرة العسكرية داخل قطاع غزة لم تعد تقتصر على الوصول إلى نسبة 70% من مساحة القطاع، بل تشير الوقائع الميدانية إلى أن إسرائيل تمضي تدريجيًا نحو فرض سيطرة أوسع على أراضٍ إضافية.
وأوضح الحرازين أن القوات الإسرائيلية تسيطر فعليًا على أكثر من 65% من مساحة القطاع، فيما تتحدث تقارير أميركية عن تمدد إسرائيلي متدرج داخل غزة، وسط غياب أي تحرك فاعل من الجهات الدولية المعنية بمراقبة تنفيذ التفاهمات والاتفاقات الخاصة بالقطاع.
وأضاف أن هذا التوسع يجري في ظل انشغال الإدارة الأميركية بملفات إقليمية أخرى أكثر إلحاحا، وفي مقدمتها الملف الإيراني وملف "حزب الله"، اللذان يشهدان تداخلات وتعقيدات تدفع باتجاه ترتيبات تهدئة محتملة، في حين يبقى مستقبل قطاع غزة مفتوحًا على احتمالات غير واضحة وغامضة.
مستقبل "حماس"
وفيما يتعلق بـ"حماس" ومستقبل الأوضاع، رأى الحرازين أن الحركة لا تزال تواجه صعوبات في إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، مشيرًا إلى أن جولات الحوار التي عُقدت في القاهرة شهدت موافقة الحركة على تسليم الملف الأمني إلى لجنة وطنية لإدارة غزة وقوة استقرار دولية والشرطة الفلسطينية، ضمن إطار يقوم على مبدأ وحدة السلاح ووحدة المرجعية الأمنية.
وتابع: "المقترحات المطروحة تضمنت مشاركة موظفين وعناصر من "حماس" ضمن النواة التي ستُشكّل منها الشرطة الفلسطينية، باعتبار أنهم جزء من الواقع الإداري والأمني القائم في القطاع، وهو ما من شأنه أن يبقي للحركة نفوذًا وتأثيرًا في المشهد الداخلي".
وأكد الحرازين أن إسرائيل رفضت هذه الطروحات، معتبرًا أن نتانياهو، الذي لم يحقق النتائج التي كان يطمح إليها في الملفين اللبناني والإيراني، لن يكون مستعدًا لتقديم تنازلات في ملف غزة، بل سيحاول توظيفه لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
مساعي نتانياهو
كما حذر أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس من أن سعي نتانياهو إلى تغيير المعادلات القائمة قد يدفع الفلسطينيين إلى تحمل كلفة إضافية، وأن يتحول قطاع غزة إلى ساحة "لتسجيل إنجاز سياسي أو عسكري" يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى استثماره خلال الانتخابات المقبلة المقررة خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وأضاف أن ملف غزة يبقى، من وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، الساحة الأكثر قابلية للتوظيف الانتخابي مقارنة بالملفات الإقليمية الأخرى، الأمر الذي يزيد من حالة الغموض المحيطة بمستقبل القطاع.
وعليه، يقول المصدر ذاته إن الجهود الدبلوماسية ما تزال مستمرة عبر الوساطة المصرية والقطرية والتركية، موضحًا أن اجتماعات استمرت نحو 3 أسابيع بمشاركة الفصائل الفلسطينية وشخصيات وطنية مستقلة انتهت إلى صياغة مقترح معدّل يستند إلى المبادرات المطروحة سابقًا بشأن إدارة المرحلة المقبلة في غزة.
وختم الحرازين حديثه قائلا إن هذا المقترح نُقل إلى الأطراف المعنية، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن طبيعة الرد عليه ستحدد بالتبعية مسار المرحلة المقبلة، حيث إنه في حال "جاء الرد إيجابيا فسيعني ذلك الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات، أما إذا كان سلبيا أو غامضا، كما جرت العادة، فإن المنطقة ستدخل جولات جديدة من المفاوضات التي قد لا يكون هدفها سوى كسب الوقت إلى حين انتهاء الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي".
تأثير حرب إيران ولبنان
من جهته، قال القيادي في حركة فتح أيمن الرقب إن الحكومة الإسرائيلية لا تزال تسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر وتصعيد مستمر، حيث إن نتانياهو يحاول الإبقاء على "جبهة غزة مشتعلة" بعد أن بدأت جبهات إقليمية أخرى تتجه نحو التهدئة.
