لم تكن الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء مجرد مناسبة لإحياء ذكرى الضحايا، بل تحولت إلى محطة حملت رسائل سياسية وعاطفية في آن واحد، وسط استمرار الجدل حول مستقبل المصالحة، وآليات المحاسبة، وقدرة الدولة السورية على إعادة بناء الثقة مع أبناء المحافظة الواقعة جنوب البلاد.
لماذا لم يحدث الصلح ولم يُطوَ الماضي؟
وشهدت الذكرى إقامة مراسم لإحياء ذكرى الضحايا، تضمنت إضاءة الشموع وإقامة الصلوات واستحضار أسماء الذين قتلوا خلال الأحداث التي وقعت قبل عام، في مشهد عكس استمرار حضور تلك الأحداث في وجدان شريحة واسعة من أبناء السويداء.
كما شهدت المناسبة مواقف لعدد من المرجعيات الدينية، من بينها الشيخ حكمت الهجري، إضافة إلى مواقف للشيخ موفق طريف، ما أعاد تسليط الضوء على القضية التي يرى مراقبون أنها تجاوزت الإطار المحلي وأصبحت تحظى بمتابعة إقليمية ودولية.
وخلال نقاش في برنامج "المشهد الليلة" مع الإعلامي رامي شوشاني، على قناة ومنصة "المشهد"، قال الكاتب والمحلل السياسي غسان إبراهيم إنّ الدولة السورية أدركت أنّ هناك "خطأ حدث خلال مرحلة تأسيسية"، مشيرًا إلى أنّ الجيش والقوى الأمنية لم تكن مكتملة في تلك المرحلة، لكنه أكد أن الحكومة اتخذت إجراءات للتحقيق، وسمحت بدخول لجنة التحقيق الدولية، معتبرًا أنّ ذلك يختلف عن نهج النظام السوري السابق الذي كان يرفض السماح بأي تحقيقات دولية داخل الأراضي السورية.
مشاريع الانفصال
وأضاف إبراهيم أنّ القضية لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين مكونات المجتمع السوري، مؤكدًا أنّ السويداء ليست دولة منفصلة عن سوريا، وأن الحل، بحسب رأيه، ينبغي أن يكون عبر الحوار ضمن مؤسسات الدولة، محذرًا من الرهان على الانقسام أو مشاريع الانفصال.
وأشار إبراهيم إلى أنّ بعض الشخصيات المؤثرة في السويداء اختارت الحوار مع الحكومة السورية، مستشهدًا بمواقف شخصيات من عائلة الأطرش، التي قال إنّ بعضها انتقل إلى دمشق بهدف التواصل مع السلطات.
من جهته، قال الكاتب الصحفي حازم العريضي إنّ ذوي الضحايا في السويداء يطالبون بالمحاسبة وفق القانون الدولي، معتبرًا أنّ ذلك يتطلب انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي وقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية للنظر في الجرائم المرتبطة بالأحداث.
وأضاف العريضي أنّ هذا المسار في حال تطبيقه، قد يشمل أيضًا ضحايا الانتهاكات التي وقعت في سوريا منذ عام 2011، سواء خلال فترة النظام السابق أو خلال المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أنّ غياب تشريعات واضحة تتعلق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية داخل القانون السوري، يجعل المطالبات بالعدالة الدولية أكثر حضوراً لدى بعض أبناء السويداء.
وتطرق العريضي إلى تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة، مشيرًا إلى أنها تحدثت عن ضرورة بحث مسؤولية القيادة في الانتهاكات، بما يشمل الحالات التي يكون فيها القادة على علم بوقوع تجاوزات أو احتمال وقوعها.
في المقابل، شدد العريضي على أنّ الأولوية بالنسبة لكثير من أبناء السويداء هي الوصول إلى محاسبة قانونية وفق معايير دولية، معتبرًا أنّ المصالحة لا يمكن أن تتحقق دون كشف الحقيقة وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
ويرى مراقبون أنّ التحدي الأكبر أمام السويداء لا يرتبط فقط بالمحاسبة القضائية، بل يمتد إلى ملفات النازحين، وتعويض المتضررين، وكشف مصير المهجرين، وإعادة بناء الثقة بين السكان ومؤسسات الدولة.
وبعد عام على الأحداث، تبقى السويداء اختبارًا لقدرة سوريا على معالجة آثار الحرب عبر مؤسسات الدولة، وسط سؤال مفتوح حول ما إذا كانت الذكرى ستتحول مستقبلًا إلى مناسبة لاستذكار جرح تم تجاوزه، أم ستبقى تذكيرًا بملف لم يُغلق بعد.