وأوضح الرقب لـ"المشهد"، أن التفاهمات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الضغوط الأمريكية الرامية إلى تثبيت التهدئة على الجبهة اللبنانية، دفعت نتانياهو إلى البحث عن ساحة أخرى للحفاظ على حالة الاشتباك والتوتر، مشيرًا إلى أن غزة يبدو الخيار الأكثر حضورا في هذا السياق.
وتابع: "نتانياهو يواجه تحديات سياسية وانتخابية داخلية متزايدة، خصوصًا في ظل استطلاعات الرأي التي أظهرت تقدماً لمنافسين بارزين، من بينهم رئيس الأركان الإسرائيلي السابق هرتسي هاليفي ورئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، الأمر الذي يضع الائتلاف الحاكم أمام ضغوط متصاعدة".
الانتخابات الإسرائيلية
وبحسب الرقب، فالانتخابات الإسرائيلية غالبًا ما تشهد مزايدات سياسية وأمنية تقوم على استقطاب أصوات اليمين المتطرف والمستوطنين، وهو ما يدفع العديد من الأحزاب إلى تبني مواقف أكثر تشددا تجاه الفلسطينيين، موضحا: "استمرار الحرب أو إبقاء إحدى الجبهات مفتوحة يخدم الحسابات الانتخابية لنتانياهو في هذه المرحلة".
وفي ما يخص خطة الرئيس ترامب بشأن غزة، قال القيادي في حركة فتح إن الخطة لا تزال تراوح مكانها، لافتا إلى أن تفاصيلها لم تكن واضحة منذ الإعلان عنها، وأن المراحل التنفيذية التي طُرحت لم تشهد تقدما حقيقيا حتى الآن.
ثم أشار إلى أن المرحلة الأولى اقتصرت، عمليا، على ملف الأسرى الإسرائيليين، في حين استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية والقصف اليومي داخل القطاع، بالتزامن مع توسيع نطاق السيطرة الميدانية الإسرائيلية من "الخط الأصفر" إلى ما بات يُعرف بـ"الخط البرتقالي"، وصولًا إلى تصريحات نتانياهو الأخيرة بشأن السعي للسيطرة على أكثر من 70% من مساحة غزة.
كما ألمّح الرقب إلى أن تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير تعكس توجهًا واضحًا نحو مواصلة فرض السيطرة الإسرائيلية على القطاع، ومن ثم، استمرار العمليات العسكرية تحت عنوان استهداف البنية العسكرية لحركة "حماس".
نزع سلاح "حماس"
وفي حين تبدو إسرائيل متمسكة بشرط نزع سلاح "حماس" قبل أي انسحاب إضافي من غزة، فإن الحركة تصر على البقاء ضمن المشهد السياسي والإداري في القطاع، حيث تسعى خلال المفاوضات لضمان استيعاب موظفيها المدنيين والعسكريين وتأمين رواتبهم، فضلا عن الحفاظ على نفوذها من خلال الهياكل الإدارية المقترحة لإدارة القطاع، بما يسمح لها الاستمرار كـ"لاعب رئيس" على الأرض، حسبما يوضح الرقب.
وعليه، شدد المصدر ذاته على أن استمرار هذا الواقع يمنح الحكومة الإسرائيلية "ذرائع إضافية" لمواصلة عملياتها العسكرية، بينما المواطن الفلسطيني هو من يدفع "الثمن الأكبر" نتيجة استمرار الحرب وما خلفته من دمار وأزمات إنسانية ومعيشية غير مسبوقة، مؤكدا أن المخرج الحقيقي للأزمة يكمن في تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من القيام بدورها في غزة باعتبارها الممثل الشرعي للنظام السياسي الفلسطيني.
السلطة الفلسطينية أو الجمود السياسي
وأردف أن "المشروع الوطني الفلسطيني يقوم على وحدة الأراضي الفلسطينية ووحدة النظام السياسي والقانوني والأمني. كما أن الدولة الفلسطينية المنشودة لا يمكن أن تقوم على أساس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، أو تعدد مراكز القرار والسلاح، بل تتطلب وجود سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد وشرعية سياسية موحدة".
وختم الرقب حديثه قائلا إن المشهد الحالي يوحي بأن أيا من الطرفين، سواء الحكومة الإسرائيلية أو حركة "حماس"، لا يبدو مستعدا "لتقديم التنازلات المطلوبة، الأمر الذي يعني استمرار حالة الجمود السياسي، فيما يبقى الشعب الفلسطيني الطرف الذي يتحمل الكلفة الأكبر لهذه المواجهة المفتوحة".